الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مارس 20، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي (الغربة ) إعداد عبده حقي


يُعَدُّ عَبْدُ اللَّهِ الْعَرَوِيُّ (وُلِدَ فِي 7 نُونَبِر 1933 بِمَدِينَةِ أَزَمُّور) مِنْ أَبْرَزِ الْمُفَكِّرِينَ الْمَغَارِبَةِ وَالْعَرَبِ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مُؤَرِّخٌ وَرُوَائِيٌّ وَمُنَظِّرٌ لَهُ إِسْهَامَاتٌ عَمِيقَةٌ فِي دِرَاسَةِ التَّارِيخِ وَنَقْدِ الْفِكْرِ الْعَرَبِيِّ الْمُعَاصِرِ .

تَلَقَّى تَعْلِيمَهُ الْأَوَّلِيَّ بِأَزَمُّور وَمَرَّاكِش، ثُمَّ حَصَلَ عَلَى شَهَادَةِ الْبَكَالُورْيَا بِالرِّبَاط سَنَةَ 1953، قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى فَرَنْسَا لِدِرَاسَةِ الْعُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ بِمَعْهَدِ الدِّرَاسَاتِ السِّيَاسِيَّةِ بِبَارِيس، حَيْثُ نَالَ شَهَادَاتٍ عُلْيَا فِي التَّارِيخِ وَالْإِسْلَامِيَّات، ثُمَّ دُكْتُورَاهُ فِي السُّورْبُون سَنَةَ 1976 .

اشْتَغَلَ أُسْتَاذًا بِجَامِعَةِ مُحَمَّدٍ الْخَامِسِ بِالرِّبَاط، وَسَاهَمَ فِي الْحَيَاةِ الثَّقَافِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ مِنْ خِلَالِ التَّدْرِيسِ وَالتَّأْلِيفِ، كَمَا شَغَلَ مَنَاصِبَ اسْتِشَارِيَّةً وَثَقَافِيَّةً، وَنَالَ عِدَّةَ جَوَائِزَ مَرْمُوقَةٍ .

يَرْتَكِزُ مَشْرُوعُهُ الْفِكْرِيُّ عَلَى مَفْهُومِ التَّارِيخَانِيَّةِ، إِذْ يَعْتَبِرُ أَنَّ فَهْمَ وَاقِعِ الْمُجْتَمَعَاتِ لَا يَتِمُّ إِلَّا مِنْ خِلَالِ قِرَاءَةٍ تَارِيخِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ، وَقَدْ دَعَا إِلَى نَقْدِ التُّرَاثِ وَاسْتِيعَابِ الْحَدَاثَةِ كَشَرْطٍ لِلنَّهْضَةِ الْعَرَبِيَّةِ .

وَقَدْ أَثْرَى الْعَرَوِيُّ الْمَكْتَبَةَ الْعَرَبِيَّةَ وَالْفَرَنْسِيَّةَ بِعَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الْمُؤَلَّفَاتِ، مِنْ أَبْرَزِهَا: «الْأِيدِيُولُوجِيَّةُ الْعَرَبِيَّةُ الْمُعَاصِرَةُ»، وَ*«مَفْهُومُ الْحُرِّيَّةِ»، وَ«مَفْهُومُ الدَّوْلَةِ»، وَ«مَجْمَلُ تَارِيخِ الْمَغْرِبِ»*، إِضَافَةً إِلَى أَعْمَالٍ رِوَائِيَّةٍ تَكْشِفُ بُعْدَهُ الْإِبْدَاعِيَّ .

وَيُعْتَبَرُ الْعَرَوِيُّ مِنْ أَهَمِّ أَصْوَاتِ الْحَدَاثَةِ فِي الْفِكْرِ الْعَرَبِيِّ، إِذْ جَعَلَ مِنْ نَقْدِ التَّأَخُّرِ التَّارِيخِيِّ وَتَحْلِيلِ بِنْيَةِ الْعَقْلِ الْعَرَبِيِّ مَدْخَلًا لِإِعَادَةِ بِنَاءِ مَشْرُوعٍ نَهْضَوِيٍّ جَدِيدٍ

يَدْخُلُ الْقَارِئُ إِلَى عَالَمِ رِوَايَةِ «الْغُرْبَةِ» لِلْمُفَكِّرِ وَالْأَدِيبِ الْمَغْرِبِيِّ عبد الله العروي وَكَأَنَّهُ يَعْبُرُ جِسْرًا خَفِيًّا بَيْنَ التَّارِيخِ وَالذَّاتِ، بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْمُمْكِنِ، حَيْثُ لَا تَعُودُ الرِّوَايَةُ مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ تُرْوَى، بَلْ تَغْدُو مَخْتَبَرًا فِكْرِيًّا يُخْتَبَرُ فِيهِ مَصِيرُ الْإِنْسَانِ الْمَغْرِبِيِّ فِي لَحْظَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُفْصِلِيَّةٍ.

تُعَدُّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، الَّتِي صَدَرَتْ فِي سَبْعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، وَاحِدَةً مِنَ النُّصُوصِ التَّأْسِيسِيَّةِ فِي السَّرْدِ الْمَغْرِبِيِّ الْحَدِيثِ، إِذْ جَاءَتْ مُتَزَامِنَةً مَعَ أَسْئِلَةِ مَا بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ، حِينَ انْفَتَحَ الْوَعْيُ الْجَمَاعِيُّ عَلَى أُفُقٍ جَدِيدٍ، لَكِنَّهُ ظَلَّ مُثْقَلًا بِأَثْقَالِ التَّارِيخِ وَتَنَاقُضَاتِ الْحَاضِرِ .

فِي قَلْبِ هَذَا الْعَالَمِ السَّرْدِيِّ، يَظْهَرُ «إِدْرِيسُ» شَخْصِيَّةً مَرْكَزِيَّةً، تَتَجَاذَبُهَا قُوَى الْوَاقِعِ وَأَحْلَامُ الْهُرُوبِ، فَهُوَ شَابٌّ يَعِيشُ تَجْرِبَةَ انْقِسَامٍ دَاخِلِيٍّ بَيْنَ مَا هُوَ كَائِنٌ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ. تَنْعَكِسُ فِي حَيَاتِهِ مَلَامِحُ جِيلٍ كَامِلٍ وُلِدَ فِي ظِلِّ الِاسْتِعْمَارِ وَاسْتَيْقَظَ عَلَى وَعْدِ الِاسْتِقْلَالِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِنَفْسِهِ مَكَانًا وَاضِحًا فِي خَرِيطَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.

وَلَعَلَّ أَكْثَرَ مَا يُثِيرُ فِي الرِّوَايَةِ هُوَ هَذَا الْحِوَارُ الضِّمْنِيُّ بَيْنَ الذَّاتِ وَالْآخَرِ، بَيْنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، حَيْثُ لَا تَقْتَصِرُ «الْغُرْبَةُ» عَلَى مَعْنَاهَا الْجُغْرَافِيِّ، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى حَالَةٍ وُجُودِيَّةٍ تَسْكُنُ الدَّاخِلَ، فَيُصْبِحُ الْإِنْسَانُ غَرِيبًا عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا عَنْ وَطَنِهِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى بَرَاعَةُ الْعَرَوِيِّ فِي تَحْوِيلِ التَّجْرِبَةِ الشَّخْصِيَّةِ إِلَى سُؤَالٍ فَلْسَفِيٍّ عَامٍّ يَمَسُّ مَصِيرَ الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُتَحَوِّلَةِ.

إِنَّ شَخْصِيَّةَ «مَارِيَّةَ» الَّتِي تَخْتَارُ الْهِجْرَةَ، تَفْتَحُ فِي الرِّوَايَةِ أُفُقًا آخَرَ لِقِرَاءَةِ الْغُرْبَةِ، فَهِيَ لَا تَهْرُبُ فَقَطْ مِنْ وَاقِعٍ مَحْلِيٍّ مُخْتَنِقٍ، بَلْ تَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى جَدِيدٍ لِلْحَيَاةِ فِي عَالَمٍ أَوْسَعَ، فِي حِينِ يَبْقَى إِدْرِيسُ مُعَلَّقًا بَيْنَ الِانْتِظَارِ وَالْأَمَلِ، يَتَغَذَّى عَلَى وَعْدٍ مُؤَجَّلٍ بِلِقَاءٍ لَا يَأْتِي .

وَلَا تَقِفُ الرِّوَايَةُ عِنْدَ حُدُودِ السَّرْدِ التَّقْلِيدِيِّ، بَلْ تَتَجَاوَزُهُ إِلَى تَجْرِبَةٍ شَكْلِيَّةٍ مُتَفَرِّدَةٍ، حَيْثُ يَمْزِجُ الْعَرَوِيُّ بَيْنَ الْحِكَايَةِ وَالتَّأَمُّلِ، وَبَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْتَّخَيُّلِ، مُسْتَحْضِرًا فِكْرَتَهُ الْمَرْكَزِيَّةَ: «التَّارِيخُ رِوَايَةُ وَاقِعٍ، وَالرِّوَايَةُ تَارِيخٌ مُتَوَقَّعٌ» . وَهُوَ بِذَلِكَ لَا يَكْتُبُ رِوَايَةً فَقَطْ، بَلْ يُعِيدُ كِتَابَةَ التَّارِيخِ بِأَدَوَاتٍ جَمَالِيَّةٍ.

وَمِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى، تَكْشِفُ «الْغُرْبَةُ» عَنْ بُعْدٍ نَفْسِيٍّ عَمِيقٍ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الشَّخْصِيَّاتُ إِلَى كَائِنَاتٍ مُتَوَتِّرَةٍ تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا قَلَقَ الْوُجُودِ وَسُؤَالَ الْمَعْنَى. إِنَّ إِدْرِيسَ لَيْسَ بَطَلًا تَقْلِيدِيًّا، بَلْ هُوَ كَائِنٌ مُتَشَظٍّ، يَعِيشُ فِي حَالَةِ تَرَدُّدٍ دَائِمٍ، وَكَأَنَّهُ يَجْسِدُ أَزْمَةَ الذَّاتِ الْعَرَبِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ التَّحَدُّثِ وَالْحَدَاثَةِ.

وَقَدْ ذَهَبَتْ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ تُعَبِّرُ عَنْ حِوَارٍ مُعَقَّدٍ بَيْنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، وَتَكْشِفُ عَنْ صِرَاعِ الْهُوِيَّةِ فِي سِيَاقِ التَّحَوُّلَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ . وَهُوَ مَا يَجْعَلُ «الْغُرْبَةَ» نَصًّا مُتَجَدِّدًا، يُمْكِنُ قِرَاءَتُهُ فِي كُلِّ زَمَنٍ بِمَعَانٍ جَدِيدَةٍ.

وَإِذَا كَانَ الْعَرَوِيُّ فِي كُتُبِهِ النَّظَرِيَّةِ يُنَظِّرُ لِمَفْهُومِ «التَّارِيخَانِيَّةِ»، فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُجَسِّدُهُ فَنِّيًّا، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الشَّخْصِيَّاتُ إِلَى كَائِنَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ تَحْمِلُ أَثْقَالَ الْمَاضِي وَتَتَطَلَّعُ إِلَى أُفُقٍ مُلْتَبِسٍ. وَهُنَا تَكْمُنُ قِيمَةُ «الْغُرْبَةِ» كَنَصٍّ يُجَاوِزُ حُدُودَ الْأَدَبِ لِيُصْبِحَ تَأَمُّلًا فِي مَصِيرِ الْإِنْسَانِ وَالْمُجْتَمَعِ.

فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، لَا تَقْدِمُ «الْغُرْبَةُ» أَجْوِبَةً جَاهِزَةً، بَلْ تَتْرُكُ الْقَارِئَ وَحِيدًا فِي مُوَاجَهَةِ أَسْئِلَتِهِ، وَكَأَنَّهَا تُعِيدُ إِنْتَاجَ تَجْرِبَةِ الْغُرْبَةِ نَفْسِهَا: غُرْبَةُ الْمَعْنَى، وَغُرْبَةُ الْهُوِيَّةِ، وَغُرْبَةُ الزَّمَنِ. وَفِي ذَلِكَ تَكْمُنُ قُوَّتُهَا، إِذْ تَجْعَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِعْلًا وُجُودِيًّا، لَا مُجَرَّدَ مُتْعَةٍ جَمَالِيَّةٍ.

إِنَّهَا رِوَايَةٌ تَكْتُبُ الْمَغْرِبَ وَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَكْتُبُ الْإِنْسَانَ وَهُوَ يَضِيعُ فِي مَرَايَا تَارِيخِهِ.

 





0 التعليقات: