الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مارس 20، 2026

المحاورة الشعرية الأمازيغية بسوس


 يعد كتاب "نجوم المحاورة الشعرية الأمازيغية بسوس: الحاج الحبيب نموذجا" لعبد الحق السالمي من الكتابات التي تنخرط في مشروع توثيق التراث الثقافي اللامادي، خاصة ذلك المرتبط بالممارسة الشعرية الشفوية في الجنوب المغربي. وينطلق المؤلف من وعي بأهمية هذا الفن الذي ظل لزمن طويل حبيس التداول الشفهي، معرضا لخطر النسيان والاندثار، في ظل غياب التدوين وضعف الاهتمام الأكاديمي به مقارنة بأشكال أخرى من التعبير الأدبي باستثناء الجهود الرائدة التي أنجزها عمر أمرير وعدد من الباحثين الأكفاء. لذلك يسعى هذا العمل إلى تقديم قراءة كاشفة تعرف بفن المحاورة الشعرية الأمازيغية داخل فضاءات "أساس"، وتبرز مكانته في الحياة الثقافية والاجتماعية بسوس.

يتوزع الكتاب، وفق بنائه المنهجي، إلى بابين رئيسيين يتكاملان في خدمة الموضوع. يقدم الباب الأول مدخلا نظريا لفن المحاورة الشعرية الأمازيغية، حيث يتناول نشأته وخصائصه الفنية والتعبيرية، مع التعريف بأهم رواده في منطقة سوس. ويقف المؤلف عند طبيعة هذا الفن بوصفه ممارسة جماعية تقوم على الارتجال والتفاعل المباشر بين الشعراء، وتعكس في الآن ذاته قضايا المجتمع وهمومه، سواء كانت محلية أو وطنية أو حتى إنسانية. كما يبرز الدور الذي تلعبه هذه المحاورات في حفظ الذاكرة الجماعية ونقل القيم الثقافية والاجتماعية بين الأجيال.

أما الباب الثاني فيركز على الشاعر الحاج الحبيب باعتباره نموذجا دالا داخل هذا الفن، إذ يقدم المؤلف معطيات حول حياته ومساره الفني، ثم ينتقل إلى تحليل إنتاجه الشعري داخل فضاءات "أساس". ويكشف هذا التحليل عن غنى التجربة الشعرية للحاج الحبيب، من حيث تنوع موضوعاتها وارتباطها بقضايا المجتمع، فضلا عن ما تحمله من أبعاد جمالية وفنية تعكس تمكن الشاعر من أدواته التعبيرية. كما يقارب المؤلف نصوصه في ضوء السياق الذي أنتجت فيه، مبرزا تفاعلها مع محيطها الاجتماعي والثقافي.

ومن الجوانب اللافتة في هذا العمل اهتمامه بإشكالية تدوين النص الأمازيغي بالحرف العربي، حيث يشير إلى الصعوبات التي تعترض نقل النص الشفهي إلى الكتابة، خاصة ما يتعلق بغياب علامات الشكل وبعض الخصائص الصوتية التي تميز الأمازيغية. ومع ذلك، يقترح المؤلف مجموعة من الحلول الإجرائية التي تساعد على تقريب النص إلى القارئ، مثل اعتماد بعض الصيغ الكتابية الميسرة وإرفاق النصوص بشروح توضيحية، مما يجعل الكتاب في متناول فئات أوسع من القراء، بما فيهم غير الناطقين بالأمازيغية.

تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يسهم في سد جزء من الفراغ الموجود في مجال دراسة الشعر الأمازيغي الشفهي، ويعيد الاعتبار لعدد من الشعراء الذين أسهموا في إغناء هذا الفن دون أن يحظوا بما يستحقونه من دراسة وتوثيق. كما يفتح آفاقا جديدة أمام آخرين  للاهتمام بهذا المجال، سواء من زاوية التحليل الأدبي أو من منظور الأنثروبولوجيا الثقافية. ويعزز كذلك الوعي بأهمية الحفاظ على التراث اللامادي باعتباره جزءا أساسيا من هوية المجتمع.

يمكن القول إن مثل هذه الكتابات لا تكتفي بتسجيل مظاهر الثقافة الشعبية، بل تتجاوز ذلك إلى الإسهام في فهم عميق لبنية المجتمع وطريقة تفكيره وتمثلاته. فهي تعيد الاعتبار للذاكرة الجماعية، وتربط الماضي بالحاضر، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة التعرف على مكونات هويتها الثقافية. ومن ثم، فإن دعم هذا النوع من الدراسات يظل ضرورة ملحة لضمان استمرارية التراث الثقافي وتثمينه في سياق التحولات التي يشهدها المجتمع.

0 التعليقات: