في الأسبوع الماضي، لم تبدُ خريطةُ حقوق الإنسان في الجزائر وتونس ومصر والشرق الأوسط مجرّد سلسلةٍ من الأخبار المتفرقة، بل لوحةً متصلةَ الخطوط تكشف أن القاسم المشترك بين هذه المناطق هو هشاشةُ الحماية القانونية أمام تمدد القبضة الأمنية، وتآكلُ الضمانات القضائية، وتحوّلُ المدنيين — من معارضين وصحافيين ولاجئين وعابرين ومهجّرين — إلى أجسادٍ مكشوفةٍ أمام السلطة والحرب معاً. ففي تونس، استمرّ الجدل حول توظيف القضاء ضدّ الأصوات الناقدة؛ وفي مصر تصاعدت التحذيرات الأممية من الاعتقالات التعسفية والترحيل القسري بحق اللاجئين والمهاجرين؛ أمّا في المشرق، فبقي المدنيون في غزة ولبنان وسوريا يدفعون الثمن الأعلى لصراعاتٍ تتجاوزهم، لكنها تسحقهم أولاً.
في تونس، بدا المشهد أكثر وضوحاً من غيره: الحقوقيون لا يتحدثون فقط عن تراجعٍ عام، بل عن وقائع محددة تُظهر أن مناخ المحاكمة والعقاب لم يعد يقتصر على الخصوم السياسيين التقليديين، بل اتسع ليشمل محامين وصحافيين وعاملين في المجال الإنساني. فقد أكدت هيومن رايتس ووتش أن المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان أحمد صواب حوكم على خلفية تصريحات أدلى بها خارج المحكمة أثناء دفاعه عن متهمين في قضية “التآمر على أمن الدولة”، مشيرةً إلى أن الحكم خُفّف لاحقاً في الاستئناف وأُفرج عنه في 23 فبراير 2026 بعد احتسابه مدة السجن التي قضاها، لكن أصل الملاحقة نفسه ظلّ دالاً على العقاب بسبب التعبير والدفاع القانوني. كما وثّقت رويترز في يناير الحكم على صحافيين بارزين بالسجن ثلاث سنوات ونصف، بينما أوضحت منظمة العفو الدولية أن شريفة الرياحي ومحمد جو وموظفين آخرين في العمل الإنساني أُفرج عنهم بعد 20 شهراً من الاحتجاز التعسفي المرتبط حصراً بمساعدتهم للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين. هذه ليست مؤشرات تقنية؛ إنها أمثلة حية على أن المجال المدني في تونس يُدفع إلى الزاوية، وأن الإفراج بعد شهور أو سنوات لا يمحو أثر الانتهاك، بل يفضحه.
أما الجزائر، فرغم أن الأسبوع المنصرم لم يشهد عدداً كبيراً من العناوين الصاخبة مقارنة بتونس أو المشرق، فإن الملف الحقوقي بقي مثقلاً بقضايا مفتوحة تُظهر استمرار اختلال معايير المحاكمة العادلة وتوسيع هامش الردع. فالعفو الدولية نبّهت في أواخر فبراير إلى إعادة محاكمة 94 شخصاً أمام مجلس قضاء الجزائر في ملف أحداث القبائل لعام 2021، مطالبةً بضمان محاكمة عادلة وعدم اللجوء إلى عقوبة الإعدام. وفي الخلفية، تستمرّ ملفات ترمز إلى هذا المناخ، مثل قضية الشاعر والناشط محمد تجاديت التي ظلّت منظمات حقوقية تعتبرها مثالاً على ملاحقة الكلمة المعارضة، إلى جانب التذكير الدولي المستمرّ بمناخ التضييق على الصحافة والنشطاء. المعنى هنا أن الانتهاك في الجزائر لا يظهر فقط في لحظة الاعتقال، بل أيضاً في استدامة الخوف القضائي: محاكمات طويلة، وتكييفات ثقيلة، ورسالة ضمنية تقول إن التعبير الحر قد يتحول في أي لحظة إلى ملف أمني.
وفي مصر، اتخذ الأسبوع الماضي طابعاً أكثر قسوة من زاوية حقوق اللاجئين والمهاجرين، وهي زاوية كثيراً ما تُهمل في القراءة العامة للملف المصري. فقد حذّر خبراء أمميون في 6 مارس 2026 من “حملة متصاعدة” تشمل الترحيل والاعتقال التعسفي وانتهاكات أخرى تستهدف اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر، في سياق بلد يستضيف أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء مسجّل، بينهم أعداد كبيرة من السودانيين والسوريين. ولم يقتصر الأمر على توصيف عام؛ إذ دعمت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان الشخصية هذا التحذير الأممي بالإشارة إلى تصاعد الاعتقالات والترحيلات غير القانونية. وفي مثال حي آخر، وثّقت العفو الدولية هذا الشهر قضية حسن السيد، المصري المقيم في الدنمارك، الذي اعتُقل في مطار القاهرة في ديسمبر 2025 بسبب ظهور عابر في فيلم، ثم أُخضع للحبس الاحتياطي بتهمة “الانضمام إلى جماعة إرهابية”، فيما تؤكد وثائق العفو أيضاً استمرار تعرّض سجناء الرأي وغيرهم من المحتجزين السياسيين لسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الصحية. هكذا يتسع المشهد المصري من قمع المعارضين التقليديين إلى فضاء أوسع يطال الفنان العابر، واللاجئ الهارب، وكل من يُشتبه في خروجه عن الرواية الرسمية.
وفي الشرق الأوسط، بدا ميزان الانتهاك أشدَّ اختلالاً لأن الفاعل ليس دولةً واحدة ولا مؤسسةً واحدة، بل حربٌ إقليمية ممتدة تُنتج انتهاكات جماعية على مدار الساعة. في لبنان، قالت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن بعض الضربات الإسرائيلية على مبانٍ سكنية وخيام للنازحين ومركز صحي قد ترقى إلى جرائم حرب، فيما نقلت رويترز عن المفوضية أن الغارات قتلت مئات المدنيين ودفعت أكثر من مليون شخص إلى النزوح، مع تحذير من أن أوامر الإخلاء الواسعة قد تُفضي إلى تهجير قسري محظور بموجب القانون الدولي. وفي بيان آخر للمفوض السامي فولكر تورك قبل خمسة أيام، جرى التأكيد على أن الضربات الإسرائيلية في لبنان، وكذلك الضربات الإيرانية والصواريخ التي سقطت في عدد من بلدان المنطقة، أصابت مطارات وموانئ ومنشآت مدنية وأبقت ملايين البشر في حالة رعب متواصل. أي إن الحق في الحياة والأمان الشخصي لم يعد مهدداً في نقطة تماس واحدة، بل على امتداد الجغرافيا الإقليمية.
وفي فلسطين، ظلّ المدني الفلسطيني هو المثال الأكثر فجاجة على عجز النظام الدولي عن صون الحد الأدنى من الحقوق. فبحسب تقرير “أوتشا” الصادر في 19 مارس 2026، استمرت الغارات والقصف وإطلاق النار في غزة، مع سقوط قتلى وجرحى مدنيين، وأفادت وزارة الصحة في غزة بأن الفترة بين 6 و17 مارس شهدت مقتل 35 فلسطينياً وإصابة 95 آخرين، بينما أشارت رويترز في 22 مارس إلى مقتل أربعة أشخاص في غارات جديدة، من بينهم ثلاثة قُتلوا في النصيرات. وحتى خارج رقم الضحايا المباشر، تواصلت آثار الحصار، والنزوح، وتدمير البنية المدنية، بما يجعل الحق في الغذاء والعلاج والمأوى امتداداً يومياً للحق في الحياة لا بنداً منفصلاً عنه. وفي سوريا، نبّهت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة في 13 مارس إلى أن تقريرها وثّق القتل خارج القانون والتعذيب والاختفاء القسري والانتهاكات المتصلة بالممتلكات، مشيرةً إلى أن أكثر من 1400 شخص، معظمهم من المدنيين العلويين، قُتلوا في أحداث مارس الماضي، وأن بعض هذه الأفعال قد يرقى إلى جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية إذا استكملت عناصرها القانونية.
الخلاصة القاسية لهذا الأسبوع أن المنطقة لا تعاني من “أزمة حقوق إنسان” واحدة، بل من طبقات متراكبة من الانتهاك: قضاء يُستخدم لترهيب الخصوم في تونس، وقبضة أمنية تُضيّق على اللاجئ والمواطن معاً في مصر، وملفات ثقيلة مفتوحة في الجزائر تُبقي الخوف قائماً، وحروبٌ في المشرق تُحوّل المدنيين إلى أرقامٍ يومية. والأمثلة الحية التي برزت أو تجددت حول أحمد صواب وشريفة الرياحي ومحمد جو في تونس، وحسن السيد واللاجئين السودانيين والسوريين في مصر، والمحاكمات الثقيلة في الجزائر، والنازحين والقتلى في غزة ولبنان، والضحايا المدنيين في سوريا، تقول شيئاً واحداً: إن الكرامة الإنسانية في هذه الرقعة لم تعد تحتاج فقط إلى بيانات الشجب، بل إلى مساءلة فعلية، وقضاء مستقل، وحماية دولية لا تكتفي بوصف الجرح بعد اتساعه.








0 التعليقات:
إرسال تعليق