تِشَارْلِزْ جُونْ هُوفَامْ دِيكِنْزْ (7 فِبْرَايِرَ 1812 – 9 يُونْيُو 1870) هُوَ رِوَائِيٌّ وَصَحَفِيٌّ إِنْجِلِيزِيٌّ، يُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ كُتَّابِ العَصْرِ الفِكْتُورِيِّ وَأَكْثَرِهِمْ تَأْثِيرًا فِي تَارِيخِ الأَدَبِ العَالَمِيِّ. وُلِدَ فِي مَدِينَةِ بُورْتْسْمُوثْ بِإِنْجِلْتَرَا، وَنَشَأَ فِي أُسْرَةٍ عَانَتْ مِنْ صُعُوبَاتٍ مَالِيَّةٍ، حَيْثُ أُجْبِرَ فِي سِنِّ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ عَلَى تَرْكِ الدِّرَاسَةِ وَالعَمَلِ فِي مَصْنَعٍ بَعْدَ سَجْنِ وَالِدِهِ بِسَبَبِ الدُّيُونِ، وَهُوَ تَجْرِبَةٌ عَمِيقَةُ الأَثَرِ ظَلَّتْ حَاضِرَةً فِي أَعْمَالِهِ الأَدَبِيَّةِ
بَدَأَ مِسِيرَتَهُ المِهْنِيَّةَ صَحَفِيًّا، ثُمَّ شَهِدَ انْطِلَاقَتَهُ الأَدَبِيَّةَ مَعَ نَشْرِ رِوَايَةِ «أَوْرَاقِ بِيْكْوِيكْ» سَنَةَ 1836، الَّتِي حَقَّقَتْ نَجَاحًا كَبِيرًا وَجَعَلَتْ مِنْهُ نَجْمًا أَدَبِيًّا عَالَمِيًّا. كَتَبَ دِيكِنْزْ خَمْسَ عَشْرَةَ رِوَايَةً، وَعَدَدًا كَبِيرًا مِنَ القِصَصِ القَصِيرَةِ وَالمَقَالَاتِ، وَتَمَيَّزَتْ أَعْمَالُهُ بِقُدْرَتِهَا عَلَى الجَمْعِ بَيْنَ السَّرْدِ الشَّيِّقِ وَالنَّقْدِ الاجْتِمَاعِيِّ اللَّاذِعِ، خَاصَّةً فِي تَصْوِيرِ أَوْضَاعِ الفُقَرَاءِ وَالطَّبَقَاتِ العَامِلَةِ فِي إِنْجِلْتَرَا الفِكْتُورِيَّةِ .
مِنْ أَشْهَرِ أَعْمَالِهِ: «أُولِيفَرْ
تْوِيسْت»، وَ«دَافِيدْ كُوبَرْفِيلْد»، وَ«قِصَّةُ مَدِينَتَيْنِ»،
وَ«تَوَقُّعَاتٌ عَظِيمَةٌ»، وَ«تَرْنِيمَةُ عِيدِ المِيلَادِ»، وَغَيْرُهَا مِنَ
الرِّوَايَاتِ الَّتِي لَا تَزَالُ تُقْرَأُ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ إِلَى
اليَوْمِ. وَقَدْ سَاهَمَتْ كِتَابَاتُهُ فِي إِثَارَةِ الوَعْيِ الاجْتِمَاعِيِّ
وَالدَّعْوَةِ إِلَى الإِصْلَاحِ، خَاصَّةً فِي مَجَالِ حُقُوقِ الأَطْفَالِ
وَالتَّعْلِيمِ .
تُوُفِّيَ دِيكِنْزْ سَنَةَ 1870، وَلا
يَزَالُ يُعْتَبَرُ أَحَدَ أَعْمِدَةِ الأَدَبِ الإِنْجِلِيزِيِّ وَمِنْ أَكْثَرِ
الكُتَّابِ تَأْثِيرًا فِي الثَّقَافَةِ العَالَمِيَّةِ، حَيْثُ تَحَوَّلَتْ
أَعْمَالُهُ إِلَى أَفْلَامٍ وَمَسْرَحِيَّاتٍ وَأَعْمَالٍ فَنِّيَّةٍ
مُتَعَدِّدَةٍ .
خُيُوطُ الدَّمِ وَالنُّورِ بَيْنَ لَنْدَنَ وَبَارِيسَ فِي
رِوَايَةِ «قِصَّةِ مَدِينَتَيْنِ» مقال نقدي من إنجاز الكاتب المغربي عبدو حقي
فِي عَالَمٍ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ الأَمَلِ
وَاليَأْسِ، وَبَيْنَ النُّورِ وَالعَتْمَةِ، تَقِفُ رِوَايَةُ «قِصَّةِ
مَدِينَتَيْنِ» لِلتِّشَارْلِزْ دِيكِنْزْ كَشَاهِدٍ سَرْدِيٍّ عَلَى زَمَنٍ
مُتَفَجِّرٍ، لَا بِوَصْفِهِ مَاضِيًا فَقَطْ، بَلْ بِاعْتِبَارِهِ مِرْآةً
لِكُلِّ حَاضِرٍ مُرْتَبِكٍ. هِيَ رِوَايَةٌ نُشِرَتْ سَنَةَ 1859، وَتَدُورُ
أَحْدَاثُهَا بَيْنَ مَدِينَتَيْ لَنْدَنَ وَبَارِيسَ، عَلَى خَلْفِيَّةِ
الثَّوْرَةِ الفَرَنْسِيَّةِ، ذَلِكَ الزِّلْزَالِ التَّارِيخِيِّ الَّذِي أَعَادَ
تَرْتِيبَ العَالَمِ وَهَزَّ مَفَاهِيمَ العَدَالَةِ وَالسُّلْطَةِ .
تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ بِجُمْلَتِهَا
الشَّهِيرَةِ: «كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ الأَزْمِنَةِ، وَكَانَ أَسْوَأَهَا»، وَهِيَ
لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَدْخَلٍ بَلَاغِيٍّ، بَلْ مِفْتَاحٌ لِفَهْمِ عَالَمٍ
مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ، حَيْثُ تَتَجَاوَرُ الأَضْدَادُ فِي تَجْرِبَةٍ
إِنْسَانِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ. فَهُنَاكَ لَنْدَنُ الَّتِي تَظْهَرُ كَمَلَاذٍ
نِسْبِيٍّ لِلسَّلَامِ، وَبَارِيسُ الَّتِي تَغْلِي بِغَضَبِ الجُمُوعِ
وَتَحَوُّلِهِمْ إِلَى قُوَّةٍ مُدَمِّرَةٍ.
تَتَمَحْوَرُ الحِكَايَةُ حَوْلَ
شَخْصِيَّاتٍ تَتَقَاطَعُ مَصَائِرُهَا فِي لَحْظَةٍ تَارِيخِيَّةٍ حَاسِمَةٍ:
الدُّكْتُورُ مَانِيتْ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ سِجْنِ البَاسْتِيلْ بَعْدَ
ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، وَابْنَتُهُ لُوسِي الَّتِي تُجَسِّدُ خَيْطَ الأَمَلِ،
وَتْشَارْلِزْ دَارْنَايْ، وَسِيدْنِي كَارْتُونْ، ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي
يَتَحَوَّلُ مِنْ ظِلٍّ مُهْمَلٍ إِلَى بَطَلٍ تَرَاجِيدِيٍّ. هَذِهِ
الشَّخْصِيَّاتُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَبْطَالٍ، بَلْ هِيَ تَجْسِيدَاتٌ لِقِيمٍ
مُتَنَاقِضَةٍ: الحُبُّ، التَّضْحِيَةُ، الاِنْتِقَامُ، وَالخَلَاصُ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَبْرُزُ ثِيمَةُ
«البَعْثِ» أَوِ الاِنْبِعَاثِ كَأَحَدِ أَعْمَقِ المَحَاوِرِ الَّتِي تَشُدُّ
بِنْيَةَ الرِّوَايَةِ، حَيْثُ يَعُودُ مَانِيتْ إِلَى الحَيَاةِ بَعْدَ سِجْنٍ
طَوِيلٍ، وَيُضَحِّي كَارْتُونْ بِنَفْسِهِ لِيَمْنَحَ الآخَرِينَ فُرْصَةً
جَدِيدَةً لِلْحَيَاةِ، فَتَتَحَوَّلُ المَوْتُ إِلَى مَعْنًى لِلخَلَاصِ
وَالتَّجَدُّدِ . وَهُنَا تَتَجَلَّى عَبْقَرِيَّةُ دِيكِنْزْ
فِي جَعْلِ التَّارِيخِ مَسْرَحًا لِلتَّحَوُّلِ الأَخْلَاقِيِّ.
لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَكْتَفِي بِسَرْدِ
حِكَايَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ تَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ الصِّرَاعِ الطَّبَقِيِّ
الَّذِي أَدَّى إِلَى اِنْفِجَارِ الثَّوْرَةِ. يُصَوِّرُ دِيكِنْزْ قَسْوَةَ
الأَرِسْتُقْرَاطِيَّةِ وَتَجَاهُلَهَا لِمُعَانَاةِ الفُقَرَاءِ، وَفِي
المُقَابِلِ، يَكْشِفُ عَنْ وَحْشِيَّةِ الجَمَاهِيرِ عِنْدَمَا تَتَحَوَّلُ إِلَى
قُوَّةٍ عَمْيَاءَ لَا تَعْرِفُ الحُدُودَ. وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ تُحَذِّرُ مِنْ
أَنَّ الظُّلْمَ، أَيًّا كَانَ مَصْدَرُهُ، يُنْتِجُ ظُلْمًا آخَرَ، وَأَنَّ
الثَّوْرَةَ قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى نُسْخَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الاِسْتِبْدَادِ .
وَمِنْ هُنَا، تَكْتَسِبُ الرِّوَايَةُ
بُعْدَهَا الفَلْسَفِيَّ، حَيْثُ تَطْرَحُ سُؤَالًا مُرْبِكًا: هَلِ العَدَالَةُ
تُبْنَى عَلَى الاِنْتِقَامِ، أَمْ عَلَى التَّسَامُحِ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ
لِلتَّارِيخِ أَنْ يَتَجَاوَزَ دَوَّامَةَ العُنْفِ؟ فِي شَخْصِيَّةِ «مَادَامْ
دِيفَارْجْ»، نَرَى وَجْهَ الاِنْتِقَامِ الَّذِي لَا يَنْسَى، وَفِي «لُوسِي»،
نَرَى وَجْهَ الحُبِّ الَّذِي يُرَمِّمُ العَالَمَ.
بِأُسْلُوبِهِ المُتَدَفِّقِ، يَجْمَعُ
دِيكِنْزْ بَيْنَ التَّشْوِيقِ الدِّرَامِيِّ وَالنَّقْدِ الاِجْتِمَاعِيِّ،
فَيَجْعَلُ مِنَ القَارِئِ شَاهِدًا عَلَى التَّارِيخِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ
مُتَوَرِّطًا فِي أَسْئِلَتِهِ. لَيْسَتِ الرِّوَايَةُ تَسْجِيلًا دَقِيقًا
لِأَحْدَاثِ الثَّوْرَةِ، بَلْ هِيَ إِعَادَةُ تَخَيُّلٍ لَهَا، تَمْزِجُ بَيْنَ
الحَقِيقَةِ وَالدِّرَامَا لِإِبْرَازِ مَعَانِي الإِنْسَانِيَّةِ .
وَلِمُتَابِعِي صَفْحَتِي عَلَى «تِيكْ
تُوكْ»، لَعَلَّ أَهَمَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَخْلِصَهُ مِنْ هَذِهِ
الرِّوَايَةِ هُوَ أَنَّهَا لَيْسَتْ قِصَّةً عَنْ مَاضٍ بَعِيدٍ، بَلْ نَصٌّ
يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ زَمَنٍ. فِي عَالَمِنَا اليَوْمَ، حَيْثُ تَتَفَاقَمُ
الفَوَارِقُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ، وَتَتَصَاعَدُ نَبَرَاتُ الغَضَبِ، تَبْدُو
«قِصَّةُ مَدِينَتَيْنِ» كَأَنَّهَا تُحَذِّرُنَا مِنْ أَنْ نُعِيدَ نَفْسَ
الأَخْطَاءِ.
إِنَّهَا رِوَايَةٌ عَنْ الإِنْسَانِ فِي
أَقْصَى تَجَلِّيَاتِهِ: عِنْدَمَا يَكُونُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَكُونَ وَحْشًا،
وَقَادِرًا فِي الآنِ نَفْسِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُنْقِذًا. وَبَيْنَ هَذَيْنِ
الحَدَّيْنِ، تَتَشَكَّلُ الحِكَايَةُ، وَيَتَشَكَّلُ مَعَهَا مَعْنَى الحَيَاةِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق