الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مارس 20، 2026

الإِصْدَارَاتِ الجَدِيدَةِ وَوهَجُ الكِتَابَةِ بَيْنَ المَنَافِي وَالأَوْطَان: إعداد عبده حقي

 


يبدو المشهدُ الأدبيُّ العربيُّ كأنّهُ يلتقط أنفاسَهُ على إيقاعٍ متسارعٍ من الإصدارات الجديدة، حيث تلاقت أصواتٌ روائية وشعرية وفكرية عبر منصّاتٍ ثقافية ودور نشرٍ مرجعية، لتصوغ معًا فسيفساءً غنية تُعبّر عن تحوّلات الذات العربية في زمنٍ يتأرجح بين الذاكرة الرقمية والحنين الورقي. من صفحات الضفة الثالثة إلى أرشيف القدس العربي، ومن رفوف دار الساقي ودار الأدب إلى منشورات دار توبقال ومنشورات التوحيدي، تتشكل خريطةٌ جديدة للكتابة، لا تعترف بالحدود بقدر ما تنصت لنبض الإنسان العربي في تعدده وقلقه وأسئلته المفتوحة.

في الضفة الثالثة، المنصة الثقافية التابعة لصحيفة العربي الجديد، برزت هذا الأسبوع مراجعاتٌ وقراءاتٌ لأعمالٍ سردية حديثة تُعيد مساءلة مفاهيم الهوية والمنفى. من بين هذه الأعمال رواياتٌ تستثمر في تقنيات السرد المتشظي، حيث تتداخل الأزمنة وتتشابك الأصوات، كما لو أنّ النصّ نفسه أصبح مرآةً للانكسارات المعاصرة. اللافت في هذه الإصدارات هو ميلها إلى تفكيك السرديات الكبرى، والانتصار للحكايات الصغيرة، تلك التي تنبع من الهامش وتعيد كتابة المركز من جديد.

أما في القدس العربي، فقد استمرّ حضورُ الكتاب الجديد في زاوية العروض والقراءات، حيث طُرحت أعمالٌ فكرية وسياسية تتناول قضايا ساخنة مثل تحولات الدولة الوطنية، وأزمة الديمقراطية في العالم العربي، إضافة إلى كتبٍ في السيرة الذاتية تشتغل على الذاكرة الفردية بوصفها وثيقةً موازية للتاريخ الرسمي. ومن بين ما لفت الانتباه هذا الأسبوع، صدورُ كتبٍ تُقارب مفهوم “النجاة” في زمن الحروب، حيث تتحول الكتابة إلى فعل مقاومة رمزي ضد النسيان.

في دار الساقي، التي طالما راهنت على نشر الفكر النقدي والأدب الجريء، ظهرت عناوين جديدة تُراوح بين الرواية والدراسات الفكرية. من بين هذه الإصدارات كتبٌ تعالج سؤال الحرية في المجتمعات العربية، وأخرى تنفتح على تجارب نسوية تسعى إلى إعادة تعريف الجسد واللغة معًا. كما صدرت رواياتٌ جديدة تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ”الواقعية الجديدة”، حيث تتداخل اليوميات البسيطة مع أسئلة الوجود الكبرى، في لغةٍ شفافةٍ لكنها عميقة.

أما دار الأدب، فقد واصلت هذا الأسبوع تعزيز حضورها عبر إصداراتٍ روائية وشعرية تُعبّر عن حساسية جمالية متجددة. اللافت في منشوراتها الأخيرة هو انفتاحها على أصواتٍ شابة، تُجرب في اللغة وتكسر القوالب التقليدية، سواء عبر قصائد نثرية ذات نفس تأملي، أو روايات قصيرة تعتمد التكثيف والاقتصاد السردي. هنا، يبدو الأدب وكأنه يعود إلى جوهره الأول: كتابة الذات في مواجهة العالم.

في المغرب، تُواصل دار توبقال دورها التاريخي في دعم الكتاب الفكري والفلسفي، حيث شهد هذا الأسبوع صدور أعمالٍ تُعنى بالفكر النقدي وترجمة نصوصٍ فلسفية حديثة. هذه الإصدارات تُعيد طرح أسئلة العقلانية والتحديث، وتفتح نقاشًا حول موقع الفكر العربي في سياق العولمة الرقمية. كما برزت كتبٌ تُقارب التراث المغربي من زاوية جديدة، تمزج بين البحث الأكاديمي والسرد الثقافي.

أما منشورات التوحيدي، فقد قدّمت هذا الأسبوع عناوين تجمع بين الأدب والتفكير الفلسفي، حيث تتقاطع الكتابة مع التأمل في اللغة والوجود. من بين هذه الإصدارات نصوصٌ هجينة يصعب تصنيفها، تتراوح بين اليوميات والكتابة الشذرية، في محاولة لابتكار شكلٍ جديدٍ من التعبير يواكب تحولات العصر. هنا، لا يعود الكتاب مجرد وعاء للمعرفة، بل يصبح تجربةً وجوديةً في حد ذاته.

ما يجمع هذه الإصدارات، رغم اختلاف مشاربها، هو نزوعها إلى مساءلة الواقع العربي في لحظةٍ مفصلية. فالرواية لم تعد فقط حكاية، بل مختبرًا لتفكيك الهوية؛ والشعر لم يعد مجرد غناء، بل محاولة للقبض على المعنى في عالمٍ متشظٍ؛ أما الفكر، فيسعى إلى إعادة بناء الأسئلة بدل تقديم الأجوبة الجاهزة.

إنّنا أمام مشهدٍ أدبيٍّ يتشكل في تقاطع الورقي والرقمي، حيث لم تعد الحدود بين الكاتب والقارئ واضحة، ولم يعد النص مغلقًا على ذاته، بل أصبح مفتوحًا على التأويلات والوسائط الجديدة. وفي هذا السياق، تبدو هذه الإصدارات الأسبوعية كأنها إشارات ضوئية في طريقٍ طويل، تؤكد أن الكتاب العربي، رغم كل التحديات، لا يزال قادرًا على تجديد نفسه، وعلى ملامسة القلق الإنساني في أعمق تجلياته.

هكذا، يتضح أن هذا الأسبوع لم يكن مجرد محطة عابرة في زمن النشر، بل لحظة كثيفة من التراكم الثقافي، حيث تتجاور الأصوات وتتقاطع الرؤى، لتصوغ معًا أفقًا جديدًا للكتابة العربية، أفقًا لا يكتفي بوصف العالم، بل يسعى إلى إعادة تخيّله.


0 التعليقات: