التَّهَامِي الوَزَّانِيُّ (1903–1972م) أَدِيبٌ وَمُؤَرِّخٌ وَصَحَفِيٌّ مَغْرِبِيٌّ بَارِزٌ، وُلِدَ بِمَدِينَةِ تِطْوَانَ فِي شِمَالِ المَغْرِبِ، وَنَشَأَ فِي بِيئَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَصُوفِيَّةٍ، حَيْثُ تَلَقَّى تَعْلِيمَهُ الأَوَّلِيَّ فِي الكُتَّابِ، فَحَفِظَ القُرْآنَ الكَرِيمَ، وَدَرَسَ الفِقْهَ وَاللُّغَةَ وَالتَّصَوُّفَ عَلَى أَيْدِي عُلَمَاءِ مَدِينَتِهِ .
يُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ رُوَّادِ الأَدَبِ الحَدِيثِ فِي المَغْرِبِ، إِذْ جَمَعَ بَيْنَ الكِتَابَةِ الأَدَبِيَّةِ وَالنِّضَالِ الوَطَنِيِّ ضِدَّ الاِسْتِعْمَارِ الإِسْبَانِيِّ، وَسَخَّرَ قَلَمَهُ لِخِدْمَةِ القَضِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ وَتَوْعِيَةِ المُجْتَمَعِ .
أَسَّسَ
سَنَةَ 1936م جَرِيدَةَ «الرِّيف» الَّتِي تُعَدُّ مِنْ أَوَائِلِ الصُّحُفِ
العَرَبِيَّةِ فِي شِمَالِ المَغْرِبِ، وَكَانَتْ مَنْبَرًا لِلدِّفَاعِ عَنِ
الهُوِيَّةِ وَالقِيَمِ الوَطَنِيَّةِ .
وَمِنْ
أَشْهَرِ أَعْمَالِهِ كِتَابُهُ السِّيرِيُّ «الزَّاوِيَةُ»،
وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ النُّصُوصِ السِّيرِيَّةِ فِي الأَدَبِ المَغْرِبِيِّ
الحَدِيثِ، إِذْ قَدَّمَ فِيهِ صُورَةً دَقِيقَةً لِلْمُجْتَمَعِ التِّطْوَانِيِّ
وَحَيَاتِهِ الثَّقَافِيَّةِ وَالاِجْتِمَاعِيَّةِ فِي بَدَايَاتِ القَرْنِ
العِشْرِينَ .
وَإِلَى
جَانِبِ ذَلِكَ، اشْتَغَلَ بِالتَّرْجَمَةِ، فَنَقَلَ إِلَى العَرَبِيَّةِ بَعْضَ
الأَعْمَالِ العَالَمِيَّةِ، مِنْهَا «دُونْ كِيخُوتِي» لِسِيرْفَانْتِيس، مِمَّا
يَدُلُّ عَلَى انْفِتَاحِهِ عَلَى الثَّقَافَةِ الإِنْسَانِيَّةِ .
تُوُفِّيَ
التَّهَامِي الوَزَّانِيُّ سَنَةَ 1972م، وَتَرَكَ إِرْثًا أَدَبِيًّا
وَفِكْرِيًّا مُهِمًّا، جَعَلَهُ مِنْ أَعْلَامِ الثَّقَافَةِ المَغْرِبِيَّةِ فِي
القَرْنِ العِشْرِينَ.
فِي مَتْنِ الأَدَبِ المَغْرِبِيِّ الحَدِيثِ، تَبْرُزُ
رِوَايَةُ «الزَّاوِيَةِ» لِلأَدِيبِ التَّهَامِي الوَزَّانِيِّ كَنَصٍّ فَارِقٍ، لَا
يَكْتَفِي بِسَرْدِ الذَّاتِ، بَلْ يَحْفِرُ فِي تَضَارِيسِ المُجْتَمَعِ وَالتَّارِيخِ
وَالرُّوحِ، مُحَوِّلًا التَّجْرِبَةَ الفَرْدِيَّةَ إِلَى شَاهِدٍ حَيٍّ عَلَى زَمَنٍ
مَغْرِبِيٍّ مُلْتَبِسٍ بَيْنَ الاِسْتِعْمَارِ وَالبَحْثِ عَنِ الهُوِيَّةِ.
تُعَدُّ «الزَّاوِيَةُ» مِنْ أَوَائِلِ النُّصُوصِ الرِّوَائِيَّةِ
المَكْتُوبَةِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ فِي المَغْرِبِ، بَلْ يَذْهَبُ بَعْضُ النُّقَّادِ
إِلَى اعْتِبَارِهَا أُولَى الرِّوَايَاتِ العَرَبِيَّةِ المَغْرِبِيَّةِ، وَقَدْ صَدَرَتْ
فِي أَرْبَعِينِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرِينَ عَنْ مَطْبَعَةِ الرِّيفِ بِتِطْوَانَ
. وَهِيَ، فِي جَوْهَرِهَا، سِيرَةٌ ذَاتِيَّةٌ مُقَنَّعَةٌ تَمْزِجُ بَيْنَ السَّرْدِ
وَالتَّأْرِيخِ وَالتَّجْرِبَةِ الرُّوحِيَّةِ، مِمَّا يَجْعَلُهَا نَصًّا عَابِرًا
لِلتَّصْنِيفَاتِ الأَدَبِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ .
يَسْتَعِيدُ الوَزَّانِيُّ فِي هَذَا العَمَلِ مَرَاحِلَ
طُفُولَتِهِ وَشَبَابِهِ فِي مَدِينَةِ تِطْوَانَ، مُقَدِّمًا صُورَةً حَيَّةً لِلْمُجْتَمَعِ
الشَّمَالِيِّ خِلَالَ فَتْرَةِ الاِحْتِلَالِ الإِسْبَانِيِّ، حَيْثُ تَتَقَاطَعُ
الحَيَاةُ اليَوْمِيَّةُ مَعَ تَحَوُّلَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ عَمِيقَةٍ . وَلَا يَقِفُ
عِنْدَ حُدُودِ الوَصْفِ، بَلْ يَغُوصُ فِي تَفَاصِيلِ العَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ،
وَفِي بِنْيَةِ الأُسْرَةِ، وَفِي مَخْيَالِ النَّاسِ وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ، مُحَوِّلًا
الرِّوَايَةَ إِلَى وَثِيقَةٍ أَنْثْرُوبُولُوجِيَّةٍ تَكْشِفُ عَنْ رُوحِ مَدِينَةٍ
وَمَرْحَلَةٍ.
غَيْرَ أَنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لِـ«الزَّاوِيَةِ»
تَكْمُنُ فِي بُعْدِهَا الرُّوحِيِّ. فَقَدْ سَجَّلَ الوَزَّانِيُّ تَجْرِبَتَهُ فِي
الِانْخِرَاطِ فِي الطَّرِيقَةِ الحَرَّاقِيَّةِ، وَبَحْثَهُ المُضْنِي عَنْ شَيْخٍ
يُرْشِدُهُ فِي مَسَارِ التَّصَوُّفِ، وَهُوَ مَا جَعَلَ الرِّوَايَةَ تَتَّخِذُ طَابِعَ
«السِّيرَةِ الرُّوحِيَّةِ» الَّتِي تُجَسِّدُ صِرَاعَ الذَّاتِ بَيْنَ الدُّنْيَا
وَالمُطْلَقِ . فِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَحَوَّلُ الزَّاوِيَةُ مِنْ مَكَانٍ دِينِيٍّ
إِلَى رَمْزٍ لِلتَّطَهُّرِ وَالتَّحَوُّلِ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِ الوُجُودِ.
وَيَكْشِفُ النَّصُّ أَيْضًا عَنْ وَعْيٍ تَارِيخِيٍّ
لَافِتٍ، إِذْ يَرْبِطُ الوَزَّانِيُّ بَيْنَ تَجْرِبَتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَسِيَاقَاتٍ
أَوْسَعَ، مِثْلَ وَقَائِعِ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الأُولَى وَتَحَوُّلَاتِ العَالَمِ
العَرَبِيِّ، وَكَذَلِكَ وَقَائِعِ الاِحْتِلَالِ فِي شِمَالِ المَغْرِبِ . وَبِهَذَا،
يُصْبِحُ السَّرْدُ الذَّاتِيُّ مِرْآةً لِلتَّارِيخِ الجَمَاعِيِّ، حَيْثُ يَتَقَاطَعُ
الفَرْدِيُّ وَالوَطَنِيُّ فِي نَسِيجٍ وَاحِدٍ.
وَمِنَ النَّاحِيَةِ الفَنِّيَّةِ، تَتَّسِمُ «الزَّاوِيَةُ»
بِتَعَدُّدِ أَصْوَاتِهَا وَأَجْنَاسِهَا، فَهِيَ فِي آنٍ وَاحِدٍ سِيرَةٌ وَتَارِيخٌ
وَحِكَايَاتٌ صُوفِيَّةٌ وَتَأَمُّلَاتٌ فِكْرِيَّةٌ، مِمَّا يَجْعَلُهَا نَصًّا مُرَكَّبًا
يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الرِّوَايَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ . وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ الدَّارِسِينَ
إِلَى أَنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُعْنَى بِتَجْرِبَةِ الذَّاتِ
فِي طَلَبِ التَّصَوُّفِ، وَالآخَرُ يُؤَرِّخُ لِلزَّاوِيَةِ الحَرَّاقِيَّةِ وَأَعْلَامِهَا
، وَهُوَ مَا يُضْفِي عَلَيْهَا بُعْدًا تَوْثِيقِيًّا نَادِرًا.
وَلَا يُمْكِنُ قِرَاءَةُ هَذَا العَمَلِ دُونَ الاِنْتِبَاهِ
إِلَى لُغَتِهِ، الَّتِي تَمْزِجُ بَيْنَ الفُصْحَى التُّرَاثِيَّةِ وَالنَّفَسِ السَّرْدِيِّ
الحَدِيثِ، فَتَأْتِي عِبَارَاتُهُ مَشْحُونَةً بِحِسٍّ شِعْرِيٍّ وَبِنَفَسٍ تَأَمُّلِيٍّ،
يُقَارِبُ أُفُقَ الكِتَابَةِ الصُّوفِيَّةِ، وَيُحَقِّقُ تَوَازُنًا بَيْنَ الحِكَايَةِ
وَالفِكْرِ.
إِنَّ «الزَّاوِيَةَ» لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سِيرَةٍ لِكَاتِبٍ،
بَلْ هِيَ سِيرَةُ جِيلٍ وَمَدِينَةٍ وَمَرْحَلَةٍ، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ نَصًّا
مَاضَوِيًّا فَقَطْ، بَلْ مَشْرُوعُ وَعْيٍ يُحَاوِلُ فَهْمَ العَالَمِ وَإِعَادَةَ
تَشْكِيلِهِ. وَهِيَ، فِي هَذَا المَعْنَى، تَظَلُّ نَصًّا مُفْتُوحًا عَلَى القِرَاءَاتِ،
قَادِرًا عَلَى إِثَارَةِ الأَسْئِلَةِ حَوْلَ الهُوِيَّةِ وَالدِّينِ وَالمُجْتَمَعِ.
وَلِمُتَابِعِي صَفْحَتِي عَلَى «تِيكْ تُوك»، أَقُولُ:
إِنَّ قِرَاءَةَ «الزَّاوِيَةِ» لَيْسَتْ عَوْدَةً إِلَى المَاضِي، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ
إِلَى دَاخِلِ الذَّاتِ المَغْرِبِيَّةِ، حَيْثُ تَلْتَقِي الأَصَالَةُ بِالسُّؤَالِ،
وَيَتَحَوَّلُ السَّرْدُ إِلَى فِعْلِ وُجُودٍ. إِنَّهَا نَصٌّ يُعَلِّمُنَا أَنَّ
الأَدَبَ لَيْسَ زِينَةً لُغَوِيَّةً، بَلْ شَهَادَةٌ عَلَى الحَيَاةِ، وَأَنَّ الكِتَابَةَ،
فِي أَعْمَقِ مَعَانِيهَا، هِيَ طَرِيقٌ آخَرُ نَحْوَ الحَقِيقَةِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق