الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مارس 26، 2026

إعلان الأمم المتحدة تجارة الرقيق الأفريقية "أخطر جريمة ضد الإنسانية": عبده حقي


خرجت الأمم المتحدة في 25 مارس 2026 بقرارٍ يحمل في طياته ثقل قرون خلت، مُعلنةً أن تجارة العبيد الأفارقة ليست صفحة مظلمة في كتاب الإنسانية، بل هي أخطر جريمة ارتُكبت في حق البشرية جمعاء. لم يكن هذا الإعلان توصيفا قانونيا فحسب، بل كان أشبه بصرخة أخلاقية تعبر الزمن، وتعيد ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر، بين الضحايا والذاكرة، وبين العدالة والتاريخ.

لقد جاء هذا القرار بعد تصويتٍ داخل الجمعية العامة، حيث أيدته غالبية الدول، في خطوةٍ تعكس تحوّلًا نوعيًا في فهم العالم لإرث العبودية، الذي طالما جرى التعامل معه باعتباره مجرد حدث تاريخي تم نسيانه وإقباره إلى الأبد . غير أن هذا التحول يكشف أن التاريخ، مهما طال عليه الصمت، لا يفقد قدرته على العودة، بل يعود أكثر إلحاحًا، وأكثر طلبًا للاعتراف والإنصاف.

إن تجارة العبيد، كما يذكّرنا المؤرخون، لم تكن عمليات نقل قسري للبشر فقط ، بل كانت أضخم عملية اقتلاع جماعي للإنسان من إنسانيته. فقد تم ترحيل ملايين الأفارقة عبر القارات، في واحدة من أعنف حركات النزوح القسري في التاريخ، حيث تحوّل الإنسان إلى سلعة، تُقايض وتُباع وتُشترى في أسواق بلا ضمير.

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة قرار الأمم المتحدة بمعزل عن هذا الإرث الثقيل، الذي لم يقتصر تأثيره على الماضي، بل امتد إلى الحاضر، حيث ما تزال تداعياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قائمة في العديد من مناطق العالم، خصوصًا في إفريقيا والشتات الإفريقي.

اللافت في هذا القرار أنه لم يأتِ من فراغ، بل جاء بدافعٍ ودعم قوي من دول إفريقية، وعلى رأسها غانا، التي سعت إلى إعادة فتح هذا الملف من زاوية جديدة، لا تكتفي بالإدانة الرمزية، بل تفتح الباب أمام مطالب الاعتذار والتعويض، وهي قضايا ظلت لسنوات طويلة حبيسة الخطاب الأخلاقي دون أن تجد طريقها إلى الأجندة السياسية الدولية.

هنا، تتخذ المسألة بعدًا آخر أكثر تعقيدًا: هل يكفي الاعتراف؟ أم أن الاعتراف يجب أن يكون مدخلًا لمحاسبة تاريخية فعلية؟ وهل يمكن للعدالة أن تُمارس بأثر رجعي، أم أن الزمن قد أغلق أبوابها إلى الأبد؟

يمكن القول اليوم إن العالم، وهو يعلن هذه الحقيقة، لا يكتب فقط بيانًا سياسيًا، بل يكتب مرثية طويلة لكرامة الإنسان. فهذه الجريمة لم تكن انحرافا تاريخيا فحسب ، بل كانت نظامًا كاملاً بُني على نفي الآخر، وعلى تحويل الجسد الأسود الملون إلى موضوع للاستغلال، وعلى شرعنة القهر باسم الاقتصاد والتجارة.

ومع ذلك، فإن الاعتراف الدولي اليوم يفتح نافذة أمل، ولو متأخرة، نحو إعادة قراءة التاريخ من زاوية الضحايا، لا من زاوية المنتصرين. إنه اعتراف بأن الإنسانية، في لحظةٍ من لحظاتها، خانت نفسها، وأن عليها اليوم أن تُصلح ما يمكن إصلاحه، ولو عبر الذاكرة.

لكن السؤال الأعمق يظل معلقًا:

هل نحن أمام بداية عدالة تاريخية، أم مجرد طقس رمزي يُهدئ ضمير العالم دون أن يغيّر شيئًا في الواقع؟

إن ما يجعل هذا القرار مهمًا ليس فقط مضمونه، بل توقيته أيضًا، في عالمٍ ما تزال فيه أشكال حديثة من العبودية قائمة، من الاتجار بالبشر إلى العمل القسري، وكأن التاريخ لم يُغلق بعد فصله الأكثر قسوة. فالأمم المتحدة نفسها تؤكد أن ملايين البشر ما يزالون ضحايا أشكال معاصرة من الاستغلال، رغم كل القوانين والمواثيق الدولية.

هكذا، يصبح القرار أكثر من مجرد إدانة للماضي؛ إنه مرآة للحاضر، وتنبيه للمستقبل. إنه دعوة إلى إعادة التفكير في معنى الحرية، وفي حدود العدالة، وفي مسؤولية الإنسان تجاه تاريخه.

وفي النهاية، قد لا يستطيع هذا القرار أن يعيد الحياة إلى من غرقوا في أعماق الأطلسي، أو أن يمحو آلام من عاشوا في سلاسل العبودية، لكنه يملك شيئًا واحدًا بالغ الأهمية:

أن يقول، أخيرًا، إن ما حدث لم يكن عاديًا… بل كان جريمة في حق الإنسانية كلها.

0 التعليقات: