الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مارس 25، 2026

جزائر تتأرجح بين فائض القوة وعجز المعنى: عبده حقي

 


في الجغرافيا السياسية للمتوسط، لا تُقرأ الجزائر بوصفها دولةً عادية، بل ككتلة من التناقضات الثقيلة التي تتحرك ببطء، لكنها تُحدث صدى واسعًا في محيطها. إنها دولة تملك من عناصر القوة ما يكفي لتكون فاعلًا إقليميًا حاسمًا، لكنها في الآن ذاته تعاني من اختلال عميق في تحويل هذه القوة إلى مشروع سياسي متماسك ومقنع. وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية التي لا تُروى في البيانات الرسمية، بل تُستشف من بين سطور الوقائع المتفرقة.

في قلب هذا المشهد، تبرز ورقة الطاقة باعتبارها العمود الفقري الذي تستند إليه الجزائر في إعادة تموقعها الدولي. فمع التحولات الجيوسياسية التي أعقبت الأزمات العالمية، تحولت موارد الغاز إلى أداة ضغط ناعمة، تمنح الجزائر موقعًا تفاوضيًا مريحًا، خاصة في علاقتها مع أوروبا التي تبحث عن بدائل سريعة ومستقرة. غير أن هذا “الامتياز الطاقي” لا يخلو من مفارقة لافتة: فالدولة التي تبدو قوية في الخارج بفضل مواردها، تظل في الداخل أسيرة نموذج اقتصادي ريعي يعيد إنتاج الهشاشة بدل أن يتجاوزها.

إن الاقتصاد الجزائري، في بنيته العميقة، لا يزال يدور في فلك المركزية الصلبة، حيث تُدار الثروة من أعلى، وتُوزع وفق منطق سياسي أكثر منه اقتصادي. الأرقام قد تكون صادمة في حجمها، لكن أثرها الاجتماعي يظل محدودًا، بل ومتناقضًا أحيانًا. وهذا ما يفتح الباب أمام سؤال قديم يتجدد بصيغ جديدة: لماذا لا تتحول الثروة إلى تنمية؟ ولماذا يبقى المواطن خارج معادلة الاستفادة الحقيقية، رغم كل هذا “الفائض المالي” المعلن؟

الإجابة لا تكمن فقط في الاقتصاد، بل تمتد إلى طبيعة النظام السياسي نفسه، الذي يبدو وكأنه يعيش حالة توازن هش بين واجهاته المؤسساتية ودوائره غير المرئية. فالديمقراطية، كما تُمارس في الشكل، لا تعكس بالضرورة دينامية حقيقية في اتخاذ القرار، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى آلية لإضفاء الشرعية على مسارات محسومة سلفًا. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن الانتخابات أو التمديد أو التداول أقرب إلى نقاش تقني حول الشكل، بدل أن يكون نقاشًا جوهريًا حول المضمون.

هذا الغموض في بنية القرار السياسي يُنتج بدوره نوعًا من القلق الصامت داخل المجتمع، حيث يشعر المواطن بأن اللعبة تُدار بعيدًا عنه، وأن صوته، مهما ارتفع، لا يجد صداه في مراكز الفعل. ومع تراكم هذا الإحساس، تتآكل الثقة تدريجيًا، لتتحول السياسة إلى مجال مغلق، لا يثير سوى اللامبالاة أو الريبة.

غير أن أخطر ما في هذا الوضع ليس فقط غياب الشفافية، بل ما يكشفه من صراعات داخلية صامتة، تتخذ أحيانًا أشكالًا قاسية، تمس حتى من كانوا جزءًا من بنية السلطة نفسها. حين تصل الأمور إلى هذا الحد، فإننا لا نكون أمام مجرد حملة لتصفية الفساد، بل أمام إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة داخل النظام، حيث يُعاد ترتيب الأدوار، وتُرسم خطوط جديدة للنفوذ، في عملية قد تبدو ضرورية لضبط الإيقاع، لكنها تحمل في طياتها أيضًا مخاطر الانغلاق والتوتر.

في هذا السياق المركب، تبدو العلاقات الدولية للجزائر وكأنها محاولة لتعويض الاختلال الداخلي بامتداد خارجي. فكلما اشتد الغموض في الداخل، ازداد الحرص على بناء صورة قوية في الخارج، عبر شراكات استراتيجية وخطابات سيادية. غير أن هذه المعادلة، رغم فعاليتها الظرفية، لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، لأن الاستقرار الحقيقي لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى من الداخل، عبر عقد اجتماعي واضح، يحدد الحقوق والواجبات، ويعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

إن الجزائر، في لحظتها الراهنة، ليست في أزمة تقليدية يمكن اختزالها في مؤشرات اقتصادية أو سياسية، بل هي في مفترق طرق وجودي، حيث يتعين عليها أن تختار بين الاستمرار في إدارة التوازنات القديمة، أو الانخراط في تحول حقيقي يعيد ترتيب أولوياتها. وهذا التحول، إن حدث، لن يكون سهلاً، لأنه يتطلب إعادة النظر في نمط الحكم، وفي توزيع الثروة، وفي طبيعة العلاقة مع المواطن.

وبأسلوب أقرب إلى المفارقة التي تليق بواقع معقد، يمكن القول إن الجزائر تملك كل ما يلزم لتكون قوة مستقرة، لكنها تفتقر إلى ما يكفي لتكون مطمئنة. فهي قوية بمواردها، لكنها قلقة بمؤسساتها؛ حاضرة في الخارج، لكنها مترددة في الداخل؛ غنية في أرقامها، لكنها فقيرة في ثقة مواطنيها.

هنا، تحديدًا، يكمن جوهر الإشكال: ليس في ما تملكه الجزائر، بل في كيفية إدارة ما تملكه. فالقوة، في النهاية، ليست مجرد موارد أو تحالفات، بل هي قدرة على تحويل الإمكان إلى معنى، والثروة إلى عدالة، والسلطة إلى مسؤولية. وحتى يتحقق ذلك، ستظل الجزائر، بكل ثقلها وتاريخها، تعيش في منطقة رمادية، بين ما هي عليه، وما يمكن أن تكونه.


0 التعليقات: