الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 30، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في الآداب العالمي (الشيخ والبحر) إعداد عبده حقي


يعد إرنست همنغواي Ernest Hemingway  من أَبْرَزِ أَعْلَامِ الأَدَبِ العَالَمِيِّ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الحَيَاةِ المُغَامِرَةِ وَالْكِتَابَةِ المُكْثَّفَةِ الَّتِي تَتَّسِمُ بِالإِيجَازِ وَالعُمْقِ الدَّلَالِيِّ.

وُلِدَ إِرْنِسْت مِيلَر هِمِنْغْوَاي فِي 21 يُولْيُو 1899 بِمَدِينَةِ أُوك بَارْك بِوِلاَيَةِ إِلِّينُوي الأَمْرِيكِيَّة، وَنَشَأَ فِي أُسْرَةٍ تُوَازِنُ بَيْنَ العِلْمِ وَالفَنِّ، حَيْثُ كَانَ وَالِدُهُ طَبِيبًا وَوَالِدَتُهُ مُوسِيقِيَّةً، وَقَدْ تَأَثَّرَ مُنْذُ صِغَرِهِ بِحُبِّ الطَّبِيعَةِ وَالمُغَامَرَةِ، وَهِيَ عَنَاصِرُ سَتَتَجَلَّى لاحِقًا فِي أَعْمَالِهِ السَّرْدِيَّةِ .

بَدَأَ مَسِيرَتَهُ الصِّحَافِيَّةَ مُبَكِّرًا فِي جَرِيدَةِ The Kansas City Star، ثُمَّ شَارَكَ فِي الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الأُولَى كَسَائِقِ إِسْعَافٍ، وَتَعَرَّضَ لإِصَابَةٍ خَطِيرَةٍ، وَقَدْ أَثَّرَتْ تِلْكَ التَّجْرِبَةُ فِي بِنَاءِ رُؤْيَتِهِ الأَدَبِيَّةِ، خُصُوصًا فِي مَوَاضِيعِ الحَرْبِ وَالأَلَمِ الإِنْسَانِيِّ .

انْتَقَلَ إِلَى بَارِيس فِي عَامِ 1921، حَيْثُ انْخَرَطَ فِي أَوْسَاطِ “الْجِيلِ الضَّائِعِ”، وَتَأَثَّرَ بِكِبَارِ الكُتَّابِ وَالفَنَّانِينَ، وَهُنَاكَ تَشَكَّلَ أُسْلُوبُهُ السَّرْدِيُّ القَائِمُ عَلَى مَا يُعْرَفُ بِـ«نَظَرِيَّةِ الجَبَلِ الجَلِيدِيِّ»، أَيْ الاِقْتِصَادِ فِي اللُّغَةِ وَالإِيمَاءِ إِلَى المَعَانِي دُونَ تَصْرِيحٍ مُبَاشِرٍ .

مِنْ أَبْرَزِ أَعْمَالِهِ الرِّوَائِيَّةِ:
«
الشَّمْسُ تَشْرُقُ أَيْضًا» (1926)، وَ«وِدَاعًا لِلسِّلَاح» (1929)، وَ«لِمَنْ تَدُقُّ الأَجْرَاس» (1940)، وَتُعَدُّ رِوَايَتُهُ «الشَّيْخُ وَالبَحْر» (1952) مِنْ أَهَمِّ أَعْمَالِهِ الَّتِي مَنَحَتْهُ جَائِزَةَ بُولِيتْزَر سَنَةَ 1953 .

وَقَدْ تُوِّجَ مَسَارُهُ الأَدَبِيُّ بِحُصُولِهِ عَلَى جَائِزَةِ نُوبِل لِلآدَاب سَنَةَ 1954، تَقْدِيرًا لِقُدْرَتِهِ الفَذَّةِ عَلَى تَطْوِيعِ فَنِّ السَّرْدِ وَإِثْرَاءِ الأَدَبِ العَالَمِيِّ .

يَتَّسِمُ أُسْلُوبُ هِمِنْغْوَاي بِالبَسَاطَةِ الظَّاهِرَةِ وَالعُمْقِ البَاطِنِ، حَيْثُ يَعْتَمِدُ عَلَى جُمَلٍ قَصِيرَةٍ مُكَثَّفَةٍ، تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا دَلَالَاتٍ إِنْسَانِيَّةً عَمِيقَةً، وَقَدْ أَثَّرَ هَذَا الأُسْلُوبُ فِي أَجْيَالٍ مِنَ الكُتَّابِ فِي أَمْرِيكَا وَالعَالَم .

غَيْرَ أَنَّ حَيَاتَهُ الشَّخْصِيَّةَ كَانَتْ مَضْطَرِبَةً، إِذْ عَرَفَ تَجَارِبَ عِدَّةً مِنَ الزَّوَاجِ وَالإِدْمَانِ وَالأَزَمَاتِ النَّفْسِيَّةِ، لِتَنْتَهِي مَسِيرَتُهُ بِانْتِحَارِهِ فِي 2 يُولْيُو 1961، وَهُوَ حَدَثٌ أَضْفَى عَلَى صُورَتِهِ بُعْدًا تَرَاجِيدِيًّا .

وَهَكَذَا يَبْقَى هِمِنْغْوَاي رَمْزًا أَدَبِيًّا مُتَفَرِّدًا، جَمَعَ بَيْنَ القَلَمِ وَالتَّجْرِبَةِ الحَيَاتِيَّةِ، وَحَوَّلَ الأَلَمَ وَالمُغَامَرَةَ إِلَى نُصُوصٍ خَالِدَةٍ تُجَسِّدُ جَوْهَرَ الإِنْسَانِ فِي مُوَاجَهَةِ القَدَرِ.

يَأْتِي عَمَلُ «الشَّيْخُ وَالبَحْر» لِلرَّوَائِيِّ الأَمْرِيكِيِّ Ernest Hemingway كَنَصٍّ مُتَوَتِّرٍ يَجْمَعُ بَيْنَ البَسَاطَةِ الظَّاهِرَةِ وَالتَّعْقِيدِ الدَّاخِلِيِّ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الصَّيَّادُ العَجُوزُ «سَانْتِيَاغُو» إِلَى رَمْزٍ إِنْسَانِيٍّ مُكْثَّفٍ يُجَسِّدُ صِرَاعَ الإِنْسَانِ مَعَ القَدَرِ، وَمَعَ نَفْسِهِ، وَمَعَ الطَّبِيعَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ حَوْلَ صَيَّادٍ كُوبِيٍّ عَجُوزٍ لَمْ يَصِدْ شَيْئًا لِمُدَّةِ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا، قَبْلَ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى رِحْلَةٍ بَحْرِيَّةٍ مُفْرِدَةٍ يَصْطَادُ فِيهَا سَمَكَةً عِمْلَاقَةً مِنْ نَوْعِ «المَارْلِين»، لِيَدْخُلَ فِي صِرَاعٍ مَرِيرٍ يَدُومُ أَيَّامًا، قَبْلَ أَنْ تَفْتَرِسَهَا القِرْشَةُ فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ، فَلَا يَبْقَى مِنْهَا سِوَى هَيْكَلٍ عَظْمِيٍّ .

فِي هَذَا المَتْنِ السَّرْدِيِّ البَسِيطِ، يُخْفِي هِمِنْغْوَاي مَا يُشْبِهُ «نَظَرِيَّةَ الجَبَلِ الجَلِيدِيِّ»، حَيْثُ تَبْدُو القِصَّةُ سَطْحِيًّا مُجَرَّدَ صِرَاعٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَسَمَكَةٍ، لَكِنَّهَا فِي العُمْقِ تَكْثِيفٌ لِفِكْرَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُهْزَمَ مَادِّيًّا دُونَ أَنْ يَنْهَزِمَ رُوحِيًّا. إِنَّ هَذِهِ الفِكْرَةَ تَتَجَلَّى فِي مَقُولَةِ الرِّوَايَةِ الضِّمْنِيَّةِ: «الإِنْسَانُ قَدْ يُدَمَّرُ وَلَكِنَّهُ لَا يُهْزَمُ»، وَهِيَ جَوْهَرُ الفَلْسَفَةِ الهِمِنْغْوَايِّيَّةِ .

وَإِذَا كَانَ «سَانْتِيَاغُو» يُجَابِهُ البَحْرَ، فَإِنَّ البَحْرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ فَضَاءٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ وُجُودِيَّةٌ لِعُزْلَةِ الإِنْسَانِ، وَمَجَالٌ لِتَأَمُّلِ ذَاتِهِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَسْرَحٍ لِلصِّرَاعِ بَيْنَ الضَّعْفِ وَالإِرَادَةِ . وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَجَلَّى ثِيمَةُ «الإِنْسَانِ وَالطَّبِيعَةِ» لَا كَصِرَاعٍ تَدْمِيرِيٍّ، بَلْ كَعَلَاقَةٍ مُعَقَّدَةٍ تَتَأَرْجَحُ بَيْنَ الصَّدَاقَةِ وَالعَدَاوَةِ، إِذْ يَنْظُرُ البَطَلُ إِلَى السَّمَكَةِ كَـ«أَخٍ» وَفِي الآنِ نَفْسِهِ كَـ«خَصْمٍ» .

وَمِنْ أَهَمِّ مَا يَشُدُّ فِي الرِّوَايَةِ هُوَ هَذَا التَّوَتُّرُ بَيْنَ «الشَّيْخُ» وَ«الشَّبَاب»، المُمَثَّلِ فِي شَخْصِيَّةِ «مَانُولِين»، حَيْثُ تَنْبَنِي عَلَاقَةٌ رَمْزِيَّةٌ بَيْنَ الخِبْرَةِ وَالحُلْمِ، بَيْنَ الزَّمَنِ المُنْقَضِي وَالإِمْكَانِ المُقْبِلِ . وَهُنَا يَبْدُو هِمِنْغْوَاي كَأَنَّهُ يَكْتُبُ نَصًّا عَنْ شَيْخُوخَةِ الإِبْدَاعِ نَفْسِهِ، وَعَنْ رَغْبَةِ الكَاتِبِ فِي أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ مَا زَالَ قَادِرًا عَلَى «الصَّيْدِ الكَبِيرِ».

أَمَّا عَلَى مُسْتَوَى الأُسْلُوبِ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ تَتَّسِمُ بِبِسَاطَةٍ خَادِعَةٍ، إِذْ يَعْتَمِدُ هِمِنْغْوَاي عَلَى جُمَلٍ قَصِيرَةٍ وَمُكَثَّفَةٍ، تَحْمِلُ دَلَالَاتٍ عَمِيقَةً دُونَ إِفْصَاحٍ مُبَاشِرٍ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِمَبْدَإِ «الجَبَلِ الجَلِيدِيِّ» الَّذِي يُخْفِي سَبْعَةَ أَثْمَانِ المَعْنَى تَحْتَ السَّطْحِ . وَهَذَا الأُسْلُوبُ يَجْعَلُ القَارِئَ شَرِيكًا فِي بِنَاءِ الدَّلَالَةِ، لَا مُتَلَقِّيًا سَلْبِيًّا لَهَا.

وَلَا تَخْلُو الرِّوَايَةُ مِنْ بُعْدٍ رَمْزِيٍّ دِينِيٍّ، حَيْثُ يَرَى بَعْضُ النُّقَّادِ فِي «سَانْتِيَاغُو» صُورَةً مَجَازِيَّةً لِلْمَسِيحِ، خُصُوصًا فِي مَشَاهِدِ الأَلَمِ وَالتَّضْحِيَةِ، وَحَمْلِهِ لِصَارِيَةِ القَارِبِ عَلَى كَتِفِهِ، وَهِيَ إِحَالَاتٌ تُضْفِي عَلَى النَّصِّ بُعْدًا أُسْطُورِيًّا .

غَيْرَ أَنَّ هَذَا العَمَلَ، عَلَى رُغْمِ الإِشَادَةِ النَّقْدِيَّةِ الَّتِي حَظِيَ بِهَا، لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الاِنْتِقَادِ، إِذْ رَأَى بَعْضُ النُّقَّادِ أَنَّهُ نَصٌّ «مُبَالَغٌ فِي تَقْدِيرِهِ»، وَأَنَّ بَسَاطَتَهُ تَخْفِي ضَعْفًا فِي التَّعْقِيدِ الدِّرَامِيِّ . وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ البَسَاطَةَ نَفْسَهَا هِيَ سِرُّ خُلُودِهِ، لِأَنَّهَا تَفْتَحُ النَّصَّ عَلَى تَأْوِيلَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا.

إِنَّ «الشَّيْخُ وَالبَحْر» لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِكَايَةِ صَيَّادٍ، بَلْ هِيَ مَجَازٌ كَبِيرٌ لِوَضْعِ الإِنْسَانِ فِي العَالَمِ: يُقَاوِمُ، يَتْعَبُ، يَخْسَرُ، وَلَكِنَّهُ يَعُودُ دَائِمًا إِلَى البَحْرِ، كَأَنَّهُ يُعِيدُ كِتَابَةَ قَدَرِهِ بِعِنَادٍ صَامِتٍ.


0 التعليقات: