الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 30، 2026

سباق السيادة المغربية يتسارع في طريق الحل النهائي: ترجمة عبده حقي


مما لاشك فيه أن المملكة المغربية اختارت أن تنتقل من موقع الدفاع الدبلوماسي إلى موقع المبادرة الاستراتيجية، عبر تسريع وتيرة إعداد نسخة مُحَيَّنة ومفصلة من مقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. إن هذه الخطوة، التي تأتي قبيل المراجعة المرتقبة لمهام بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) خلال شهر أبريل، تعكس وعياً مغربياً دقيقاً بأن المعارك السياسية الكبرى لا تُحسم فقط في الميدان، بل في صياغة الوثائق، وإعادة تعريف الوقائع، واحتلال الزمن الدولي قبل الآخرين.

لقد أدرك صناع القرار المغربي أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل إعادة إنتاج الخطابات التقليدية، بل تفرض تقديم عرض سياسي متكامل، قابل للتفاوض من حيث التفاصيل، لكنه صلب من حيث المبدأ: السيادة المغربية مقابل حكم ذاتي واسع الصلاحيات. وفي هذا السياق، يتحرك القصر الملكي ليس فقط كفاعل داخلي، بل كمركز هندسة سياسية يشتغل على إعادة صياغة الملف برمته، بما يجعله أكثر قابلية للقبول الدولي، وأشد إحراجاً لخصومه الإقليميين.

إن أحد أبرز عناصر هذا المقترح الجديد، وفق ما يتداول في الأوساط الدبلوماسية، هو السعي إلى معالجة إحدى أعقد النقاط التي طالما استُخدمت ضد المغرب: تمثيلية الصحراويين المقيمين في مخيمات تندوف. فالمقترح المرتقب لا يكتفي بالإشارة إلى هؤلاء كـ"لاجئين"، بل يسعى إلى إدماجهم ضمن تصور سياسي جديد يضمن لهم تمثيلاً حقيقياً داخل المؤسسات الجهوية المقترحة، بما يفتح الباب أمام إعادة تعريف الشرعية التمثيلية التي احتكرتها جبهة البوليساريو لعقود.

هذا التحول ليس تقنياً فقط، بل هو انقلاب هادئ على البنية الرمزية للنزاع. فحين تنتقل قضية التمثيل من منطق "الاحتكار الثوري البائد" إلى منطق "التعدد السياسي"، فإن ذلك يعني عملياً تفكيك أحد أعمدة الخطاب الانفصالي، وإعادة توزيع الشرعية داخل الفضاء الصحراوي نفسه.

في هذا السياق، يبرز دور ناصر بوريطة كمهندس دبلوماسي يقود هذه المرحلة الدقيقة، حيث لم تعد زياراته الخارجية مجرد بروتوكولات سياسية، بل تحولت إلى منصات لعرض رؤية مغربية متماسكة، تقوم على ثلاثية واضحة: الواقعية السياسية، الحل العملي، والاستقرار الإقليمي. وقد نجح في تحويل هذا الخطاب إلى ما يشبه "الإجماع الدولي الصامت"، حيث تتزايد الدول التي تعلن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الأكثر جدية ومصداقية.

أما على مستوى الأمم المتحدة، فإن الرهان المغربي يتجه نحو التأثير في مخرجات المراجعة المقبلة لبعثة المينيرسو، وهي مراجعة لا تقتصر على الجوانب التقنية، بل تحمل في طياتها إمكانية إعادة توجيه المسار السياسي للنزاع. فالمغرب يدرك أن أي تحول في لغة التقارير الأممية، أو في طبيعة التوصيات، قد يشكل نقطة انعطاف حاسمة في مسار القضية.

غير أن هذا التسارع المغربي لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإقليمي، خاصة في ظل استمرار التوتر مع الجزائر، التي ما تزال تراهن على إبقاء الملف في حالة جمود، باعتبار ذلك يخدم استراتيجيتها في استنزاف المغرب دبلوماسياً. لكن المفارقة تكمن في أن هذا الجمود نفسه بدأ يتحول إلى عبء على الجزائر، خاصة مع تزايد الأصوات الدولية التي ترى في النزاع عائقاً أمام التكامل المغاربي، ومصدراً دائماً لعدم الاستقرار.

في المقابل، تبدو الرباط وكأنها تراهن على "سياسة الزمن الطويل"، حيث لا تسعى إلى حسم سريع، بل إلى تراكم تدريجي للشرعية الدولية. ومن هنا يمكن فهم هذا الحرص على تقديم مقترح مفصل، يتضمن آليات واضحة للحكامة المحلية، وضمانات لحقوق السكان، وتصوراً دقيقاً لتوزيع الصلاحيات بين المركز والجهة.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد تحديث لوثيقة سياسية، بل هو إعادة كتابة لقواعد اللعبة. فالمغرب، وهو يسرّع إعداد مقترحه، لا يخاطب فقط الأمم المتحدة، بل يخاطب أيضاً الرأي العام الدولي، بلغة جديدة تتجاوز الشعارات، وتقترب من منطق الحلول.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الرباط تسعى إلى تحويل ملف الصحراء من "نزاع إقليمي" إلى "نموذج سياسي محتمل"، يُقدَّم كحل قابل للتصدير في مناطق أخرى تعاني من نزاعات مشابهة. وهذا الطموح، وإن بدا طموحاً أكثر من اللازم، إلا أنه يعكس ثقة متزايدة في القدرة على إعادة تشكيل السردية الدولية حول القضية.

لكن، ورغم هذا الزخم، تبقى التحديات قائمة. فنجاح المقترح المغربي لا يتوقف فقط على جودته التقنية أو دعمه الدولي، بل أيضاً على قدرته على إقناع الفاعلين المحليين، وعلى خلق دينامية داخلية تجعل من الحكم الذاتي خياراً جذاباً وليس مجرد تسوية سياسية.

في النهاية، يبدو أن المغرب اختار أن يربح معركة الزمن، لا عبر الانتظار، بل عبر المبادرة. وبين تسارع الرباط وتردد خصومها، يتشكل مشهد جديد، قد لا يُحسم قريباً، لكنه بالتأكيد لن يبقى كما كان.

0 التعليقات: