في لحظة سياسية تبدو فيها الجزائر وكأنها تدور في حلقة مغلقة من إعادة إنتاج نفس النخب، تتصاعد مؤشرات القلق من داخل المشهد السياسي ذاته، لا من خارجه فقط. فالأخبار المتداولة مؤخراً حول العلاقة بين الرئيس السابق ليامين زروال والرئيس الحالي عبدالمجيد تبون تكشف عن تحول عميق من دعم صامت إلى خيبة معلنة، في صورة تعكس مأزق السلطة أكثر مما تعكس مجرد اختلاف شخصي.
تُظهر الروايات السياسية المتداولة أن زروال، الذي ظل يُنظر إليه كأحد رموز التوازن داخل المؤسسة العسكرية والسياسية، لم يكن بعيداً عن مسار دعم تبون في مرحلة ما، لكن هذا الدعم لم يصمد أمام ما يُوصف بانحرافات في إدارة الدولة وتفاقم العزلة السياسية. هذا التحول من التأييد إلى الندم يختزل مساراً كاملاً من التوقعات التي اصطدمت بواقع الحكم، حيث تبدو الدولة عاجزة عن إنتاج بدائل سياسية حقيقية خارج دائرة النظام نفسه.
في هذا السياق، يُعاد طرح شخصية زروال ليس فقط كرئيس سابق، بل كنموذج لحاكم حاول التمايز عن منطق الهيمنة المطلقة، قبل أن يُستعاد اسمه اليوم كمرآة تعكس خيبة أمل داخلية. فالرجل الذي اختار الانسحاب من السلطة في وقت سابق، يُقدَّم اليوم كصوت ضمني ينتقد المسار الحالي، ولو عبر إشارات غير مباشرة.
أما على مستوى الحكم الحالي، فإن خطاب السلطة بقيادة تبون يبدو مشدوداً بين رغبة في إظهار الصلابة السياسية، وبين واقع داخلي مضطرب. المبادرات التي تُطرح، مثل الحديث عن “مؤتمر عالمي للمضطهدين من النظام”، تعكس درجة من الاحتقان غير المسبوق، حيث لم تعد المعارضة تكتفي بالخطاب الداخلي، بل تسعى إلى تدويل قضيتها، في خطوة تعكس فقدان الثقة في آليات التغيير من داخل النظام.
هذا التحول النوعي في خطاب المعارضة يعكس أيضاً أزمة أعمق تتعلق بشرعية السلطة. فحين تصل الأمور إلى حد التفكير في إنشاء إطار عالمي لمناهضة نظام سياسي، فإن ذلك يكشف عن قناعة متزايدة بأن المجال السياسي الداخلي مغلق، وأن أدوات التعبير التقليدية لم تعد كافية.
ولا يمكن فهم هذا الوضع بمعزل عن التوترات الدبلوماسية التي تزيد من عزلة الجزائر. فالتصريحات المتبادلة بين الجزائر وبعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها Spain، تعكس مستوى من التدهور في الخطاب السياسي، حيث تحولت الخلافات إلى سجالات إعلامية تحمل طابعاً شخصياً أحياناً، وهو ما يضعف صورة الدولة على الساحة الدولية.
إن وصف بعض المسؤولين الجزائريين بعبارات ساخرة في الإعلام الأوروبي لم يأت من فراغ، بل يعكس تراجعاً في القدرة على إدارة الأزمات الدبلوماسية بلغة هادئة ومتزنة. فالدبلوماسية، بطبيعتها، تحتاج إلى قدر من البراغماتية والمرونة، وهو ما يبدو غائباً في العديد من المواقف الرسمية.
في العمق، تكشف هذه التطورات عن أزمة بنيوية في النظام السياسي الجزائري، حيث لا تزال المؤسسة العسكرية تلعب دوراً محورياً في توجيه الحياة السياسية، وهو ما يحد من إمكانيات التحول الديمقراطي الحقيقي. فالرؤساء يتغيرون، لكن طبيعة النظام تبقى ثابتة، مما يجعل كل محاولة للإصلاح تبدو وكأنها إعادة تدوير لنفس المنطق.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والاقتصادي في تفسير هذا الاحتقان. فالشباب الجزائري، الذي كان في طليعة الحراك الشعبي، لا يزال يبحث عن أفق سياسي واقتصادي واضح، في ظل استمرار البطالة وتراجع القدرة الشرائية. هذا الواقع يغذي شعوراً عاماً بالإحباط، ويجعل أي خطاب رسمي حول “الإصلاح” يبدو بعيداً عن الواقع اليومي للمواطنين.
لقد أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن التغيير في الجزائر لا يمكن أن يتم عبر تعديلات شكلية أو وعود إعلامية، بل يتطلب إعادة نظر جذرية في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فغياب الثقة أصبح السمة الغالبة، وهو ما يفسر تصاعد الأصوات المنتقدة من داخل النظام نفسه، كما في حالة زروال.
إن الجزائر اليوم تقف أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في نفس النهج الذي أثبت محدوديته، أو الانفتاح على إصلاحات عميقة تعيد بناء الشرعية السياسية على أسس جديدة. لكن المؤشرات الحالية لا توحي بأن هذا التحول قريب، خاصة في ظل تمسك النخبة الحاكمة بأدوات السيطرة التقليدية.
في النهاية، يمكن القول إن ما يحدث في الجزائر ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو تعبير عن اختلال عميق في بنية النظام السياسي، حيث تتقاطع خيبات الماضي مع تحديات الحاضر، في انتظار مستقبل لا يزال غامض الملامح.








0 التعليقات:
إرسال تعليق