الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 30، 2026

سردياتٌ تُصغي إلى العالم: من الخوارزمية إلى صوت الطبيعة: عبده حقي

 


في زمنٍ يتسارع فيه تدفّق البيانات كما لو كان نهراً لا يعرف المصبّ، لم يعد السرد الأدبي والصحفي حكراً على الخيال الإنساني وحده، بل صار مجالاً تتقاطع فيه الخوارزميات مع التجربة البشرية لتوليد أشكال جديدة من الحكاية. إنّ ما يُعرف اليوم بـ«السرديات المُولَّدة خوارزميًا» و«تَصويت البيانات في الصحافة البيئية» يمثلان تحوّلاً نوعياً في بنية الخطاب السردي، حيث تتحول البيانات من مجرد أرقام صامتة إلى كائنات ناطقة، بل إلى شخصيات لها صوتها وإيقاعها ودلالتها الرمزية.

إنّ مفهوم السرد الخوارزمي لا ينفصل عن التحولات التي أشار إليها الباحث Lev Manovich في كتابه «لغة الوسائط الجديدة»، حيث أكد أنّ الثقافة الرقمية تعيد تشكيل أشكال التعبير عبر أنظمة تعتمد على قواعد حسابية. فبدلاً من أن يبدأ الكاتب من فكرة ثم يبني حولها حبكة، يمكن للخوارزمية أن تبدأ من ملايين البيانات لتقترح أنماطاً سردية لم تكن لتخطر على ذهن بشري واحد. هنا، يصبح النص أشبه بمرآة متعددة الأوجه تعكس تعقيد العالم، لا من خلال منظور واحد، بل عبر شبكة من الاحتمالات.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى السرد الخوارزمي بوصفه امتداداً لما طرحه الروائي الإيطالي Italo Calvino في كتابه «مدن غير مرئية»، حيث تتعدد الحكايات داخل إطار واحد، وتتشظى الحقيقة إلى صور متباينة. غير أنّ الفرق الجوهري يكمن في أنّ الخوارزمية لا تكتفي بالتشظي، بل تنتج هذه التشظيات بناءً على تحليل ضخم للبيانات، كما تفعل نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة التي تعتمد على ما يُعرف بـ«البيانات الضخمة».

لقد أظهرت دراسات عديدة، من بينها أبحاث منشورة في مجلة Digital Journalism، أنّ المؤسسات الإعلامية بدأت تعتمد على الخوارزميات لتوليد تقارير إخبارية أولية، خاصة في مجالات مثل الاقتصاد والرياضة. لكن ما يثير الانتباه هو انتقال هذه التقنية من مجرد إنتاج الأخبار إلى إنتاج السرديات المعقّدة التي تتضمن شخصيات وحبكات وتطوّرات درامية. وهنا، يبرز سؤال فلسفي عميق: هل يمكن للخوارزمية أن تُحاكي التجربة الإنسانية، أم أنّها تظلّ مجرد آلة تُعيد ترتيب ما هو موجود؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب النظر إلى الخوارزمية ليس كبديل للإنسان، بل كشريك في إنتاج المعنى. فالكاتب، في هذا النموذج، لا يتنازل عن دوره، بل يتحول إلى «مُنسّق سردي» يختار من بين الاحتمالات التي تقترحها الخوارزمية، كما يختار الموسيقي النغمات من بين سلم موسيقي واسع. وهنا، تتجلّى استعارة بليغة: الخوارزمية كآلة عودٍ ضخمة، والكاتب كعازف يُعيد تشكيل اللحن.

أما في مجال الصحافة البيئية، فإنّ «تصويت البيانات» يمثل ثورة حقيقية في طريقة تقديم المعلومات. فبدلاً من قراءة تقارير جافة عن تغيّر المناخ أو تلوث الهواء، يمكن للصحفي أن يحوّل هذه البيانات إلى أصوات تُجسّد الظاهرة. وقد أشارت أبحاث في معهد MIT Media Lab إلى أنّ تحويل البيانات البيئية إلى إشارات صوتية يساعد الجمهور على فهمها بشكل أعمق، لأنّ الأذن البشرية قادرة على التقاط الأنماط والتغيرات بطريقة تختلف عن العين.

إنّ تجربة «تصويت البيانات» تجعل من الطبيعة نفسها راوياً. تخيّل مثلاً أنّ ارتفاع درجات الحرارة يُترجم إلى نغمة حادة، وأنّ تراجع التنوع البيولوجي يُسمع كصمتٍ متقطّع، أشبه بأنفاس متعبة. في هذه الحالة، لا يعود الخبر مجرد نص، بل يتحول إلى تجربة حسّية تُلامس الوجدان. وقد استخدمت بعض المؤسسات الإعلامية، مثل The Guardian، تقنيات تفاعلية لعرض بيانات المناخ بطرق بصرية وصوتية، مما يعكس توجهاً متزايداً نحو دمج الفن بالصحافة.

إنّ هذا التداخل بين السرد الخوارزمي وتصويت البيانات يفتح آفاقاً جديدة لما يمكن تسميته بـ«الصحافة الحسية»، حيث لا يكتفي المتلقي بقراءة الخبر، بل يعيشه. وهذا ما يتقاطع مع أفكار الفيلسوف Marshall McLuhan الذي رأى أنّ الوسيلة هي الرسالة، وأنّ شكل تقديم المعلومات يؤثر في معناها بقدر محتواها. فحين تتحول البيانات إلى صوت، فإنّها تكتسب بعداً جديداً يجعلها أكثر قرباً من التجربة الإنسانية.

غير أنّ هذه التحولات لا تخلو من تحديات أخلاقية ومعرفية. فمن جهة، قد تؤدي الخوارزميات إلى إنتاج سرديات منحازة إذا كانت البيانات التي تعتمد عليها غير متوازنة. ومن جهة أخرى، قد يواجه الجمهور صعوبة في التمييز بين ما هو «مُولَّد» وما هو «مُعاش». وقد حذرت تقارير صادرة عن UNESCO من مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في الإعلام، داعية إلى وضع معايير واضحة تضمن الشفافية والمصداقية.

ومع ذلك، فإنّ الإمكانات التي تتيحها هذه التقنيات تفوق مخاطرها إذا ما استُخدمت بحكمة. فهي تتيح للصحفيين والكتّاب أدوات جديدة لاستكشاف الواقع، ولإعادة تقديمه بطرق أكثر إبداعاً وتأثيراً. كما أنّها تفتح المجال أمام جمهور أوسع للتفاعل مع القضايا المعقدة، مثل التغير المناخي، بطريقة تتجاوز اللغة التقليدية.

في النهاية، يمكن القول إنّنا نقف أمام لحظة مفصلية في تاريخ السرد، حيث تتلاقى الخوارزميات مع الحواس، وتتحول البيانات إلى قصص، والقصص إلى تجارب. إنّها لحظة تشبه، في عمقها، اكتشاف الكتابة نفسها، لكن بأدوات جديدة ولغة مختلفة. وإذا كان الإنسان قد كتب تاريخه بالحبر، فإنّه اليوم يوشك أن يكتبه بالصوت والرقم، في سردٍ لا ينتهي، يشبه الكون في اتساعه، ويشبه الإنسان في بحثه الدائم عن المعنى.


0 التعليقات: