الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 30، 2026

مهابة الخبر بين الرباط والعواصم العربية: إعداد عبده حقي

 


في الأسبوع الماضي، بدا المشهد الإعلامي في المغرب والعالم العربي وكأنه يتحرك على أكثر من جبهة في الوقت نفسه: جبهة التشريع والتنظيم، وجبهة الممارسة الصحافية تحت الضغط، وجبهة المنصات الرقمية التي لم تعد مجرد فضاء للتفاعل، بل صارت لاعباً مباشراً في صناعة الرأي العام، وتوجيه الأجندة، ومزاحمة المؤسسات الإعلامية التقليدية. ومن يتابع تفاصيل الأيام الأخيرة يلاحظ أن الأخبار الجديدة في الصحافة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لم تعد معزولة عن أسئلة السلطة والحرية والمصداقية، بل صارت هذه الأسئلة نفسها هي الخبر.

في المغرب، برز ملف إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بوصفه العنوان الأكثر حساسية في الأسبوع الأخير، ليس فقط لأنه يتعلق بهيئة مهنية يفترض أن تؤطر القطاع، بل لأنه كشف أيضاً استمرار التوتر بين منطق التدبير الحكومي ومنطق التشاور المهني. فقد أظهرت مواقف مهنيين وناشرين خلال الأيام الماضية أن مشروع القانون الجديد لا يزال يثير اعتراضات معتبرة، خصوصاً بعد اجتماع المكتب التنفيذي للفيدرالية المغربية لناشري الصحف في 26 مارس 2026، حيث انتقد ما اعتبره استمراراً للمقاربة الأحادية في إصلاح القطاع، ودعا إلى حوار مهني شامل يضم مختلف الفاعلين. وجاء هذا الموقف في سياق أوسع كانت منظمة “المادة 19” قد نبهت فيه، في 9 مارس، إلى أن مشروع القانون رقم 09.26 لم يبدد المخاوف المرتبطة باستقلالية المجلس، وأن مسار مراجعته ما زال يفتقر إلى الطابع التشاركي الكفيل ببناء ثقة مهنية حقيقية.

وتنبع أهمية هذا السجال من كون المغرب لا يناقش مجرد نص قانوني تقني، بل يناقش عملياً صورة الصحافة التي يريدها لنفسه في السنوات المقبلة: هل هي صحافة تنظم نفسها بنفسها في إطار استقلالي حقيقي، أم صحافة تبقى معلقة بين الحاجة إلى التأطير والحذر من كل ما قد يفهم منه تقليص للهامش المهني؟ هذا هو السؤال الضمني الذي عاد بقوة في الأسبوع الماضي، وهو سؤال لا يخص الصحافيين وحدهم، بل يخص أيضاً الجمهور الذي يطالب بإعلام موثوق، متوازن، وقادر على ممارسة النقد من داخل المؤسسات لا من خارجها فقط.

وفي موازاة هذا النقاش التشريعي، برز في المغرب خلال الأيام الأخيرة نقاش مواز لا يقل أهمية، يتعلق بالإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي. فقد تناولت لقاءات ومداخلات أكاديمية وإعلامية منشورة هذا الأسبوع قضايا الإعلام الرقمي في علاقته بالمواطنة، وتشكيل الرأي العام، والذكاء الاصطناعي، والتضليل. كما ركز تحليل نشرته SNRT News يوم 29 مارس 2026 على أن النقاش السياسي لم يعد محصوراً في استوديوهات التلفزيون، بل انتقل إلى فضاءات رقمية سريعة، مفتوحة، شديدة التفاعل، لكنها أقل انضباطاً من حيث المعايير المهنية والأخلاقية. وأشار التحليل إلى أن هذا الانتقال منح النقاش العام طابعاً أكثر ديمقراطية من جهة، لكنه رفع أيضاً منسوب المخاطر المرتبطة بخلط الخبر بالرأي، وبانتشار المحتويات التي تسعى إلى الجذب والانفعال بدل الإخبار والتحقق.

ومن اللافت أن هذا النقاش المغربي حول الإعلام والمنصات لم يبق محلياً صرفاً، بل اتخذ بعداً إقليمياً كذلك، كما يتضح من تحرك رئيسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري لطيفة أخرباش في نيامي يوم 27 مارس من أجل تعزيز التعاون المغربي-النيجري في مجال تقنين وسائل الإعلام. وهذه الخطوة تكشف أن الرباط تحاول أن تجعل من سؤال التنظيم الإعلامي، وخصوصاً في البيئة السمعية البصرية والرقمية، جزءاً من دبلوماسيتها المهنية داخل الفضاء الإفريقي، بما يمنح التجربة المغربية حضوراً خارج حدودها.

أما في العالم العربي، فقد جاء الأسبوع الماضي مثقلاً بتطورات تعكس هشاشة العمل الصحافي تحت تأثير الحروب والاستقطابات. ففي لبنان، وثقت لجنة حماية الصحافيين مقتل ثلاثة صحافيين في 28 مارس 2026 في ضربة إسرائيلية استهدفت سيارة إعلامية في جنوب البلاد، ضمن حصيلة أوسع أشارت إلى مقتل سبعة صحافيين منذ بداية الحرب الجارية، إلى جانب حالات تهديد واحتجاز وإعاقة للعمل الصحافي. كما أكدت “مراسلون بلا حدود” قبل أيام أن ظروف العمل في لبنان تدهورت بحدة مع اشتداد القصف وتقييد الوصول إلى الميدان، محذرة من أن تقييد الصحافيين في مناطق الحرب يعني عملياً إطفاء الضوء على ما يجري. وفي هذه المنطقة بالذات، لم تعد الصحافة تواجه فقط خطر الانحياز أو الدعاية، بل خطر الموت المباشر أيضاً.

وفي سياق عربي آخر، عاد الجدل حول وظيفة الإعلام العربي الدولي إلى الواجهة بعد دفاع مسؤولة كبيرة في “بي بي سي” عن الخدمة العربية للمؤسسة، معتبرة أنها ما تزال من الأصوات القليلة المستقلة في المنطقة، وأنها تصل إلى نحو 40 مليون شخص أسبوعياً. هذا الدفاع، المنشور في 28 مارس، لم يكن مجرد سجال حول مؤسسة بعينها، بل كان تعبيراً عن أزمة أعمق: جمهور عربي منقسم، وفضاء إعلامي مسيّس، ومؤسسات دولية تحاول أن توازن بين المهنية والضغوط والهويات المتنازعة. فحين تصبح “زاوية النظر” نفسها موضوع اتهام أو دفاع، فذلك يعني أن معركة الصحافة لم تعد معركة خبر فقط، بل معركة شرعية سردية أيضاً.

ومن جهة أخرى، تكشف التحضيرات الجارية لقمة الإعلام العربي 2026 في دبي، المقررة من 31 مارس إلى 2 أبريل، عن اتجاه عربي واضح إلى إعادة بناء المجال الإعلامي باعتباره “منظومة” تضم الصحافة التقليدية، والاتصال الحكومي، والإعلام الشبابي، وصناعة الفيلم، والألعاب الإلكترونية، وحتى قمة مؤثري التواصل الاجتماعي. ووفق ما أعلنه نادي دبي للصحافة، فإن القمة ستضم للمرة الأولى نحو عشرة منتديات تحت مظلة واحدة، بما فيها “قمة المؤثرين العرب في وسائل التواصل الاجتماعي”. وهذا التطور مهم لأنه يثبت أن العالم العربي لم يعد ينظر إلى المؤثرين بوصفهم ظاهرة هامشية، بل كجزء من بنية إعلامية جديدة تتقاطع فيها التجارة والانتباه والرأي العام وصناعة الصورة.

وفي هذا السياق نفسه، جاءت أخبار المنصات لتؤكد أن مواقع التواصل لم تعد فقط ساحة للنشر الفردي، بل سوقاً إعلامية مهيكلة. فقد أعلنت “يوتيوب” خلال الساعات الأخيرة إطلاق أدوات جديدة لتنظيم العلاقة بين صناع المحتوى والمعلنين، عبر تسهيل عقد الصفقات التجارية وربط الطرفين داخل منصة واحدة، مع وعود بحماية المعلنين من الارتباط بمحتوى مزيف أو عنيف. وقد يبدو هذا خبراً تقنياً في ظاهره، لكنه في العمق خبر يمس الإعلام العربي مباشرة، لأن كثيراً من الصحافيين وصناع المحتوى في المنطقة صاروا يشتغلون داخل هذا الاقتصاد الهجين، حيث تختلط الرسالة الإعلامية بالتمويل الإعلاني، وتصبح قواعد المنصة جزءاً من قواعد المهنة نفسها.

هكذا، تكشف حصيلة الأسبوع الماضي في المغرب والعالم العربي أن الصحافة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجالات منفصلة. في المغرب، يتواصل شد الحبل بين الإصلاح القانوني والاستقلال المهني، وبين الحاجة إلى تأطير الإعلام الرقمي والخشية من انفلاته. وفي العالم العربي، تتجاور صورة الصحافي المهدد في الميدان مع صورة المؤثر الصاعد على المنصة، بينما تعيد المؤسسات الإقليمية والدولية ترتيب مواقعها في فضاء بات يتغير بسرعة تفوق سرعة القوانين وأحياناً سرعة الأخلاق نفسها. إنها لحظة لا يملك فيها الإعلام ترف التردد: فإما أن يستعيد هيبته بالمهنية والوضوح والجرأة، وإما أن يترك المجال نهائياً لفوضى الضجيج الرقمي.


0 التعليقات: