الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 30، 2026

مدارات الإبداع العربي تنبض بين الرباط وباريس وبغداد: إعداد عبده قي


يعيش المشهد الثقافي والفني خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس 2026 دينامية لافتة تجمع بين المبادرات المؤسساتية، والتظاهرات الفنية، والرهانات الفكرية الجديدة، سواء في المغرب أو في الفضاء العربي الأوسع. إنها لحظة ثقافية مركبة، تتقاطع فيها السياسات العمومية مع المبادرات الإبداعية، وتتشابك فيها المحلي بالعالمي في سياق إعادة تعريف وظيفة الثقافة في زمن التحولات الرقمية والجيواستراتيجية.

أولاً: المغرب — دينامية مؤسساتية وتوهج فني متجدد

عرفت الساحة الثقافية المغربية خلال الأسبوع الماضي حركية متعددة المستويات، يمكن اختزالها في ثلاثة محاور كبرى: دعم الدولة للإبداع، وتكثيف العروض الفنية، وانفتاح المشهد على البعد الدولي.

في صلب هذه الدينامية، أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل عن فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم مشاريع الموسيقى والأغنية والفنون الاستعراضية والكوريغرافية لسنة 2026، في خطوة تؤكد استمرار الرهان على تمويل الإنتاج الثقافي وتعزيز الاحترافية الفنية . ويكشف هذا القرار عن توجه استراتيجي يسعى إلى تحويل الثقافة من نشاط هامشي إلى قطاع اقتصادي وإبداعي منظم.

على مستوى الفنون التشكيلية، برز حدث لافت تمثل في تنظيم معرض جماعي برواق “ضفاف” جمع نحو 60 فناناً من مغاربة العالم، في تجربة فنية متعددة الأجيال والتيارات، تعكس ثراء الهوية البصرية المغربية وتنوع امتداداتها الجغرافية . هذا المعرض ليس مجرد عرض لوحات، بل هو “بانوراما” رمزية تعكس مغرباً متشظياً في الجغرافيا، موحداً في الحس الجمالي.

أما المسرح، فقد احتل موقعاً مركزياً من خلال الاحتفاء باليوم العالمي للمسرح (27 مارس)، عبر برنامج وطني ضخم شمل تقديم أكثر من 100 عرض مسرحي في 40 مدينة مغربية، مع تكريم أسماء بارزة وتنظيم ورشات فنية موازية . ويعكس هذا الحضور الكثيف للمسرح رغبة واضحة في إعادة الاعتبار لهذا الفن كأداة للتربية الجمالية والنقاش المجتمعي.

وفي سياق متصل، تواصل الفعاليات الثقافية المحلية تنوعها، مثل تنظيم أنشطة فنية موجهة للعائلات في الدار البيضاء، وهو ما يعكس اتجاهاً نحو دمقرطة الثقافة وتقريبها من الجمهور الواسع .

أما على مستوى المؤشرات الكبرى، فقد سجل معرض ومتحف السيرة النبوية والحضارة الإسلامية بالرباط إقبالاً قياسياً تجاوز 10 ملايين زائر، في دلالة قوية على تعطش الجمهور المغربي والعربي للمعرفة الثقافية ذات البعد الحضاري .

ولا يمكن إغفال الحركية السينمائية، حيث تستعد مدينة مكناس لاحتضان الدورة 24 من مهرجان “فيكام” الدولي لسينما التحريك، في تأكيد على صعود هذا الفن داخل المغرب واهتمامه بالأجيال الجديدة .

ثانياً: العالم العربي — ثقافة تتقاطع مع السياسة والذاكرة

في الفضاء العربي، اتخذت الأنشطة الثقافية خلال الأسبوع الماضي طابعاً أكثر تركيباً، حيث تداخلت الأسئلة الفكرية مع القضايا السياسية والاجتماعية.

من أبرز هذه الأحداث، تنظيم “أيام التاريخ 2026” بمعهد العالم العربي بباريس (27–29 مارس)، وهو حدث فكري وفني ناقش موضوع “المشاعر والاحتفالات في العالم العربي”، عبر ندوات وعروض فنية وحوارات متعددة . ويعكس هذا الحدث تحول الثقافة العربية إلى موضوع بحث عالمي، ليس فقط كتراث، بل كحقل لتحليل التحولات الاجتماعية والسياسية.

كما توّجت هذه التظاهرة بمنح الجائزة الكبرى لكتاب “أيام التاريخ” لباحث عربي، في مؤشر على الاعتراف المتزايد بالإنتاج الفكري العربي في المؤسسات الثقافية الدولية .

في موازاة ذلك، تستمر الاستعدادات لمعارض الكتاب العربية الكبرى، مثل معرض الرباط الدولي للنشر والكتاب المرتقب تنظيمه بين 30 أبريل و10 مايو 2026، إلى جانب معارض عربية أخرى في أبوظبي وتونس والدوحة . وتؤكد هذه الرزنامة أن الكتاب لا يزال يحتفظ بمكانته رغم هيمنة الوسائط الرقمية.

أما على مستوى التظاهرات الفكرية العالمية ذات الحضور العربي، فقد تم الإعلان عن برنامج مهرجان “أصوات العالم” الذي سيجمع كتاباً من أكثر من 140 دولة، مع تركيز خاص على قضايا الديمقراطية، وهو ما يعكس تزايد حضور المثقف العربي في النقاشات الكونية .

ثالثاً: تلاقي المحلي والعالمي — الثقافة كقوة ناعمة

ما يميز المشهد الثقافي خلال هذا الأسبوع هو تزايد التداخل بين المحلي والدولي. فالمغرب، على سبيل المثال، يستعد ليكون في قلب “موسم المتوسط 2026” بفرنسا، عبر برنامج ثقافي ضخم يشمل الموسيقى والسينما والفنون التشكيلية . هذا الامتداد الخارجي يعكس تحول الثقافة إلى أداة دبلوماسية ناعمة تعزز صورة البلاد في الخارج.

وفي المقابل، يشهد العالم العربي انفتاحاً متزايداً على الفضاءات الثقافية العالمية، سواء عبر المشاركة في المهرجانات الدولية أو من خلال احتضان فعاليات ذات طابع كوني.

خاتمة تحليلية

تكشف حصيلة الأسبوع الثقافي في المغرب والعالم العربي عن مفارقة لافتة: فبينما تتعزز البنيات المؤسساتية للدعم الثقافي، يتصاعد في الآن نفسه الوعي النقدي بوظيفة الثقافة كأداة للتفكير في المجتمع والهوية والسياسة.

إنها لحظة انتقالية، تتحول فيها الثقافة من مجرد إنتاج رمزي إلى قوة استراتيجية، قادرة على إعادة تشكيل صورة المجتمعات العربية في الداخل والخارج. وبين معارض الفن، ومهرجانات المسرح، وندوات الفكر، يبرز سؤال مركزي: هل نحن أمام نهضة ثقافية جديدة، أم مجرد إعادة ترتيب لأدوات التعبير في زمن متغير؟

في كل الأحوال، يبدو أن الثقافة العربية اليوم لم تعد هامشاً، بل صارت في قلب التحولات.



0 التعليقات: