الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مارس 29، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في الآداب العالمي (الحرب والسلام ) إعداد عبده حقي


ليو تولستوي (لِيف نيكولايفيتش تولستوي) هو واحد من أعظمِ أعلامِ الأدبِ العالميّ، وُلِدَ في 9 شتنبر 1828 في ضيعة “ياسنايا بوليانا” بروسيا القيصرية، ونشأ في أسرةٍ أرستقراطيةٍ عريقة، غير أنّ طفولتَهُ تميَّزت بفواجع مبكّرة بعد فقدانِ والدَيْهِ في سنٍّ صغيرة .

وقد برز اسمُهُ في منتصف القرن التاسع عشر ككاتبٍ واقعيٍّ بارع، إذ حقّق شهرةً مبكّرةً من خلال ثلاثيته شبه الذاتية «الطفولة، الصبا، الشباب»، ثمّ رسّخ مكانتَهُ العالمية بأعمالٍ روائيةٍ خالدةٍ، من أبرزها «الحرب والسلام» و«آنا كارينينا»، اللتان تُعَدّان من أعظم ما أُنتِج في الأدب الإنساني .

ولم يكن تولستوي مجرّد روائيٍّ تقليديّ، بل كان مفكّرًا أخلاقيًّا وفيلسوفًا إنسانيًّا، إذ انشغل بقضايا الدين والعدالة واللاعنف، متأثرًا بتجربته في الحرب القرمية، التي عمّقت رؤيته النقدية للعنف والمؤسسات الاجتماعية . وقد شهدت حياتُهُ تحوّلًا روحيًّا عميقًا في مرحلةٍ لاحقة، حيث دعا إلى البساطة والزهد، وانتقد التفاوت الاجتماعي، وأصبح من أبرز دعاة السلام والعدالة الأخلاقية.

تميّز أسلوب تولستوي بقدرته الفائقة على تصوير الحياة الإنسانية في تعقيداتها النفسية والاجتماعية، حيث جمع بين السرد الملحمي والتحليل العميق للشخصيات، فجاءت أعماله مرآةً دقيقةً لصراع الإنسان بين الشهوة والواجب، بين المجتمع والضمير. كما كتب قصصًا قصيرة وأعمالًا فلسفية مثل «موت إيفان إيليتش» و«البعث»، التي عكست تحوّله الفكري نحو التأمل الأخلاقي .

وفي أواخر حياته، غادر تولستوي ممتلكاته باحثًا عن الانسجام بين أفكاره وسلوكه، قبل أن يُتوفّى سنة 1910 في محطة قطار “أستابوفو” عن عمرٍ ناهز 82 عامًا، بعد إصابته بالتهاب رئوي .

وهكذا، ظلّ تولستوي رمزًا خالدًا للأدب الإنساني، إذ لم يكتب الرواية فحسب، بل أعاد تعريف دور الكاتب باعتباره ضميرًا أخلاقيًّا للعالم، وصوتًا يسائل الوجود والعدالة والحقيقة.

في رواية الحرب والسلام، لا يكتفي ليو تولستوي بكتابة عملٍ سرديٍّ تقليديّ، بل يُشيِّدُ عالَمًا روائيًّا مترامي الأطراف، تُلامسُ فيه اللغةُ تخومَ الفلسفة، ويتحوّل فيه التاريخ إلى مادةٍ تأمّليةٍ حيّة، تتجاوز الوقائع إلى مساءلة معنى الوجود الإنساني ذاته.

تدور أحداث الرواية في سياق الحروب النابليونية، خصوصًا الغزو الفرنسي لروسيا سنة 1812، حيث تتقاطع مصائرُ شخصياتٍ أرستقراطيةٍ مثل بيير بيزوخوف، والأمير أندريه بولكونسكي، وناتاشا روستوف، في نسيجٍ سرديٍّ يمزج بين الخاصّ والعامّ، بين اليوميّ والملحميّ . غير أنّ هذا التحديد التاريخي ليس سوى قناعٍ شفافٍ، إذ سرعان ما ينفتح النصّ على أسئلةٍ أعمق تتعلّق بالحرية والقدر، والحياة والموت، والمعنى والعدم.

أسلوبيًّا، يكتب تولستوي روايةً تُقاومُ التصنيف؛ فهي ليست روايةً تاريخيةً خالصة، ولا سيرةً نفسيةً، ولا أطروحةً فلسفية، بل مزيجٌ مُدهشٌ من هذه الأجناس جميعًا. فهو يُزاوج بين السرد الواقعي الدقيق والوصف التفصيلي للمعارك، وبين استطراداتٍ فلسفيةٍ طويلةٍ يُناقش فيها مفهوم التاريخ، رافضًا ما يُعرف بـ”نظرية الرجل العظيم“، ومؤكّدًا أنّ التاريخ ليس صُنعَ الأفراد الكبار، بل حصيلةُ أفعالٍ صغيرةٍ لا تُحصى .

ومن هنا، تبدو الحرب في الرواية ليست مجرّد حدثٍ عسكريّ، بل حالةٌ وجوديةٌ تكشف هشاشة الإنسان. فالمعارك عند تولستوي لا تُدار بالعقل الاستراتيجي كما يُروَّج، بل تحكمها دوافعُ لا عقلانية، حيث يُظهر الكاتب أنّ السلوك الإنساني في السلم والحرب يخضعُ لالتباساتٍ نفسيةٍ عميقة . وفي المقابل، تمثّل السلام لحظةَ بحثٍ داخليٍّ عن الطمأنينة، وعن معنى للحياة خارج ضجيج التاريخ.

وفي العمق، تُشكّل الرواية تأمّلًا فلسفيًّا في ثنائية القدر والحرية، حيث يتساءل تولستوي: هل الإنسان صانعُ مصيره، أم مجرّدُ عنصرٍ صغيرٍ في شبكةٍ تاريخيةٍ كبرى؟ وقد عبّر عن ذلك من خلال شخصياته التي تتخبّط بين الإرادة الفردية وقوى التاريخ الجارفة .

كما تحضرُ في النصّ ثيمةُ البحث عن المعنى بوصفها المحرّك الخفيّ للشخصيات؛ فبيير، مثلًا، يخوضُ رحلةً روحيةً طويلةً بحثًا عن الحقيقة، ليكتشف أنّ المعنى لا يُستمدّ من المجد أو السلطة، بل من بساطة الحياة ومن التضامن الإنساني .

ولعلّ أعظم ما يُميّز هذه الرواية هو قدرتها على التقاط “فكرة الشعب”، أي حضور الإنسان العادي في صناعة التاريخ، حيث يُعيد تولستوي الاعتبار للجنود المجهولين، ولحياة الناس البسطاء، بوصفهم القوة الحقيقية الكامنة خلف الأحداث الكبرى .

نقديًّا، يمكن القول إنّ الحرب والسلام تُعيد تعريف مفهوم الرواية ذاتها؛ فهي ليست حكايةً تُروى، بل كونٌ يُعاش. غير أنّ هذا الطموح الملحميّ لا يخلو من تعثّر، إذ يرى بعض النقّاد أنّ الاستطرادات الفلسفية تُثقل إيقاع النصّ وتُربك مساره السردي . ومع ذلك، فإنّ هذه “العيوب” نفسها تُشكّل جزءًا من عبقرية العمل، لأنها تُحوّله إلى مختبرٍ فكريٍّ مفتوح، لا إلى نصٍّ مغلق.

إنّ تولستوي، في هذا العمل، لا يكتب عن الحرب والسلام فحسب، بل عن الإنسان في أقصى تجلياته: ضعفه، وحيرته، وسعيه الأبديّ نحو معنى يتفلّت منه باستمرار. وهكذا، تتحوّل الرواية إلى مرآةٍ كونيةٍ تعكسُ تناقضات الحياة، وتُذكّرنا بأنّ التاريخ، في جوهره، ليس سوى قصة الإنسان وهو يحاول أن يفهم نفسه.


0 التعليقات: