في الآونة الأخيرة بدا مَشْهَدُ الأَدَبِ الرَّقْمِيِّ وكأنَّه يَتَحَرَّكُ عَلَى أَكْثَرَ مِن جَبْهَةٍ فِي آنٍ واحِدٍ: فِي المغربِ تَقَدَّمَ الخِطابُ مِن مُجَرَّدِ الاِحْتِفاءِ بالنص إلى بِنْيَةِ صِناعَةِ السَّرْدِ الرَّقْمِيِّ وتَدْرِيبِ مُنْتِجِيه، وفِي العالَمِ العربيِّ اتَّسَعَ الرِّهانُ مِن جائِزَةٍ أَو مَوْسِمِ قِراءةٍ إلى بِنْيَةِ وُجودٍ رَقْمِيٍّ شامِلٍ لِلُّغَةِ العربيَّةِ وَكُتُبِها وَصَوْتِها، أَمَّا عالَمِيًّا فَقَدْ دَخَلَ الأَدَبُ الرَّقْمِيُّ مَرْحَلَةً أَشَدَّ تَعْقِيدًا: لَمْ يَعُدِ السُّؤالُ كَيْفَ نُنْتِجُ النَّصَّ فَقَط، بَلْ كَيْفَ نُثْبِتُ إِنْسانِيَّتَهُ، وَكَيْفَ نُوَسِّعُ وُسُطَهُ مِن الشَّاشَةِ إِلَى الصَّوْتِ وَالخَوَارِزْمِيَّاتِ وَالتَّجْرِبَةِ التَّفاعُلِيَّةِ.
فِي المغربِ، كانَ أَبْرَزُ ما لَفَتَ الاِنْتِباهَ هُوَ أَنَّ الأَدَبَ الرَّقْمِيَّ لَمْ يَعُدْ يُفْهَمُ كَفِكْرَةٍ نَظَرِيَّةٍ مَعْزُولَةٍ، بَلْ كَمِهْنَةٍ وَمُخْتَبَرٍ وَمَسارِ إِنْتاجٍ. فَبَرْنامج Lab Digital Maroc 2026 في تطوان، الذي أطلقه المعهد الفرنسي بالمغرب بالتعاون مع المعهد الوطني للفنون الجميلة، قُدِّمَ بوصفه فضاءً لدعم المشاريع المتصلة بالفنون الرقمية، والواقع الغامر، والأنيميشن، وألعاب الفيديو، مع مواكبة خبراء مغاربة وفرنسيين، وتجهيزات تشمل استوديوهات صوت وصورة، وخوذات واقع افتراضي، وكاميرات 360 درجة، وإقامات ولقاءات مهنية دولية للمشاريع المنتقاة. هذا ليس خبراً تقنياً عابراً؛ إنّه انتقالٌ من الحديث عن الأدب الرقمي بوصفه جنساً غريباً إلى معاملته بوصفه سلسلة إنتاج ثقافي كاملة، قادرة على تحويل السرد من نصٍّ ساكن إلى تجربة سمعية بصرية تفاعلية.
وَفِي الرَّباطِ، أَضَافَتْ مُبادَرَة KESSA بُعْدًا آخَرَ لِهذا التَّحَوُّل. فقد اجتمع ثلاثون شاباً وشابة من صُنّاع السرد الإفريقي في إقامةٍ فنية من 23 إلى 28 مارس 2026 بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، ضمن برنامج يزاوج بين الكتابة، والسرد البصري، والصحافة، والثقافة الرقمية، والسرد العلمي، وورش الإنتاج السمعي البصري و"السرد 360 درجة". وفي تغطيات مغربية نُشرت خلال الأيام الأخيرة، قُدِّمت هذه الإقامة بوصفها محاولة لإعادة كتابة روايات القارة وإنتاج أعمال أصلية جديدة. هنا لا يعود المغرب مجرّد فضاء استقبال، بل يتحوّل إلى مختبر قاري لإعادة تركيب الحكاية الإفريقية بأدوات القرن الحادي والعشرين. وهذا في نظري إنجاز نوعي، لأن الأدب الرقمي لا يزدهر فقط بنشر النصوص على الشاشة، بل ببناء شبكات إنتاج عابرة للحدود تُعيد تعريف من يروي، ولمن يروي، وبأي وسائط يروي.
كما أنَّ احتضان الرباط، بين 24 و29 مارس 2026، لورشة SIGHUM / LaTeCH-CLfL 2026 الخاصة باللسانيات الحاسوبية للتراث والعلوم الإنسانية والأدب، يؤكد أن المغرب دخل أيضاً إلى قلب الجانب البحثي من الأدب الرقمي. فالورشة ركزت على استعمال المعالجة الآلية للغات في تحليل السرد والأنواع والأساليب الأدبية، وعلى فرص النماذج اللغوية الكبيرة ومخاطرها في حقل الدراسات الإنسانية الرقمية. والمعنى العميق لهذا الحدث أن الأدب لم يعد فقط مادة للقراءة والنقد، بل صار مادة للترميز، والتنقيب، والربط الذكي، والتحليل الآلي، من غير أن يُلغى السؤال الجمالي أو الإنساني. وهنا تتشكل في المغرب، بهدوء ولكن بوضوح، أرضية جديدة يلتقي فيها الباحث، والمبرمج، والكاتب، والناشر.
أمّا في العالم العربي، فقد جاء الإنجاز الأوضح من أبوظبي، حيث أطلق مركز أبوظبي للغة العربية بالشراكة مع أمازون المكتبة العربية الرقمية، وهي واجهة رقمية تتيح أكثر من 38 ألف عنوان عربي، بينها أكثر من ألف عنوان مجاني، في صيغ الكتب الإلكترونية وكتب Audible الصوتية. وبحسب المركز، تشمل المنصة أكثر من 33 ألف كتاب Kindle و5 آلاف كتاب صوتي، مع خطة لتوسيع المحتوى على مدى ثلاث سنوات بالتعاون مع ناشرين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. هذا التحول يتجاوز فكرة متجر كتب رقمي؛ إنه إعلانٌ بأن العربية تريد أخيراً أن تتقدم إلى الفضاء الرقمي لا باعتبارها لغة تراث فقط، بل باعتبارها لغة سوق، وبيانات، وصناعة صوتية، وتداول عالمي. ومن هنا يمكن القول إن الأسبوع الماضي لم يشهد فقط خبراً عربياً مهماً، بل شهد لحظة مؤسِّسة في معركة قديمة: معركة نقل الكتاب العربي من رفٍّ محلي ضيق إلى أفق رقمي كوني.
ويتكامل هذا المسار مع ما يقوم به المركز نفسه من تحفيز للبحث والتأليف عبر برنامج “بصائر” للمنح البحثية 2026، الذي يموّل كتباً أكاديمية عربية في مجالات منها الأدب والنقد واللسانيات التطبيقية والحوسبية. قد يبدو هذا بعيداً عن الأدب الرقمي بمعناه الشائع، لكنه في الحقيقة ذراعه المعرفية الضرورية؛ إذ لا يمكن لأي نهضة رقمية أن تستمر إذا بقيت بلا نقد، ولا تنظير، ولا مصطلح، ولا أرشفة، ولا أبحاث رصينة تواكب التحول. ولعل هذا ما يميز بعض المبادرات العربية الجديدة: أنها بدأت تفهم أن المستقبل ليس في رقمنة المخزون فقط، بل في بناء بيئة إنتاج وفهم وتدريب ونشر معاً.
وعلى الصعيد العالمي، ما زالت منظمة الأدب الإلكتروني ELO تواصل تثبيت الأدب الإلكتروني باعتباره حقلاً معترفاً به، عبر جوائزها الأربع السنوية، من جائزة روبرت كوفر للعمل الأدبي الإلكتروني إلى جوائز النقد والإنجاز والتجريب، مع إعلان أن الفائزين سيُعلن عنهم خلال مؤتمرها الافتراضي في يوليوز 2026. كما أن حيوية هذا الحقل لا تظهر فقط في الجوائز، بل في تمدده نحو المشاريع المجتمعية، مثل خريطة الشعر الرقمي التي أعلنت عنها Litfest 2026 في لانكستر تحت شعار “حقوق الطبيعة”، داعية الشعراء إلى إرسال نصوص تُنشَر ضمن خريطة شعرية رقمية تفاعلية. هنا نرى أن الأدب الرقمي العالمي لم يعد محصوراً في المختبرات الجامعية أو الأعمال التجريبية النخبوية، بل صار يختبر إمكاناته في الفضاء العام، وفي التربية البيئية، وفي التشاركية، وفي المزج بين القصيدة والمكان والخرائط والمنصات.
غير أن الوجه الآخر للمشهد العالمي كان أكثر قسوةً وإثارةً للقلق. فالجدل الذي تفجّر أواخر مارس 2026 حول رواية Shy Girl، بعد سحبها ووقف توزيعها وسط شبهات قوية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابتها، كشف أن الأدب الرقمي العالمي يدخل الآن منطقةً رمادية شديدة الحساسية. لم يعد السؤال: هل تستطيع الآلة أن تكتب؟ بل صار: من يضمن أن ما نقرأه يحمل بصمة بشرية حقيقية؟ ومن يحمي التنوع الأدبي من غزو نصوص خوارزمية قد تكون سليمة شكلاً وفقيرة روحاً؟ وفي المقابل، يتوسع المسار الصوتي أيضاً، كما يظهر في الإصدارات السمعية الجديدة الرفيعة المستوى، ومنها النسخة الجديدة من Brown Girl Dreaming بصوت طاقم متعدد، ما يدل على أن الأدب الرقمي في العالم لا يتحرك في خط واحد، بل في مسارين متوازيين: مسار يوسّع الوصول والجمهور عبر الصوت والتقنيات، ومسار آخر يفرض معارك أخلاقية جديدة حول الأصالة والملكية والمعنى.
وخلاصة هذا الأسبوع أن الأدب الرقمي لم يَعُد تَرَفاً تِقْنِيّاً ولا مَوضةً نقديةً عابرة. في المغرب، بدأ يتجسد في مختبرات، وإقامات، وبنيات تدريب، وورش تجمع الفن بالتقنية. وفي العالم العربي، أخذ يكتسب أخيراً بُعداً مؤسساتياً واسعاً عبر المكتبات الرقمية، والمنصات الصوتية، وتمويل البحث. وفي العالم، يواصل توسعه في الوقت الذي يواجه فيه امتحاناً أخلاقياً عسيراً مع الذكاء الاصطناعي. وبين هذه المستويات كلها، يبدو أن الإنجاز الأهم ليس مجرد ظهور منصة أو إقامة أو جائزة، بل انتقال الأدب نفسه من صفحة تُقرأ إلى منظومة تُصمَّم وتُنتَج وتُوزَّع وتُختبَر وتُساءَل. ذلك هو الحدث الحقيقي: أن الحكاية لم تعد تسكن الورق وحده، بل صارت تبحث عن وطنها الجديد بين الشاشة، والصوت، والبيانات، وقلق الإنسان على صوته الأخير.







0 التعليقات:
إرسال تعليق