الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أبريل 02، 2026

جغرافيا الاقتلاع تصوغ عالماً أقلَّ رحمة: إعداد عبده حقي


 لم تعد الهجرة والتهجير في العالم المعاصر مجرد ملف إنساني عابر، ولا مجرد أرقام تتناثر في تقارير المنظمات الدولية، بل أصبحتا اليوم مرآة كاشفة لاختلال النظام الدولي نفسه حيث من المنظمة الدولية للهجرة إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ومن بوابة بيانات الهجرة إلى الأمم المتحدة ومنظمة Refugees International، تكشف في أحدث موادها أن العالم يدخل مرحلة جديدة يصبح فيها النزوح أكثر تعقيداً، واللجوء أكثر هشاشة، والسياسات أكثر ميلاً إلى الردع من الحماية. وتشير بوابة بيانات الهجرة إلى أن عدد المهاجرين الدوليين قُدِّر بنحو 281 مليوناً عالمياً، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً في نهاية 2024 أكثر من 83.3 مليون شخص، بينما أفادت المفوضية بأن عدد المُهجَّرين قسراً على مستوى العالم بلغ 123.2 مليوناً في نهاية 2024.

أبرز ما تكشفه هذه المصادر هو أن المشكلة لم تعد مقتصرة على عبور الحدود، بل صارت تتمثل أولاً في التهجير داخل الحدود ذاتها. فالمنظمة الدولية للهجرة تشير إلى أن أكثر من 59 مليون شخص مهجَّرون حالياً داخل بلدانهم بسبب النزاعات والعنف والكوارث، ما يعني أن الجرح يبدأ في الداخل قبل أن يتحول إلى لجوء خارجي. وهذا التحول بالغ الدلالة، لأنه يثبت أن الدولة الوطنية نفسها أصبحت في حالات كثيرة عاجزة عن حماية مواطنيها، أو متورطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إنتاج شروط الاقتلاع.

وفي أحدث التطورات الإقليمية، يظهر الشرق الأوسط بوصفه المختبر الأكثر قسوة لهذه المأساة المتجددة. فالمنظمة الدولية للهجرة أفادت في مارس 2026 بأن تجدد الأعمال العدائية في لبنان تسبب في سقوط ضحايا مدنيين، ونزوح واسع النطاق، وارتفاع الاحتياجات الإنسانية، فيما سجلت بياناتها عبور أعداد كبيرة من لبنان إلى سوريا. كما ذكرت المنظمة في 24 مارس 2026 أن أكثر من مليون شخص نزحوا، وأن أكثر من 130 ألف شخص عبروا الحدود إلى سوريا، قبل أن تشير تحديثات لاحقة إلى أرقام أعلى. ومن جهتها، أعلنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في 5 مارس 2026 أن أكثر من 330 ألف شخص أُجبروا على النزوح بسبب الأعمال العدائية الأخيرة في الشرق الأوسط، ثم أوضحت بعد ذلك بأيام أن أكثر من 200 ألف شخص دخلوا سوريا من لبنان خلال أقل من شهر.

هذه الأرقام لا تحكي فقط قصة حرب جديدة أو تصعيد عسكري عابر، بل تشير إلى قضية أكثر عمقاً: هشاشة العودة نفسها. فحين يفر الناس من لبنان إلى سوريا، لا يعني ذلك أنهم يعودون إلى الأمان، بل كثيراً ما ينتقلون من هشاشة إلى هشاشة أخرى. وتؤكد تقارير المفوضية المرتبطة بتطورات المنطقة أن الاحتياجات الحمائية تتصاعد، وأن مخاطر النزوح الداخلي والتدفقات العابرة للحدود والحركات اللاحقة نحو الدول المجاورة تتزايد. وهنا يصبح “الرجوع” ليس حلاً إنسانياً، بل شكلاً آخر من إعادة توزيع الخطر على الجغرافيا.

أما السودان، فيمثل اليوم أحد أخطر وجوه التهجير القسري المركب: حرب داخلية، لجوء إقليمي، ونقص تمويل دولي يهدد بتحويل الكارثة إلى وضع دائم. فقد دعت المنظمة الدولية للهجرة في 31 مارس 2026 إلى توسيع استجابتها في السودان، وناشدت تمويلاً قدره 277 مليون دولار لدعم الفئات الأكثر هشاشة. وفي الاتجاه نفسه، تؤكد Refugees International أن شرق تشاد يستقبل موجة جديدة من اللاجئين الفارين من فظائع قوات الدعم السريع، وأن فجوات التمويل باتت تضغط بقوة على الاستجابة الإنسانية، فيما يحتاج السودان نفسه إلى 2.9 مليار دولار ضمن خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية. وتشير المنظمة كذلك إلى أن المأساة لم تعد مسألة إغاثة فقط، بل مسألة مساءلة وعدالة أيضاً، لأن الجرائم الواسعة، من القتل إلى العنف الجنسي والنزوح القسري، لا يمكن التعامل معها كخلفية صامتة للحرب.

وفي اليمن، تكشف مواد الأمم المتحدة عن بُعد آخر من الأزمة: التقاء النزوح الداخلي بالهجرة والفقر والمناخ وانهيار الخدمات. ففي خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026، المنشورة في 29 مارس 2026، ذكرت الأمم المتحدة أن أكثر من 22 مليون شخص سيحتاجون إلى المساعدة والحماية هذا العام، بينهم 5.2 ملايين نازح داخلياً، و329 ألف مهاجر، و63 ألف لاجئ وطالب لجوء. كما أشارت إلى أن 18.3 مليون شخص يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وأن شح المياه وتضرر البنية التحتية يفاقمان المخاطر الصحية والإنسانية. هذه الصورة تعني أن الهجرة هنا لم تعد ناتجة فقط عن الحرب، بل عن تراكم الانهيار الاقتصادي والبيئي والخدمي في آن واحد.

ومن بين القضايا الجديدة التي تبرز بقوة أيضاً، مسألة “خارجنة” الهجرة، أي نقل عبء الحماية من دول المقصد إلى دول ثالثة أقل قدرة وأضعف ضمانات. ففي أحدث موادها، تحدثت Refugees International عن اتفاق يسمح بترحيل نحو 25 شخصاً أسبوعياً من “رعايا دول ثالثة” من الولايات المتحدة إلى كوستاريكا، كما ناقشت في فعالياتها وأوراقها الأخيرة الأثر الإنساني لسياسات الترحيل القسري إلى بلدان لا تربط المرحَّلين بها روابط قانونية أو شخصية. هذه ليست مجرد تقنية إدارية لضبط الحدود، بل تحوُّل سياسي وأخلاقي خطير، لأن اللجوء يُفرَّغ هنا من مضمونه القانوني، ويُختزل إلى مسألة نقل جسدي من مكان إلى مكان.

وتقودنا هذه النقطة إلى سؤال الحماية القانونية نفسها. فRefugees International تؤكد في صفحة “Pathways to Safety” أن سبل الحماية، مثل إعادة التوطين واللجوء والأوضاع المؤقتة، أصبحت مهددة في وقت أُجبر فيه أكثر من 100 مليون شخص على مغادرة بيوتهم. وهذا يعني أن العالم لا يواجه فقط ارتفاعاً في أعداد المقتلعين، بل يواجه أيضاً تقلصاً في النوافذ القانونية التي كانت، ولو نظرياً، تمنحهم أملاً في النجاة. الخلل لم يعد فقط في إنتاج الأزمات، بل في إغلاق الأبواب أمام ضحاياها.

ومن القضايا التي صعدت حديثاً كذلك، وضع النساء والفتيات في النزوح، خصوصاً ضمن الحركات المختلطة للهجرة واللجوء. ففي مقال حديث نشرته Refugees International في 16 مارس 2026 حول الأفغانيات في إيران، تظهر صورة بالغة القسوة: نساء عالقات بين الحرب في إيران وقمع طالبان في أفغانستان. وتشير المادة إلى أن نحو 4 ملايين من المهاجرين واللاجئين الأفغان يعيشون في إيران، وأن كثيرات منهن يواجهن تهديد الترحيل أو اللجوء إلى مسارات تهريب غير نظامية محفوفة بخطر الاتجار والعنف الجنسي. هنا تتجسد قضية جديدة ومهمة: لم يعد كافياً الحديث عن اللاجئ بوصفه فئة عامة، لأن النوع الاجتماعي صار محدداً مركزياً لشكل الخطر نفسه.

ومن خلال بوابة بيانات الهجرة، يتضح أيضاً أن مشكلة الحوكمة لا تقل خطورة عن مشكلة الحركة السكانية نفسها. فهذه البوابة تقدم نفسها باعتبارها نقطة وصول موحدة إلى إحصاءات الهجرة الموثوقة والآنية، ما يذكّر بأن أزمة الهجرة ليست فقط في تدفقات البشر، بل في ضعف البيانات القابلة للمقارنة، وتفاوت تعريفات المهاجر والنازح واللاجئ بين المؤسسات والدول. في عالم يُبنى فيه القرار السياسي على الأرقام، تصبح جودة البيانات جزءاً من الحماية ذاتها؛ لأن من لا يُحصى جيداً، لا يُحمى جيداً.

هكذا، تكشف هذه الروابط مجتمعة أن المشكلات الجديدة في الهجرة والتهجير تتبلور في خمسة محاور متداخلة: أولها تضخم النزوح الداخلي على نحو يجعل المأساة تبدأ من داخل الوطن نفسه؛ وثانيها تحوُّل الحروب الإقليمية، كما في لبنان وسوريا والسودان، إلى مولدات سريعة لحركات نزوح عابرة للحدود؛ وثالثها تراجع أنظمة الحماية القانونية بفعل الترحيل إلى دول ثالثة وتشديد السياسات؛ ورابعها تصاعد هشاشة الفئات الأكثر تعرضاً، وفي مقدمتها النساء والفتيات؛ وخامسها تداخل النزوح مع الجوع والمناخ والانهيار الخدمي، كما في اليمن.

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط اتساع الخريطة البشرية للاقتلاع، بل اعتياد العالم على هذا الاتساع. فالمهاجر والنازح واللاجئ صاروا في كثير من الخطابات الدولية مجرد “ملف” يُدار، لا إنساناً يُحمى. وبين لغة التمويل الناقص، والحدود المؤجلة، والوعود القانونية المتآكلة، يتشكل عالم يُنتج النزوح أكثر مما ينتج الحلول. ولذلك، فإن القضية لم تعد قضية إغاثة فحسب، بل قضية ضمير سياسي عالمي: هل ما يزال النظام الدولي قادراً على حماية الإنسان المقتلع، أم أنه اكتفى بإحصائه ثم تركه يتدبر مصيره على هامش الخرائط؟


0 التعليقات: