في عالمٍ لم تعد فيه الحقيقة تُقاس بميزان الوقائع وحدها، بل بمدى انتشارها وسرعة تداولها، تتقدم المنصات الحقوقية والإعلامية إلى واجهة المشهد بوصفها فاعلاً مركزياً في تشكيل الوعي العالمي. غير أن هذا الحضور المتنامي لا يخلو من التباس عميق: هل نحن أمام سلطة أخلاقية كونية تدافع عن الإنسان أينما كان، أم أمام شبكات ضغط ناعمة تُعيد ترتيب أولويات العدالة وفق خرائط النفوذ السياسي والإعلامي؟
خلال الأسبوع الماضي، عادت مجموعة من المنظمات الدولية الكبرى إلى الواجهة، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش (المرصد الدولي لحقوق الإنسان) والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان وبيت الحرية، حيث أصدرت تقارير متزامنة حول أوضاع الحريات في عدد من المناطق الساخنة. وقد ركزت هذه التقارير على تصاعد الاعتقالات السياسية في بعض الدول، وتقييد حرية التعبير في الفضاء الرقمي، واستمرار التضييق على الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
غير أن القراءة النقدية لهذه التقارير تكشف مفارقة لافتة: فبينما تُسلَّط الأضواء بقوة على انتهاكات معينة، يتم في المقابل التغاضي أو التخفيف من حدة انتهاكات أخرى، خاصة تلك المرتبطة بقوى دولية نافذة. ففي الوقت الذي أدانت فيه هذه المنظمات اعتقال مدونين في بعض الدول النامية، بدا خطابها أكثر حذراً تجاه قضايا مثل المراقبة الرقمية الواسعة في الدول الغربية، أو القيود المفروضة على التظاهر في بعض العواصم الأوروبية.
أما الخدمة الدولية لحقوق الإنسان والمدافعون في الخط الأمامي، فقد ركزتا هذا الأسبوع على أوضاع النشطاء الميدانيين، خاصة في مناطق النزاع، حيث تم توثيق حالات اختفاء قسري وتهديدات مباشرة للمدافعين عن الحقوق. ومع ذلك، فإن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل محدودة التأثير في غياب آليات إلزامية دولية قادرة على محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
في السياق ذاته، لعبت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة دوراً تقليدياً في إصدار بيانات القلق والدعوة إلى التحقيق، غير أن هذه البيانات غالباً ما تبقى حبيسة اللغة الدبلوماسية، عاجزة عن إحداث تغيير فعلي على الأرض. ويكفي أن نشير إلى استمرار معاناة المدنيين في مناطق النزاع، رغم عشرات القرارات الأممية، لندرك حدود هذا التأثير.
أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فقد واصلت عملها الإنساني في صمت، مركزة على حماية المدنيين وتقديم المساعدات، بعيداً عن ضجيج الإعلام. غير أن هذا الحياد، رغم ضرورته، يطرح بدوره تساؤلات حول مدى قدرة العمل الإنساني على مواجهة جذور الانتهاكات، وليس فقط التخفيف من آثارها.
في مجال حقوق المرأة، برزت هيئة الأمم المتحدة للمرأة والصندوق العالمي للنساء والمساواة الآن من خلال تقارير وتحركات تسلط الضوء على العنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في مناطق النزاع والهجرة. وقد تم تسجيل حالات صادمة من الاستغلال الجنسي للنساء في مخيمات اللاجئين، إضافة إلى استمرار التمييز القانوني في عدد من الدول. غير أن الخطاب الحقوقي هنا، بدوره، لا يخلو من انتقائية، حيث يتم التركيز على بعض المناطق دون غيرها، وفق اعتبارات إعلامية وسياسية.
أما فيما يتعلق بحقوق الطفل، فقد أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وأنقذوا الأطفال والدفاع عن الأطفال دولياً تقارير تحذر من تزايد تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، وحرمان ملايين الأطفال من التعليم بسبب الأزمات الاقتصادية والحروب. وتبقى صور الأطفال في مناطق النزاع، بعيونهم المرهقة وملامحهم المكسورة، شاهداً دامغاً على فشل المجتمع الدولي في حماية الفئات الأكثر هشاشة.
على المستوى الإعلامي، لعبت منصات مثل الديمقراطية المفتوحة والجزيرة والغارديان وشبكة معلومات حقوق الإنسان دوراً محورياً في نقل هذه القضايا إلى الرأي العام العالمي. غير أن هذا الدور، رغم أهميته، يثير بدوره إشكالية التحيز الإعلامي، حيث تختلف زوايا التغطية باختلاف الخلفيات السياسية والثقافية للمؤسسات الإعلامية.
وفي العالم العربي، واصلت المنظمة العربية لحقوق الإنسان والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جهودها في توثيق الانتهاكات، خاصة تلك المتعلقة بحرية التعبير واعتقال الصحافيين. وقد تم خلال الأسبوع الماضي تسجيل حالات جديدة من محاكمة مدونين وصحافيين بتهم تتعلق بـ"نشر أخبار كاذبة" أو "المساس بأمن الدولة"، وهي تهم فضفاضة تُستخدم في كثير من الأحيان لتكميم الأفواه.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا هو: إلى أي مدى تساهم هذه المنصات في تشكيل رأي عام عالمي عادل ومتوازن؟ وهل يمكن الحديث عن حياد حقيقي في عالم تحكمه المصالح والتوازنات؟
إن الواقع يشير إلى أن هذه المنظمات، رغم دورها الحيوي، ليست بمنأى عن التأثيرات السياسية والتمويلية. فبعضها يعتمد على دعم حكومات أو مؤسسات دولية، ما قد ينعكس على أولوياتها وخطابها. كما أن المنافسة الإعلامية تدفع أحياناً إلى تضخيم بعض القضايا على حساب أخرى، في إطار ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الانتباه الحقوقي".
ولعل أخطر ما في الأمر هو تحول بعض هذه المنصات إلى أدوات غير مباشرة في الصراعات الجيوسياسية، حيث يتم توظيف الخطاب الحقوقي لخدمة أجندات معينة. ففي الوقت الذي يتم فيه تسليط الضوء على انتهاكات في دولة ما، يتم في المقابل تجاهل انتهاكات مماثلة أو أكثر خطورة في دولة أخرى، فقط لأنها حليف سياسي أو اقتصادي.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه المنظمات لعبت دوراً مهماً في كشف العديد من الانتهاكات، وساهمت في الضغط من أجل إطلاق سراح معتقلين سياسيين، وتحسين بعض التشريعات. غير أن هذا الدور يظل ناقصاً ما لم يُرافقه وعي نقدي من قبل المتلقي، وقدرة على التمييز بين الحقيقة والتأطير الإعلامي.
في النهاية، يمكن القول إن المشهد الحقوقي العالمي يعيش حالة من التوتر بين النبل المعلن والمصالح الخفية، بين الدفاع عن الإنسان وتوظيف معاناته. وبين هذين القطبين، يبقى الرهان الحقيقي على بناء وعي نقدي مستقل، لا يكتفي باستهلاك الخطاب الحقوقي، بل يسائل مصادره، ويقارن بين رواياته، ويبحث عن الحقيقة في ما وراء العناوين.
إن العدالة، في زمن المنصات، لم تعد فقط مسألة قانونية، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات، تُخاض بالكلمات والصور والتقارير. ومن يملك القدرة على صياغة هذه السرديات، يملك، إلى حد بعيد، سلطة تشكيل العالم.







0 التعليقات:
إرسال تعليق