الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 31، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في الآداب العالمي (ذهب مع الريح) إعداد عبده حقي


وُلِدَتِ الرِّوَائِيَّةُ الأَمْرِيكِيَّةُ مارغريت ميتشل (Margaret Mitchell) فِي الثَّامِنِ مِنْ نُوفَمْبَرَ سَنَةَ 1900 بِمَدِينَةِ أَتْلَانْتَا بِوِلَايَةِ جُورْجِيَا، وَتُوُفِّيَتْ فِيهَا يَوْمَ 16 أُغُسْطُس 1949، وَهِيَ مِنْ أَبْرَزِ كَاتِبَاتِ الأَدَبِ الأَمْرِيكِيِّ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ، حَيْثُ جَمَعَتْ بَيْنَ العَمَلِ الصَّحَفِيِّ وَالإِبْدَاعِ الرِّوَائِيِّ فِي مَسَارٍ أَدَبِيٍّ قَصِيرٍ زَمَنِيًّا وَلَكِنْ عَمِيقِ الأَثَرِ.

نَشَأَتْ مِيتْشِلْ فِي بِيئَةٍ مُثْقَفَةٍ تَشْبَعَتْ بِحِكَايَاتِ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ، إِذْ كَانَ وَالِدُهَا مُؤَرِّخًا وَكَانَتْ وَالِدَتُهَا نَاشِطَةً فِي حُقُوقِ النِّسَاءِ، وَقَدْ أَثَّرَتْ هَذِهِ الخِلْفِيَّةُ الثَّقَافِيَّةُ فِي تَشَكُّلِ خَيَالِهَا الرِّوَائِيِّ وَاهْتِمَامِهَا بِالتَّارِيخِ وَالمُجْتَمَعِ.

اِشْتَغَلَتْ فِي شَبَابِهَا صَحَفِيَّةً بِجَرِيدَةِ The Atlanta Journal، وَكَتَبَتْ مَقَالَاتٍ وَتَحْقِيقَاتٍ صُحُفِيَّةً، قَبْلَ أَنْ تُجْبَرَهَا إِصَابَةٌ جَسَدِيَّةٌ عَلَى التَّوَقُّفِ عَنِ العَمَلِ، فَتَفَرَّغَتْ لِلكِتَابَةِ، وَمِنْ هُنَا وُلِدَتْ فِكْرَةُ أَشْهَرِ أَعْمَالِهَا.

تُعَدُّ رِوَايَتُهَا الخَالِدَةُ ذهب مع الريح (1936) العَمَلَ الوَحِيدَ الَّذِي نُشِرَ لَهَا فِي حَيَاتِهَا، وَقَدْ حَقَّقَ نَجَاحًا مُنْقَطِعَ النَّظِيرِ، حَيْثُ فَازَتْ بِجَائِزَةِ جائزة بوليتزر سَنَةَ 1937، وَتُرْجِمَتِ الرِّوَايَةُ إِلَى عَدِيدٍ مِنَ اللُّغَاتِ، وَبِيعَتْ مِنْهَا مِلَايِينُ النُّسَخِ عَبْرَ العَالَمِ، كَمَا تَحَوَّلَتْ إِلَى فِيلْمٍ سِينِمَائِيٍّ شَهِيرٍ سَنَةَ 1939.

تَتَمَحْوَرُ أَعْمَالُ مِيتْشِلْ حَوْلَ قِضَايَا الحُبِّ وَالبَقَاءِ وَالصِّرَاعِ الإِنْسَانِيِّ فِي سِيَاقِ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ، وَقَدْ اسْتَمَدَّتْ مَادَّتَهَا السَّرْدِيَّةَ مِنْ ذَاكِرَةٍ جَمَاعِيَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ وَحِكَايَاتٍ عَائِلِيَّةٍ سَمِعَتْهَا فِي طُفُولَتِهَا، مِمَّا أَضْفَى عَلَى نَصِّهَا بُعْدًا تَارِيخِيًّا وَوُجُودِيًّا مُتَدَاخِلًا.

وَرَغْمَ النَّجَاحِ الهَائِلِ، لَمْ تُنْتِجْ مِيتْشِلْ أَعْمَالًا أُخْرَى كُبْرَى، وَبَقِيَ اسْمُهَا مُرْتَبِطًا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الوَاحِدَةِ الَّتِي ضَمِنَتْ لَهَا خُلُودًا أَدَبِيًّا نَادِرًا، إِذْ يُعَدُّ نَجَاحُهَا مِثَالًا فَرِيدًا لِكَاتِبٍ بَلَغَ القِمَّةَ العَالَمِيَّةَ بِعَمَلٍ وَاحِدٍ.

تَأْتِي رِوَايَةُ «ذَهَبَ مَعَ الرِّيحِ» لِلرِّوَائِيَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ Margaret Mitchell كَوَاحِدَةٍ مِنْ أَكْثَرِ النُّصُوصِ السَّرْدِيَّةِ إِثَارَةً لِلجَدَلِ فِي الأَدَبِ العَالَمِيِّ، لَا لِغِنَاهَا السَّرْدِيِّ فَقَطْ، بَلْ لِتَعَارُضَاتِهَا الدَّاخِلِيَّةِ بَيْنَ التَّمْجِيدِ وَالنَّقْدِ، وَبَيْنَ الحِنِينِ وَالتَّفَكُّكِ. صَدَرَتِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1936، وَسُرْعَانَ مَا تَحَوَّلَتْ إِلَى ظَاهِرَةٍ أَدَبِيَّةٍ، حَاصِلَةً عَلَى Pulitzer Prize for Fiction سَنَةَ 1937، وَمُحَقِّقَةً انْتِشَارًا عَالَمِيًّا وَاسِعًا .

تَنْبَسِطُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ فِي فَضَاءِ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ وَفَتْرَةِ إِعَادَةِ الإِعْمَارِ، مُتَتَبِّعَةً مَصِيرَ الشَّخْصِيَّةِ المُرَكَّبَةِ «سْكَارْلِتْ أُوهَارَا»، الَّتِي تَجِدُ نَفْسَهَا مُجْبَرَةً عَلَى مُوَاجَهَةِ الانْهِيَارِ الاِقْتِصَادِيِّ وَالاِجْتِمَاعِيِّ، فِي سَعْيٍ مُضْنٍ لِلاِسْتِمْرَارِ وَالبَقَاءِ .

تُعَدُّ ثِيمَةُ «البَقَاءِ» المِحْوَرَ الأَسَاسِيَّ فِي الرِّوَايَةِ، إِذْ تُقَدِّمُ مِيتْشِلْ عَالَمًا يَنْهَارُ، وَإِنْسَانًا يُعِيدُ بِنَاءَ ذَاتِهِ مِنْ رُكَامِ الهَزِيمَةِ. فَالسُّؤَالُ الجَوْهَرِيُّ الَّذِي تُثِيرُهُ الرِّوَايَةُ هُوَ: مَا الَّذِي يَجْعَلُ بَعْضَ النَّاسِ يَنْجُونَ مِنَ الكَوَارِثِ فِي حِينِ يَنْهَارُ آخَرُونَ؟

وَمِنْ هَذَا المَنْظُورِ، تَغْدُو «سْكَارْلِتْ» شَخْصِيَّةً إِشْكَالِيَّةً؛ لَيْسَتْ بَطَلَةً أَخْلَاقِيَّةً، بَلْ كَائِنٌ بَرَاغْمَاتِيٌّ، تَسْتَعْمِلُ كُلَّ وَسِيلَةٍ لِضَمَانِ البَقَاءِ، وَهُوَ مَا يُضْفِي عَلَى النَّصِّ بُعْدًا وُجُودِيًّا يَتَجَاوَزُ الإِطَارَ التَّارِيخِيَّ.

لَا تَقِفُ الرِّوَايَةُ عِنْدَ حُدُودِ السَّرْدِ التَّارِيخِيِّ، بَلْ تَغُوصُ فِي تَعْقِيدَاتِ العَاطِفَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الحُبُّ إِلَى مِرْآةٍ لِلخِدَاعِ الذَّاتِيِّ. فَعَلَاقَةُ «سْكَارْلِتْ» بِـ«أَشْلِي» لَيْسَتْ إِلَّا وَهْمًا رُومَانْسِيًّا، فِي حِينِ يَتَجَلَّى الحُبُّ الحَقِيقِيُّ فِي عَلاَقَتِهَا بِـ«رِيت بَاتْلَر»، وَلَكِنْ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ.

هَذَا التَّشَظِّي العَاطِفِيُّ يَكْشِفُ عَنْ مَأْزِقِ الإِنْسَانِ الَّذِي يُدْرِكُ الحَقِيقَةَ مُتَأَخِّرًا، وَهُوَ مَا يُضْفِي عَلَى الرِّوَايَةِ طَابِعًا تَرَاجِيدِيًّا عَمِيقًا .

تُقَدِّمُ الرِّوَايَةُ صُورَةً مُرَكَّبَةً لِلجَنُوبِ الأَمْرِيكِيِّ، حَيْثُ تَتَقَاطَعُ نَزْعَتَانِ:

نَزْعَةُ التَّمْجِيدِ الرُّومَانْسِيِّ لِلمَاضِي، وَنَزْعَةُ التَّفْكِيكِ الَّتِي تَكْشِفُ عَنْ هَشَاشَةِ ذَلِكَ المَاضِي.

فَالرِّوَايَةُ، وَإِنْ كَانَتْ تَسْتَحْضِرُ الجَنُوبَ كَفِضَاءٍ نَبِيلٍ، فَإِنَّهَا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تُبْرِزُ اِنْهِيَارَهُ أَمَامَ تَحَوُّلَاتِ التَّارِيخِ، مِمَّا يَجْعَلُهَا نَصًّا يُجَسِّدُ «تَحَطُّمَ الوَهْمِ» أَكْثَرَ مِمَّا يُمَجِّدُهُ .

لَا يُمْكِنُ قِرَاءَةُ «ذَهَبَ مَعَ الرِّيحِ» دُونَ التَّوَقُّفِ عِنْدَ جَدَلِهَا الأَخْلَاقِيِّ، خَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَصْوِيرِهَا لِلأَفْرِيقِيِّينَ الأَمْرِيكِيِّينَ وَتَرْسِيخِهَا لِبَعْضِ الصُّوَرِ النَّمَطِيَّةِ.

فَقَدْ وُجِّهَتْ لَهَا اِنْتِقَادَاتٌ حَادَّةٌ بِسَبَبِ مَيْلِهَا إِلَى «رَوْمَنْسَةِ» نِظَامِ المَزَارِعِ وَتَصْوِيرِهَا لِلعَلاقَاتِ العِرْقِيَّةِ بِشَكْلٍ مُخْتَلٍّ ، وَهُوَ مَا يَجْعَلُهَا نَصًّا مُلْتَبِسًا يَجْمَعُ بَيْنَ القِيمَةِ الأَدَبِيَّةِ وَالإِشْكَالِ الأَخْلَاقِيِّ.

تَنْتَمِي الرِّوَايَةُ إِلَى تَقْلِيدِ «الرِّوَايَةِ المَلْحَمِيَّةِ» الَّتِي تَمْتَدُّ عَلَى مِئَاتِ الصَّفَحَاتِ، مُقَدِّمَةً شَبَكَةً مُعَقَّدَةً مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ وَالأَحْدَاثِ. وَقَدْ وَفَّقَتْ مِيتْشِلْ فِي خَلْقِ عَالَمٍ سَرْدِيٍّ يَشُدُّ القَارِئَ وَيَجْعَلُهُ مُنْخَرِطًا عَاطِفِيًّا، وَهُوَ مَا يُفَسِّرُ اسْتِمْرَارَ شُهْرَةِ الرِّوَايَةِ وَانْتِشَارِهَا الوَاسِعِ .

إِنَّ «ذَهَبَ مَعَ الرِّيحِ» لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، بَلْ نَصٌّ يَتَحَرَّكُ عَلَى حَافَّةِ التَّنَاقُضِ:

تَحْكِي عَنْ البَقَاءِ وَهِيَ تُخْفِي جُرُوحَ التَّارِيخِ، وَتُمَجِّدُ الحُبَّ وَهِيَ تَفْضَحُ وَهْمَهُ، وَتُحَاوِلُ اِسْتِعَادَةَ المَاضِي وَهِيَ تُعْلِنُ زَوَالَهُ.

وَلَعَلَّ سِرَّ خُلُودِهَا يَكْمُنُ فِي هَذَا التَّوَتُّرِ الدَّائِمِ بَيْنَ الجَمَالِ وَالإِشْكَالِ، بَيْنَ السَّرْدِ وَالتَّارِيخِ، حَيْثُ يَبْقَى القَارِئُ مُعَلَّقًا بَيْنَ الإِعْجَابِ وَالتَّسَاؤُلِ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ نَفْسَهَا—مِثْلَ عَالَمِهَا—قَدْ ذَهَبَتْ مَعَ الرِّيحِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَخْتَفِ.



0 التعليقات: