الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 01، 2026

أجسادٌ تحتَ مطرقةِ الصمتِ وساحاتٌ تزدادُ ضيقاً: إعداد عبده حقي

 


في حصيلة الأسبوع الماضي، بدا ملف حقوق الإنسان في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وكأنه يتحرك على إيقاع واحد، مهما اختلفت الأنظمة والسياقات: تضييق على الفضاء المدني، توسيع لاستخدام القضاء في مواجهة المعارضين، وتنامي كلفة التعبير الحر على الصحافيين والمدافعين عن الحقوق والمواطنين العاديين. ولم تعد الانتهاكات تُقرأ فقط من خلال التقارير السنوية الثقيلة، بل من خلال الوقائع اليومية الحية: محاكمة، حكم بالسجن، إغلاق جمعية، تأجيل زيارة أممية، أو غارة تصيب مدنيين في منطقة نزاع. هذا ما يجعل الأسبوع المنصرم كاشفاً، لا لأنه استثنائي، بل لأنه يلخّص اتجاهاً إقليمياً يتكرّس بوضوح.

في المغرب، لم يحمل الأسبوع الماضي انفراجاً حقوقياً واضحاً، بل أظهر استمرار التوتر بين خطاب الانفتاح وممارسات التضييق. فقد أشارت الأمم المتحدة إلى أن الزيارة الرسمية للمقررة الخاصة المعنية بالتعذيب إلى المغرب، التي كانت مقررة من 23 مارس إلى 2 أبريل 2026، أُرجئت بطلب من الحكومة، وهو تطور يثير أسئلة سياسية وحقوقية حول توقيت التأجيل ودلالته، خاصة في ملف حساس يتصل بالمعاملة القاسية والرقابة المستقلة. وفي السياق نفسه، واصلت المنظمات الدولية التذكير بأن مناخ التعبير في المغرب والصحراء الغربية ما زال مشدوداً، مع استمرار ملاحقة منتقدين وصحافيين ونشطاء. وزادت وكالة أسوشييتد برس هذا الأسبوع مثالاً حياً على ذلك، عندما نقلت الحكم على مغني الراب المغربي “لحسّال” بثمانية أشهر حبساً بعد اتهامه بإهانة هيئة دستورية، في قضية رآها أنصاره امتداداً لتقييد التعبير السياسي والفني.

أما في الجزائر، فالصورة الحقوقية خلال الأيام القريبة الماضية اتخذت شكل استهداف مباشر للذاكرة المدنية ذاتها. فقد دعت منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية إلى التراجع فوراً عن قرار إغلاق جمعية “SOS Disparus” التي تُعد من أبرز الأصوات المطالبة بالحقيقة والعدالة لضحايا الاختفاء القسري خلال سنوات العنف الداخلي. القرار صدر في 12 مارس، لكن صداه ظل حاضراً بقوة في النصف الثاني من الشهر، لأنه يمس جوهر الحق في التنظيم والحق في الذاكرة والحق في مساءلة الدولة عن الماضي. ولا تبدو هذه الخطوة معزولة، إذ تؤكد تقارير العفو أن الجزائر تواصل إغلاق المجال المدني وتستخدم اتهامات فضفاضة، بينها تهم الإرهاب، ضد ناشطين وصحافيين ونقابيين. ويمكن اعتبار حالة جمعية المفقودين مثالاً حياً ومؤلماً: انتهاك لا يطال أفراداً فقط، بل يطال عائلات كاملة ما زالت تبحث عن أثر أبنائها وحقها في معرفة الحقيقة.

في تونس، كان الأسبوع الماضي من أكثر الأسابيع كثافة من حيث الإشارات الحقوقية السلبية. فقد صدرت خلال أيام متقاربة وقائع متعددة تُظهر أن القضاء بات جزءاً أساسياً من معركة السلطة ضد الأصوات المستقلة. منظمة العفو الدولية حذّرت من الحكم على المدافعة عن مناهضة العنصرية سعدية مصباح بثماني سنوات سجناً بعد احتجاز احتياطي مطوّل اعتُبر تعسفياً، كما دعت إلى وقف ملاحقة القاضية أنس الحمادي بسبب دفاعه عن استقلال القضاء، وتابعت أيضاً ملف الناشطة الحقوقية سلوى غريسة التي أُفرج عنها مؤقتاً بعد أكثر من خمسة عشر شهراً من الاحتجاز التعسفي، بينما تستمر محاكمتها مع آخرين على خلفية عملهم الحقوقي. وفي موازاة ذلك، نقلت رويترز صدور حكم بسنتين سجناً في حق صحافي تونسي، مع تنديد نقابة الصحافيين بما وصفته هجوماً ممنهجاً على الإعلام. كل ذلك يجعل تونس، التي كانت يوماً تُقدَّم بوصفها مختبر الانتقال الديمقراطي العربي، تبدو اليوم مثالاً حياً على انكماش الحريات واستعمال المؤسسات الرسمية لإعادة هندسة المجال العام على مقاس السلطة.

وفي مصر، لا يبدو المشهد أقل قتامة. صحيح أن الأسبوع الماضي لم يشهد حدثاً واحداً صاخباً بحجم القضايا الجماعية السابقة، لكنه حمل تذكيراً إنسانياً مؤثراً بكلفة الاعتقال السياسي الممتد. فقد نشرت هيومن رايتس ووتش في 24 مارس شهادة عن المحامية والمدافعة الحقوقية هدى عبد المنعم، بما يكشف الوجه الإنساني للاحتجاز المطوّل: أمٌّ في السجن، وابنة في المنفى، وعائلة ممزقة بين الحدود والجدران. كما واصلت المنظمات الحقوقية الإشارة إلى قضايا احتجاز تعسفي أخرى، من بينها توقيف حسن السيد بعد عودته إلى القاهرة وربط ذلك باتهامات إرهابية بسبب صلة هامشية بفيلم سينمائي. أما الإطار الأوسع، فتؤكده تقارير العفو الدولية التي تصف استمرار القمع ضد المنتقدين، والتوسع في الاعتقالات، وخنق المجتمع المدني والاحتجاج السلمي. المثال الحي هنا ليس رقماً مجرداً، بل مصيراً شخصياً متكرراً: محامون، صحافيون، فنانون، وأقاربهم يدفعون ثمن مناخ يعتبر الاختلاف تهديداً أمنياً.

وإذا انتقلنا إلى الشرق الأوسط الأوسع، فإن العنوان الأبرز خلال الأسبوع الماضي كان استمرار الانتهاكات الجسيمة في الأراضي الفلسطينية وسوريا، مع بروز إيران أيضاً في قلب المخاوف الحقوقية. في غزة، نقلت رويترز هذا الأسبوع مقتل مدنيين في غارات إسرائيلية جديدة رغم وقف إطلاق نار هش، كما دعا مفوض الأونروا إلى تحقيق أممي في مقتل أكثر من 390 من موظفي الوكالة خلال الحرب، في مؤشر صادم إلى كلفة النزاع على المدنيين والعاملين الإنسانيين. وفي موازاة ذلك، حذرت هيومن رايتس ووتش من مشروع قانون إسرائيلي يجعل عقوبة الإعدام المسار الافتراضي للفلسطينيين المدانين في هجمات قاتلة، وهو ما يثير مخاوف كبيرة بشأن التمييز وغياب ضمانات المحاكمة العادلة. كما نبّه خبراء أمميون إلى أن القيود على المساعدات في غزة والضفة تفاقم الضرر الواقع على النساء والفتيات بشكل خاص. هذه ليست عناوين بعيدة، بل أمثلة حية على انتهاك الحق في الحياة والحق في الغذاء والحق في العدالة في آن واحد.

وفي سوريا، أعاد تقرير أممي صدر قبل أيام فتح جرح السويداء، موثقاً مقتل أكثر من 1700 شخص وتهجير نحو 200 ألف، مع الإشارة إلى انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، شملت قتل المدنيين والتعذيب والعنف الجنسي والنهب وتدمير الممتلكات. أما في إيران، فقد نبهت هيومن رايتس ووتش هذا الأسبوع إلى تصاعد تجنيد الأطفال من جانب الحرس الثوري، فيما شدد خبراء الأمم المتحدة على ضرورة أن يكون أي حديث عن إنهاء الحرب متمحوراً حول حقوق الإيرانيين أنفسهم، لا حول الحسابات العسكرية فقط. وهكذا يبدو الشرق الأوسط، في لحظته الراهنة، فضاءً تتداخل فيه السلطوية المحلية مع الحروب الإقليمية، فيتحول الإنسان العادي إلى الحلقة الأضعف دائماً.

الخلاصة أن الأسبوع الماضي لم يقدّم مجرد أخبار متفرقة عن حقوق الإنسان في المغرب العربي ومصر والشرق الأوسط، بل كشف خيطاً ناظماً واحداً: السلطة، في صيغها المختلفة، ما زالت تنظر إلى الحق باعتباره امتيازاً قابلاً للسحب، لا أصلاً ثابتاً غير قابل للمساومة. من مغنٍّ يُسجن بسبب كلمات، إلى جمعية تُغلق لأنها تذكّر بالمفقودين، إلى ناشطة مناهضة للعنصرية تُدان، إلى محامية مصرية يتآكل عمرها في السجن، إلى أطفال ونساء ومدنيين يسقطون في غزة والسويداء، تتأكد الحقيقة نفسها: حقوق الإنسان في المنطقة ليست ملفاً قانونياً بارداً، وإنما سيرة يومية للألم والصمود معاً.

 

0 التعليقات: