الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 01، 2026

المغرب ينسجُ إيقاعَ الثقةِ في مفترق التحولات الإقليمية: عبده حقي

 


في قراءة هادئة لما يشهده المغرب من سياسات رشيدة ، يتضح أن البلاد تواصل ترسيخ نموذجها الخاص في التوازن بين الاستقرار السياسي والدينامية الاقتصادية والانشغال الاجتماعي، في سياق إقليمي مضطرب. لم يكن الأمر مجرد تتابع أخبار رسمية، بل سلسلة مؤشرات متقاطعة تعكس مساراً يتعزز تدريجياً، عنوانه الثقة المتنامية في المؤسسات، والانفتاح المدروس على الشركاء الدوليين، والسعي إلى تحسين شروط العيش اليومي للمواطنين.

سياسياً، برزت خلال الأيام الأخيرة إشارات قوية على استمرار المغرب في تثبيت موقعه كفاعل إقليمي موثوق. فقد واصلت الدبلوماسية المغربية بقيادة ناصر بوريطة تحركاتها النشطة على أكثر من واجهة، سواء في أوروبا أو إفريقيا، حيث تم التركيز على تعميق الشراكات الاستراتيجية، خاصة في مجالات الأمن الطاقي والتعاون الاقتصادي. وتأتي هذه الدينامية في سياق تثمين متزايد للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، التي باتت تحظى بدعم متنامٍ من قوى دولية، ما يعزز موقع الرباط في التفاوض ويكرس صورة المغرب كطرف يقدم حلولاً واقعية.

وفي مثال حي يعكس هذا الحضور، شهد الأسبوع الماضي تعزيز التنسيق المغربي الأوروبي في ملفات الهجرة والتنمية المشتركة، حيث أُعلن عن برامج دعم جديدة تستهدف التنمية المحلية في المناطق المصدّرة للهجرة. هذا التوجه لا يعكس فقط مقاربة أمنية، بل رؤية تنموية شاملة تجعل من الإنسان محور السياسات العمومية.

اقتصادياً، حمل الأسبوع الماضي مؤشرات إيجابية تؤكد صمود الاقتصاد المغربي وقدرته على التكيف. فقد أعلنت المندوبية السامية للتخطيط عن تحسن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً في قطاعات الصناعة والخدمات، مع تسجيل انتعاش ملحوظ في الاستثمارات المرتبطة بالطاقات المتجددة. ويأتي هذا في سياق تسارع المشاريع الكبرى التي تعزز موقع المغرب كمنصة صناعية إقليمية.

ومن أبرز الأمثلة الحية، التقدم الذي أحرزته مشاريع الهيدروجين الأخضر في جنوب المملكة، حيث تم الإعلان عن شراكات جديدة مع شركات أوروبية وآسيوية، ما يضع المغرب في قلب التحول العالمي نحو الطاقات النظيفة. كما شهدت مناطق صناعية مثل طنجة والقنيطرة توسعاً في استثمارات صناعة السيارات، مع تعزيز حضور شركات عالمية تسعى إلى الاستفادة من الاستقرار المغربي والبنية التحتية المتطورة.

ولم يقتصر الحراك الاقتصادي على القطاعات الكبرى، بل امتد إلى دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، حيث تم خلال الأسبوع إطلاق برامج تمويل جديدة لفائدة الشباب حاملي المشاريع، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص البطالة وتحفيز روح المبادرة. هذه الخطوات تعكس وعياً متزايداً بأن التنمية الحقيقية تبدأ من القاعدة، لا من القمة فقط.

اجتماعياً، بدا واضحاً أن الحكومة المغربية تواصل العمل على ملفات حساسة تمس الحياة اليومية للمواطنين. فقد شهد الأسبوع الماضي تقدماً في تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يُعد من أكبر الإصلاحات الاجتماعية في تاريخ المغرب. هذا المشروع، الذي أطلقه الملك محمد السادس، يهدف إلى ضمان تغطية صحية شاملة وتعويضات عائلية لفئات واسعة من المجتمع.

وفي مثال ملموس، تم الإعلان عن توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض لتشمل فئات جديدة من المهنيين والعمال غير المهيكلين، ما يشكل خطوة مهمة نحو العدالة الاجتماعية. كما تم تسجيل تحسن في خدمات بعض المستشفيات العمومية، نتيجة استثمارات جديدة في البنية التحتية الصحية وتوفير المعدات الطبية.

وفي مجال التعليم، برزت خلال الأسبوع مبادرات لتعزيز جودة التعليم العمومي، من خلال إطلاق برامج دعم تربوي لفائدة التلاميذ في المناطق القروية، مع التركيز على تقليص الهدر المدرسي. وقد لاقت هذه الخطوات استحساناً نسبياً، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها القطاع.

أما على مستوى المجتمع المدني، فقد شهدت عدة مدن مغربية تنظيم أنشطة ثقافية واجتماعية تعكس حيوية النسيج الجمعوي، من بينها مبادرات تضامنية لدعم الأسر الهشة خلال شهر رمضان، إضافة إلى حملات توعوية في مجالات الصحة والبيئة. هذه الدينامية تؤكد أن المجتمع المغربي لا يكتفي بانتظار السياسات العمومية، بل يساهم في صنع التغيير من الداخل.

ومن زاوية أخرى، برز خلال الأسبوع حضور قوي للشباب المغربي في مجالات الابتكار والتكنولوجيا، حيث شاركت شركات ناشئة مغربية في معارض دولية، وقدمت حلولاً رقمية في مجالات الفلاحة الذكية والتعليم الرقمي. هذا الحضور يعكس تحولاً عميقاً في بنية الاقتصاد المغربي، الذي لم يعد يعتمد فقط على القطاعات التقليدية، بل ينفتح على اقتصاد المعرفة.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه البنية التحتية في دعم هذا المسار. فقد واصلت المملكة تطوير شبكات النقل واللوجستيك، مع تقدم مشاريع الطرق السيارة والموانئ، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، الذي يعزز مكانة المغرب كجسر بين إفريقيا وأوروبا. هذه المشاريع ليست مجرد أوراش تقنية، بل أدوات استراتيجية لإعادة تشكيل موقع المغرب في الاقتصاد العالمي.

في المحصلة، يكشف الأسبوع الماضي عن صورة مركبة لكنها إيجابية في مجملها: دولة تتحرك بثبات في محيط متقلب، اقتصاد يسعى إلى التنويع والانفتاح، ومجتمع يطالب بالإصلاح ويشارك فيه في الآن نفسه. لا يعني ذلك غياب التحديات، فهناك ملفات معقدة ما تزال تنتظر حلولاً أعمق، خاصة في مجالات التشغيل والتعليم والصحة، لكن المؤشرات العامة توحي بأن المغرب يسير في اتجاه ترسيخ نموذج تنموي متوازن.

إن ما يميز التجربة المغربية في هذه اللحظة ليس فقط حجم المشاريع أو عدد الاتفاقيات، بل القدرة على الحفاظ على خيط رفيع بين الاستقرار والانفتاح، بين الإصلاح والحفاظ على التوازنات. وهذا ما يجعل المغرب، في نظر العديد من المراقبين، نموذجاً يستحق المتابعة، ليس لأنه كامل، بل لأنه يتحرك في الاتجاه الصحيح بثبات محسوب.

وإذا كان لكل أسبوع حكايته، فإن حكاية هذا الأسبوع في المغرب يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: الثقة. ثقة في المؤسسات، في الاقتصاد، وفي المستقبل. وهي ثقة لا تُبنى بالخطاب فقط، بل بالأفعال الصغيرة المتراكمة التي تصنع في النهاية صورة بلد يسير نحو الأمام، بخطى قد تبدو بطيئة أحياناً، لكنها ثابتة.


0 التعليقات: