الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 01، 2026

المغرب يُعيدُ تشكيلَ موازينِ الثقةِ بين ضفّاتِ المتوسطِ وعمقِ الأطلسي: عبده حقي

 


يتأكد أن المغرب لم يعد مجرد فاعل إقليمي عادي، بل تحول إلى نقطة ارتكاز في توازنات جيوسياسية واقتصادية تتجاوز حدوده الجغرافية. هذه الدينامية ليست وليدة اللحظة، لكنها في الأيام الأخيرة أخذت شكلاً أكثر وضوحاً، حيث تلاقت الإشارات القادمة من باريس ومدريد وبروكسيل وواشنطن حول فكرة واحدة: المغرب شريك موثوق، وفاعل استراتيجي في زمن التحولات.

أول ما يلفت الانتباه هو التحول المتواصل في المواقف الدولية تجاه قضية الصحراء المغربية، التي تشكل حجر الزاوية في السياسة الخارجية للرباط. فقد أكدت تقارير حديثة أن الاتحاد الأوروبي أعاد التأكيد على أهمية الشراكة مع المغرب، مع الإشارة إلى مركزية مبادرة الحكم الذاتي كأرضية للحل السياسي . وفي السياق نفسه، تواصلت خلال الأسبوع الماضي إشارات الدعم من قوى أوروبية كبرى، حيث جددت فرنسا موقفها الداعم للمقترح المغربي، معتبرة إياه أساساً واقعياً وذا مصداقية لتسوية النزاع .

هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع، إذ تشير معطيات متعددة إلى أن عدداً متزايداً من الدول الأوروبية بات يرى في المقترح المغربي الخيار الأكثر استقراراً في منطقة تعاني من هشاشة سياسية مزمنة . بل إن هذا التوجه أصبح جزءاً من إعادة رسم أولويات الأمن الأوروبي، حيث يُنظر إلى المغرب كشريك في إدارة ملفات الهجرة والطاقة والاستقرار الإقليمي.

وفي العلاقة مع فرنسا، يبدو أن الأسبوع الماضي أكد دخول البلدين مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية. فقد كشفت تقارير إعلامية عن تقدم في الإعداد لمعاهدة صداقة جديدة بين الرباط وباريس، يُنتظر أن تشكل منعطفاً في العلاقات الثنائية . كما ناقش الجانبان ملفات متعددة، من بينها الصحراء والتعاون الإفريقي والاستثمارات، في ما يشبه إعادة هندسة كاملة للعلاقة بين البلدين .

هذه الدينامية السياسية تجد ترجمتها المباشرة في المجال الاقتصادي، حيث يواصل المغرب ترسيخ موقعه كمنصة صناعية وتجارية متقدمة. فحسب المعطيات الاقتصادية، يظل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للمغرب، مع حجم تبادل يفوق 50 مليار يورو سنوياً . وخلال الأسبوع الماضي، أبرزت تقارير أوروبية أن سلاسل الإنتاج بين المغرب وإسبانيا أصبحت أكثر اندماجاً، خاصة في قطاع صناعة السيارات، حيث يتم تصنيع أجزاء في إسبانيا وتجميعها في المغرب قبل إعادة تصديرها إلى الأسواق الأوروبية .

هذا التكامل الصناعي لا يعكس فقط قوة العلاقات الاقتصادية، بل يؤشر على تحول المغرب إلى جزء من المنظومة الإنتاجية الأوروبية، لا مجرد شريك خارجي. وهو ما يمنحه موقعاً تفاوضياً متقدماً، ويجعل اقتصاده أكثر قدرة على الصمود أمام التقلبات العالمية.

وفي العلاقة مع إسبانيا، برز خلال الأسبوع الماضي نموذج للتعاون الأمني الفعال، حيث تمكنت السلطات في البلدين من تفكيك خلية إرهابية مشتركة كانت تخطط لتنفيذ هجمات، في عملية تؤكد عمق التنسيق الاستخباراتي بين الرباط ومدريد . هذا النوع من التعاون يعزز صورة المغرب كشريك أمني موثوق، خاصة في ظل التهديدات العابرة للحدود التي تواجه أوروبا.

أما على مستوى أمريكا الشمالية، فتشير التغطيات الإعلامية إلى استمرار الاهتمام الأمريكي بالدور المغربي في الاستقرار الإقليمي، خاصة في ملف الصحراء. وقد تم خلال الأشهر الأخيرة طرح مبادرات جديدة لتسوية النزاع، تستند إلى توسيع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في إطار مقاربة تحظى بدعم واشنطن وعدد من حلفائها . هذا الدعم يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية المغرب في معادلة الأمن والاستقرار في شمال إفريقيا.

وفي العمق الإفريقي، يواصل المغرب تعزيز حضوره من خلال مبادرات تنموية واستثمارية طموحة. فقد أظهرت تقارير حديثة أن دولاً في الساحل الإفريقي باتت تنظر إلى المغرب كمنفذ استراتيجي نحو التجارة العالمية، من خلال موانئه الأطلسية . هذه المبادرة لا تعزز فقط الروابط الاقتصادية، بل تكرس موقع المغرب كجسر بين إفريقيا وأوروبا.

ومن زاوية الاقتصاد الجديد، يبرز المغرب كلاعب واعد في مجال الطاقات المتجددة، خاصة الهيدروجين الأخضر، حيث تشير الدراسات إلى طموحه لاحتلال موقع متقدم في السوق العالمية بحلول 2030 . هذا التوجه يعكس رؤية استراتيجية تستشرف المستقبل، وتراهن على التحول الطاقي كرافعة للتنمية.

وفي قراءة تحليلية لما تنشره الصحافة الدولية، يتضح أن صورة المغرب لم تعد مرتبطة فقط بقضاياه الداخلية، بل أصبحت جزءاً من نقاش عالمي حول الاستقرار والشراكات الجديدة. فالمغرب، كما تصفه بعض التقارير، لم يعد مجرد بلد في الجنوب، بل فاعل في إعادة تشكيل العلاقة بين الشمال والجنوب، بين أوروبا وإفريقيا، وبين الأطلسي والمتوسط.

هذه المكانة الجديدة لا تعني غياب التحديات، لكنها تعكس قدرة المغرب على إدارة تناقضات محيطه بمرونة سياسية واقتصادية. فهو بلد يوازن بين مصالحه الوطنية والتزاماته الدولية، بين طموحه التنموي ومتطلبات الاستقرار، وبين انفتاحه على العالم وحفاظه على خصوصيته.

إن ما يميز التجربة المغربية في هذه اللحظة هو هذا التراكم الهادئ للإنجازات، الذي لا يعتمد على الشعارات بقدر ما يستند إلى الوقائع. من دعم دولي متزايد في ملف الصحراء، إلى شراكات اقتصادية متقدمة مع أوروبا، إلى حضور متنامٍ في إفريقيا، إلى استثمار في الطاقات المستقبلية، تتشكل صورة بلد يتحرك بثبات نحو ترسيخ موقعه في العالم.

في النهاية، يمكن القول إن الأسبوع الماضي لم يكن مجرد محطة عابرة في مسار المغرب، بل كان لحظة مكثفة عكست ملامح مرحلة جديدة، عنوانها الثقة المتبادلة مع الشركاء الدوليين، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. وفي عالم يبحث عن نقاط ارتكاز، يبدو أن المغرب نجح في أن يكون واحداً منها، ليس بقوة الخطاب، بل بواقعية السياسة وذكاء الاختيار.


0 التعليقات: