تتشكل العلاقات بين الدول ليس على أساس العواطف والوشائج القومية وحدها، بل على توازن دقيق بين المصالح والثقة والاحترام المتبادل. وفي عمق هذا التوازن، تبرز العلاقة بين مصر ودول الخليج كنموذج معقد تحكمت فيه تاريخيا معادلة الدعم مقابل استقرار مصر والتضامن مقابل الدور الإقليمي.
في مرحلة الراحل حسني مبارك السابقة، كان هذا التوازن أكثر انضباطا، حيث بدت العلاقات مؤسسة على قدر من اللباقة السياسية وحفظ ماء الوجه، في سياق يجمع بين الحاجة إلى الدعم والرغبة في الحفاظ على الهيبة السيادية. وقد مثلت تلك المرحلة نموذجا لعلاقة لا تخفي التبادل المصلحي، لكنها تدثره بغلاف من الاحترام والتقدير.
غير أن التحولات التي
عرفتها المنطقة في السنوات الأخيرة بعد انتفاضات الربيع العربي أعادت صياغة هذه العلاقة
بشكل جذري. فالدعم المالي الذي كان يقدم ل "أم الدنيا" بوصفه رافعة للاستقرار،
أصبح محل تساؤل حاد وجاد في نفس الوقت، ليس فقط من حيث حجمه، بل أيضا من حيث مصيره
وآثاره على الواقع المصري الاجتماعي والاقتصادي.
إن أزمة الثقة تبدو
اليوم كأحد أبرز ملامح هذا التحول. فالسؤال الذي يتكرر في الأوساط السياسية والإعلامية
المصرية لا يتعلق فقط بقيمة الدعم، بل بكيفية تدبيره ومدى انعكاسه على حياة المواطنين
"الغلابة." وفي غياب إجابات واضحة، تتسع هوة الشك، وتتغذى سرديات سوء التدبير
وغياب الشفافية.
ولا يمكن في هذا السياق
فصل أزمة الثقة الخارجية عن أزمة الحكم الداخلي. فسياسة الرئيس عبد الفتاح السيسي لم
تنجح في تحويل الدعم الذي تلقته مصر إلى رافعة ونهضة شاملة يلمسها المواطن في معيشه
اليومي، بل بدا أن السلطة انشغلت بتكريس منطق السيطرة وإعادة إنتاج المركزية الحديدية
أكثر من انشغالها بإطلاق دينامية إصلاح حقيقي. وعندما تضعف السياسة في الخلق والتصور،
تلجأ إلى العرض والاستعراض، وعندما تعجز عن الإقناع، تتكئ على الخطاب الأمني والتخويف
والترهيب من القادم البديل.
إن المشكلة في سياسة
عبد الفتاح السيسي ليست فقط في سوء إدارة الأولويات، بل في تصور للدولة يرى في تكميم
الأفواه استقرارا، وفي الانضباط الإجباري نجاحا، وفي القمع وتضييق المجال العام شرطا
أساسيا للبقاء. وهو تصور ضيق النفس، لأن الدول لا تتقوى بإخراس مجتمعاتها، بل بفتح
المسالك أمام العقل والمبادرة والمحاسبة. ومصر "أم الدنيا" التي أنجبت العقل
العربي الحديث لا يليق بها أن التحكم بمنطق العسكرة والأوامر والصورة الجاهزة سلفا.
ثم إن أخطر ما في هذه
السياسة الفاشلة أنها أضعفت مكانة مصر الرمزية قبل أن تضعف توازنها المالي. فالدولة
التي كانت تخاطب العرب من موقع المرجعية والثقل الحضاري، أصبحت تقرأ في كثير من المشاهد
من زاوية الحاجة والفقر المدقع والترقب والارتباك. وهنا تكمن الخسارة الكبرى: ليست
خسارة المال وحده، بل خسارة الهيبة التي لا تشترى، وخسارة الصوت الذي كان يجمع ولا
يستجدي، ويبادر ولا ينتظر.
في المقابل، لم تعد
دول الخليج الشقيقة تنظر إلى الدعم كواجب سياسي أو أخلاقي فحسب، بل أصبحت تربطه بمؤشرات
النجاعة والمردودية الملموسة. إن هذا التحول يعكس نضجا في العقلية الاقتصادية، ولكنه
في الوقت نفسه يدخل العلاقات السياسية في منطق المحاسبة، حيث يصبح الدعم مرتبطا بمواقف
السيسي وقرارات محددة.
وهنا يكمن التحدي الأكبر:
فعندما تتحول السياسة إلى سوق للمبادلات، تتراجع قيم التضامن لصالح حسابات الربح والخسارة.
وعندما يربط اتخاذ المواقف الأخوية بتوفر الدعم، يفقد القرار السياسي جزءا من استقلاليته،
ويصبح أقرب إلى أداة في ميزان القوى المالية.
إن مصر، بتاريخها وثقلها
الإقليمي، تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي وخطير. فإما أن تعيد تأسيس علاقتها مع حلفائها
العرب في شرق المتوسط والمغرب العربي على أساس الشفافية والمساءلة وتحقيق النجاعة الاقتصادية،
وإما أن تظل أسيرة نموذج مرتبك لم يعد قادرا على الصمود في عالم تحكمه الأرقام والمؤشرات
وقد يؤدي بها إلى شوط ثان من الربيع العربي.
في المحصلة، ليست القضية
قضية أموال فقط، بل قضية رؤية وإدارة ومصير. فبين مصر التي تحمل إرثا سياسيا وحضاريا
ثقيلا، وبين شركائها الخليجيين والمغاربة، تتشكل معالم مرحلة جديدة، لا مكان فيها للثقة
العمياء، بل لعلاقات تبنى على الوضوح والمسؤولية وتحميل كل طرف نصيبه من المحاسبة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق