الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مارس 29، 2026

شاشاتٌ تُقَلِّبُ جِغْرافيا الخيال : إعداد عبده حقي

 


في الأُسبوع الماضي، بين السبت 22 مارس/آذار 2026 والسبت 28 مارس/آذار 2026، بدت أخبار السينما في أكثر من فضاء جغرافي وكأنها ترسم خريطة جديدة للفن السابع: المغرب يتحرك مؤسساتيًا نحو رقمنة القطاع، والعالم العربي يتهيأ لمواسم مهرجانية ذات نفس إفريقي وعربي معًا، وإفريقيا تواصل تثبيت سينما محلية صاعدة، فيما يراهن الاتحاد الأوروبي على المهرجانات الكبرى بوصفها معاملَ للعرض والتفكير، وتعيد أمريكا ترتيب علاقتها بصناعة الصورة من خلال الجوائز والأسواق والقمم المهنية.

في هذا المشهد، لا تبدو السينما مجرد أخبار متفرقة، بل سلسلة إشارات إلى أن الصناعة العالمية دخلت فعلًا طورًا جديدًا: طورَ إعادة تعريف المكان، والجمهور، ومنصات العرض، ومعنى المهرجان نفسه. لذلك فإن حصيلة الأسبوع المنصرم لا تُقرأ بوصفها رزنامة أحداث، بل بوصفها نبضًا حيًا لتحولات عميقة تمس الاقتصاد الثقافي والخيال الجماعي في آن واحد.

المغرب: من خبر النشاط إلى خبر البنية

في المغرب، كان الخبر الأبرز خلال الأسبوع هو توقيع اتفاق شراكة وتعاون يوم 26 مارس/آذار 2026 في الرباط بين وكالة التنمية الرقمية والمركز السينمائي المغربي، بهدف تسريع التحول الرقمي لصناعة السينما الوطنية. هذا ليس خبرًا تقنيًا بسيطًا، لأن الرقمنة هنا تعني، في الجوهر، تحديث مسارات التدبير والإنتاج والأرشفة والخدمات المرتبطة بالقطاع، أي نقل السينما المغربية من منطق الإدارة التقليدية إلى منطق البنية الذكية.

وأهمية هذا التطور تكمن في أنه يأتي بعد سنوات صار فيها الحديث عن السينما المغربية مقترنًا غالبًا بالمهرجانات أو بالأفلام الفردية، بينما يلفت هذا الاتفاق الانتباه إلى “ما وراء الشاشة”: إلى المؤسسة، والحوكمة، والبنيات الداعمة. وبعبارة أخرى، فإن المغرب في الأسبوع الماضي لم يصدر فقط خبرًا سينمائيًا، بل أصدر خبرًا عن مستقبل السينما نفسها، أي عن الشروط التي تجعل الفيلم المغربي قادرًا على المنافسة إداريًا وتقنيًا، لا جماليًا فقط.

العالم العربي: المهرجان بوصفه جسرًا للهوية المشتركة

في العالم العربي، برز الاستعداد لانطلاق الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، المقرر تنظيمها من 29 مارس/آذار إلى 4 أبريل/نيسان 2026، وهو خبر تداولته المنصات الثقافية المصرية وظهر أيضًا في الموقع الرسمي للمهرجان. ورغم أن المهرجان يحمل صفة “إفريقية”، فإن انعقاده في مصر، واحتضانه داخل فضاء عربي، يجعله خبرًا عربيًا بامتياز، لأنه يعيد تذكير المنطقة بأن السينما العربية لا تعيش داخل حدود لغوية ضيقة، بل ضمن دوائر انتماء متشابكة: عربية وإفريقية ومتوسطية.

واللافت هنا أن الخبر العربي السينمائي في هذا الأسبوع لم يأتِ من شباك التذاكر وحده، بل من منطق المهرجان بوصفه مؤسسة للربط الثقافي. فمهرجان الأقصر، قبل أن يفتح قاعاته، كان قد أعلن رمزيًا أن السينما العربية ما زالت تبحث عن عمقها في الجنوب، أي في القارة الإفريقية، لا في السوق الاستهلاكية وحدها. وهذا ما يمنح الخبر بعدًا تحليليًا أوسع: السينما العربية اليوم لا تكتفي بإنتاج الأفلام، بل تعيد التفاوض على خرائط انتمائها الثقافي.

إفريقيا: صعود الصناعة المحلية من داخل الجمهور

في إفريقيا جنوب الصحراء، حمل الأسبوع الماضي خبرًا مهمًا من ناميبيا، حيث أعلنت لجنة الفيلم الناميبية نجاح “أسبوع الفيلم المحلي 2026” مع تسجيل حضور جماهيري قوي ومشاركة متزايدة من الفاعلين في القطاع. المعنى الأعمق لهذا الخبر أن السينما الإفريقية لا تنتظر دائمًا اعتراف المهرجانات الغربية كي تثبت وجودها، بل تبني شرعيتها تدريجيًا من خلال جمهورها المحلي ومن خلال فعاليات وطنية صغيرة نسبيًا ولكنها شديدة الدلالة.

ومن نيجيريا أيضًا، برزت خلال الأسبوع نفسه قراءة صحفية تتحدث عن تحسن صناعة السينما في الشمال، مع الإشارة إلى توسع البنية المخصصة للعرض وظهور مهرجانات جديدة في كادونا وكانو وجوس. وإذا كانت نوليوود قد فرضت اسمها منذ زمن، فإن الجديد هنا هو أن المشهد الإفريقي لم يعد محصورًا في مركز واحد، بل صار يتوزع داخليًا، بما يعني نشوء أقطاب سينمائية متعددة داخل البلد الواحد. إنها علامة على نضج الصناعة الإفريقية وانتقالها من الظاهرة إلى النسق.

الاتحاد الأوروبي: المهرجان يعود مختبرًا للفكر لا مجرد منصة للعرض

في الاتحاد الأوروبي، استحوذ خبر إعلان برنامج الدورة السابعة والخمسين من مهرجان Visions du Réel السويسري على قدر كبير من الاهتمام؛ إذ كشف المنظمون هذا الأسبوع عن برنامج يضم 164 فيلمًا من 75 بلدًا، بينها 83 عرضًا عالميًا أول. هذا الرقم لا يدل فقط على كثافة البرمجة، بل على أن أوروبا ما زالت تعتبر المهرجان فضاءً لاختبار السينما الوثائقية والحدودية، أي السينما التي تفكر في العالم بدل أن تكتفي بتسليته.

وفي السياق الأوروبي نفسه، أُعلن يوم 26 مارس/آذار 2026 أن الاستعادية الكبرى لمهرجان لوكارنو المقبل ستركز على “القائمة السوداء” في هوليوود، تحت عنوان يستعيد اليسار الهوليوودي وأثر المكارثية في الفن. وهنا تكمن قيمة الخبر: أوروبا لا تكتفي بعرض الجديد، بل تعود أيضًا إلى ذاكرة السينما لتقرأ ما خفي من علاقتها بالسياسة والقمع والحرية. وهذا يبين أن المهرجان الأوروبي الجاد ما زال يشتغل كمؤسسة نقدية، لا كمنصة بروتوكولية للسجاد الأحمر فقط.

أمريكا: الجوائز والأسواق تعيدان هندسة المشهد

في أمريكا، ظل صدى مهرجان SXSW 2026 حاضرًا خلال الأسبوع الماضي بعد إعلان جوائز الجمهور الخاصة بدورته المنعقدة بين 12 و18 مارس/آذار، وهي جوائز تؤكد مرة أخرى أن أوستن لم تعد مجرد محطة موازية لهوليوود، بل صارت مختبرًا أمريكيًا لقياس المزاج الجديد للجمهور تجاه الأفلام والتجارب السردية. فحين تُعلن الجوائز في SXSW، فإن الصناعة تقرأها عادة بوصفها مؤشرًا على اتجاهات التلقي المقبلة، لا بوصفها احتفالًا عابرًا فقط.

وعلى الصعيد الصناعي، استقطبت قمة AFCI Studio Summit في لوس أنجلوس، بين 23 و26 مارس/آذار 2026، شركات كبرى مثل Netflix وParamount وLionsgate وNBCUniversal، وهو ما يعكس أن الولايات المتحدة ما زالت تعيد ترتيب سلسلة الإنتاج والتصوير والتمويل في مرحلة ما بعد الاضطرابات الكبرى التي عرفها القطاع في السنوات الأخيرة. كما أن خبر انتقال حفل الأوسكار ابتداءً من 2029 من مسرح دولبي في هوليوود إلى Peacock Theater بوسط لوس أنجلوس، والذي أُعلن يوم 26 مارس/آذار، يرمز إلى رغبة أمريكية في إعادة تصميم “مركز” الصناعة ذاته، رمزيًا ولوجستيًا وإعلاميًا.

خلاصة الأسبوع

إذا جمعنا هذه الأخبار معًا، أمكن القول إن الأسبوع الماضي لم يكن أسبوع نجوم فقط، بل أسبوع هياكل واتجاهات. المغرب تحرك في اتجاه تحديث البنية الرقمية، والعالم العربي أعاد وصل السينما بخريطته الإفريقية، وإفريقيا أظهرت أن الصناعة المحلية يمكن أن تنمو من داخل الجمهور الوطني، وأوروبا واصلت الدفاع عن المهرجان باعتباره عقلًا نقديًا، فيما بدت أمريكا منشغلة بإعادة هندسة مواقع النفوذ داخل الصناعة.

والنتيجة أن السينما، في هذا الأسبوع تحديدًا، لم تظهر بوصفها مرآة للعالم فقط، بل بوصفها أيضًا جهازًا يعيد ترتيب العالم: من الرباط إلى الأقصر، ومن ويندهوك إلى نيون السويسرية، ومن لوكارنو إلى لوس أنجلوس. إنها شاشة واحدة، نعم، لكنها موزعة على جغرافيات متعددة، وكل جغرافيا تضيف إلى الفن السابع لهجتها الخاصة في مقاومة النسيان وصناعة المعنى.

 

0 التعليقات: