الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مارس 29، 2026

مِهْرَجانُ الذَّاكِرَةِ وَالأَصْواتِ يَكْتُبُ مَلْحَمَةَ الثَّقافَةِ العَرَبِيَّةِ فِي بَارِيس: إعداد عبده حقي

 


في قلب البرنامج الثقافي الغني الذي يقدمه Institut du Monde Arabe، كشف الأسبوع الماضي (27–29 مارس 2026) عن لحظة استثنائية من التراكم الثقافي، تمثلت أساسًا في تظاهرة كبرى أعادت ترتيب العلاقة بين التاريخ والفن والذاكرة الجماعية. لم يكن الأمر مجرد سلسلة أنشطة، بل بدا وكأنه مشهد ثقافي متكامل تتداخل فيه الندوة مع العرض، والفكر مع الحس الجمالي، والذاكرة مع الراهن.

لقد تحولت أجندة هذا الأسبوع إلى ما يشبه مختبرًا حيًا لفهم العالم العربي، لا من خلال الأخبار السياسية، بل عبر تفاصيله الثقافية الدقيقة: الاحتفال، الموسيقى، الطقوس، والذاكرة الشعبية.

"أيام التاريخ: الاحتفالات والمشاعر الشعبية في العالم العربي"

الحدث المركزي كان: "Journées de l’Histoire de l’IMA – Fêtes et émotions populaires dans le monde arabe"
وقد امتد من 27 إلى 29 مارس، مقدّمًا عشرات اللقاءات والندوات والعروض التي تمحورت حول فكرة واحدة: كيف تُعبّر الشعوب العربية عن نفسها من خلال الفرح، والطقوس، والذاكرة الجماعية؟

هذا الحدث لم يكن تأريخًا جامدًا، بل قراءة ديناميكية للتاريخ بوصفه مادة حيّة. فالاحتفالات، كما أبرزت النقاشات، ليست مجرد طقوس فولكلورية، بل فضاءات تتقاطع فيها السياسة بالدين، والهوية بالسلطة، والذاكرة بالصراع.

"Les printemps arabes, souvenirs de colère et d’espoir"

من أبرز العناوين التي أثارت النقاش: "الربيع العربي: ذكريات الغضب والأمل".
هذا اللقاء أعاد فتح جرح حديث في الذاكرة العربية، لكن من زاوية ثقافية لا سياسية مباشرة.

النقاش هنا لم يكن عن الوقائع، بل عن "أثرها الشعوري": كيف تحوّلت لحظة الاحتجاج إلى ذاكرة جماعية، وكيف صار الغضب نفسه مادة ثقافية قابلة للتحليل. لقد بدا أن السينما، الأدب، وحتى الأغنية، كلها تحولت إلى أرشيف غير رسمي لهذا الحدث الكبير.

"Tarab et émotions musicales dans la Bagdad abbasside"

عنوان آخر لافت: "الطرب والمشاعر الموسيقية في بغداد العباسية".
هذا اللقاء أعاد الاعتبار للموسيقى بوصفها لغة تاريخية عميقة، لا مجرد ترف فني.

التحليل هنا كشف أن الطرب لم يكن فقط وسيلة للمتعة، بل نظامًا ثقافيًا متكاملًا، ينظم العلاقة بين الجسد والصوت، بين السلطة والفن، وبين الجماعة والوجدان. وكأن الماضي الموسيقي يعود ليطرح أسئلة الحاضر حول معنى الإحساس المشترك.

"Jeux et enjeux panarabes : (ré)unir, célébrer et vivre le sport"

من بين العناوين التي وسّعت أفق النقاش: "الألعاب والرهانات البان-عربية".
الرياضة هنا لم تُطرح كمجال تنافسي فقط، بل كطقس جماعي حديث يعيد إنتاج فكرة الانتماء العربي.

هذا التحليل يفتح زاوية جديدة: هل يمكن للرياضة أن تعوض غياب المشاريع السياسية الجامعة؟ وهل تتحول الملاعب إلى فضاءات رمزية لتجديد الهوية الجماعية؟

"Projection : L’anniversaire de Leïla"

في الجانب السينمائي، تم عرض فيلم "عيد ميلاد ليلى" للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، مرفوقًا بنقاش.

هذا العرض لم يكن مجرد مشاهدة، بل فعل قراءة سينمائية للواقع الفلسطيني من خلال الحياة اليومية. الفيلم، في سياقه داخل التظاهرة، بدا كأنه يربط بين الخاص والعام، بين الحكاية الفردية والذاكرة الجماعية، مؤكّدًا أن السينما العربية ما تزال قادرة على إنتاج خطاب إنساني عميق رغم كل الإكراهات.

"Célébrer les indépendances maghrébines"

عنوان آخر شديد الدلالة: "الاحتفال باستقلالات المغرب العربي".
هذا اللقاء أعاد قراءة لحظات الفرح الوطني بوصفها أيضًا أدوات لبناء الشرعية السياسية.

التحليل هنا كشف أن الاحتفال ليس بريئًا دائمًا، بل هو أيضًا خطاب سياسي يُعاد إنتاجه عبر الزمن. وهو ما يجعل من الذاكرة الاحتفالية مجالًا للصراع الرمزي، لا مجرد استعادة للماضي.

"De l’archive à la création contemporaine"

في ختام التظاهرة، جاء لقاء موسيقي بعنوان: "من الأرشيف إلى الإبداع المعاصر"، جمع بين الموسيقى الإلكترونية والتراث العربي.

هذا الحدث جسّد بوضوح روح الأسبوع كله: الانتقال من الماضي إلى الحاضر، ومن الأرشيف إلى الابتكار. إنه إعلان صريح أن الثقافة العربية لا تعيش في المتحف، بل تتحرك داخل الزمن، تعيد تشكيل نفسها باستمرار.

خلاصة: الثقافة كذاكرة تتحول إلى مستقبل

تكشف حصيلة هذا الأسبوع من أجندة Institut du Monde Arabe أن الثقافة العربية، كما تُعرض في باريس، لم تعد مجرد موضوع عرض، بل أصبحت موضوع تفكير عميق.

من الربيع العربي إلى الطرب العباسي، ومن السينما الفلسطينية إلى الاحتفالات المغاربية، تتشكل صورة مركبة: ثقافة لا تُختزل في الماضي، ولا تنفصل عن الحاضر، بل تعيش في توتر دائم بين الاثنين.

إنها ثقافة تعرف أن الاحتفال ليس نهاية الحكاية… بل بدايتها.


0 التعليقات: