الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مارس 29، 2026

مَغْرِبُ الثَّقافَةِ يَنْسُجُ أُفُقَهُ بِأَصْواتٍ مُتَقاطِعَةٍ:إعداد عبده حقي

 


في زَخَمِ الأُسْبوعِ الثَّقافيِّ الأَخِيرِ، بَرَزَتْ خَارِطَةٌ مُتَعَدِّدَةُ الأَلْوانِ لِحَراكٍ فَنِّيٍّ وَثَقافِيٍّ يَتَجَدَّدُ بِوَتِيرَةٍ مُتَسارِعَةٍ فِي المَغْرِبِ، حَيْثُ تَتَقَاطَعُ الفُرَصُ وَالتَّحَدِّياتُ، وَيَتَجَاوَرُ الإِبْداعُ مَعَ سُؤالِ المَعْنَى. لَمْ يَعُدِ الفِعْلُ الثَّقافِيُّ مَجَرَّدَ نَشاطٍ مُوَازٍ، بَلْ أَصْبَحَ فَضَاءً لِإِعادَةِ تَشْكِيلِ الهُوِيَّةِ وَمُساءَلَةِ الزَّمَنِ الرَّاهِنِ.

مِهْرَجانُ الرَّبَاطِ لِلسِّينِما المُسْتَقِلَّةِ يَفْتَحُ نِقاشَ الهُوِيَّةِ البَصَرِيَّةِ

مِنْ بَيْنِ أَبْرَزِ العَناوِينِ الَّتِي تَداوَلَتْها الصُّحُفُ: "انطلاق مهرجان الرباط للسينما المستقلة بمشاركة دولية واسعة".
هٰذا الحَدَثُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَظاهُرٍ فَنِّيٍّ، بَلْ مِخْبَرًا حَيًّا لِتَجْرِيبِ لُغاتٍ سِينِمائِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، خَاصَّةً مَعَ حُضُورِ مَخْرِجِينَ شَبَابٍ يَسْتَثْمِرُونَ فِي سِينِما الهَامِشِ وَالتَّفاصِيلِ الصَّغِيرَةِ.

يَكْشِفُ هٰذا المِهْرَجانُ عَنْ تَحَوُّلٍ نَوْعِيٍّ فِي الذَّائِقَةِ البَصَرِيَّةِ المَغْرِبِيَّةِ، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ الصُّورَةُ مُقَيَّدَةً بِالسَّرْدِ الكْلاسِيكِيِّ، بَلْ أَصْبَحَتْ أَدَاةً لِتَفْكِيكِ الوَاقِعِ وَإِعادَةِ بِنائِهِ. إِنَّهُ انْتِقالٌ مِنْ سِينِما الحِكايَةِ إِلى سِينِما السُّؤالِ.

الدَّارُ البَيْضاءُ تَحْتَفِي بِالمَسْرَحِ الجَامِعِيِّ وَتُعِيدُ الاِعْتِبارَ لِلخَشَبَةِ

مِنَ العَناوِينِ اللاَّفِتَةِ أَيْضًا: "افتتاح المهرجان الوطني للمسرح الجامعي بالدار البيضاء وسط حضور شبابي لافت".
يُؤَكِّدُ هٰذا الحَدَثُ أَنَّ المَسْرَحَ لَمْ يَفْقِدْ سِحْرَهُ، بَلْ يَجِدِّدُ نَفْسَهُ مِنْ خِلالِ الطَّاقَاتِ الشَّابَّةِ الَّتِي تَحْمِلُ هَمَّ التَّعْبِيرِ عَنْ قَضايَا الهُوِيَّةِ وَالحُرِّيَّةِ وَالهِشاشَةِ الاِجْتِماعِيَّةِ.

تُبْرِزُ العُرُوضُ المُقَدَّمَةُ مَيْلًا نَحْوَ التَّجْرِيبِ وَكَسْرِ البِنْيَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ، حَيْثُ تَتَداخَلُ الفُنُونُ (مُوسِيقَى، رَقْص، وَسَائِط رَقْمِيَّة) لِخَلْقِ فَرْجَةٍ جَدِيدَةٍ. وَكَأَنَّ الخَشَبَةَ تَسْتَعِيدُ دَوْرَها كَمَخْتَبَرٍ لِلتَّفْكِيرِ الجَماعِيِّ.

مَعْرِضُ الكِتابِ الجَدِيدِ يُنْعِشُ سُوقَ النَّشْرِ وَيُثيرُ سُؤالَ القِراءَةِ

تَداوَلَتِ المَنابِرُ عُنْوانًا مُهِمًّا: "إصدارات جديدة تغني المشهد الأدبي المغربي في الأسبوع الأخير".
يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِمَوْجَةٍ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي تَتَنوَّعُ بَيْنَ الرِّوايَةِ وَالشِّعْرِ وَالدِّراساتِ النَّقْدِيَّةِ، مِمَّا يَعْكِسُ حَيَوِيَّةَ الحَقْلِ الأَدَبِيِّ.

غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ الحَيَوِيَّةَ تَصْطَدِمُ بِسُؤالٍ مُزْمِنٍ: مَنْ يَقْرَأُ؟ فَبَيْنَ وَفْرَةِ الإِنْتاجِ وَضُعْفِ التَّوْزِيعِ وَتَراجُعِ عاداتِ القِراءَةِ، يَبْقَى الكِتابُ المَغْرِبِيُّ فِي حَاجَةٍ إِلى جُسُورٍ جَدِيدَةٍ لِلْوُصُولِ إِلى القارِئِ.

الفَنُّ التَّشْكِيلِيُّ يَسْتَعِيدُ فَضاءاتِهِ بِمَعَارِضَ جَرِيئَةٍ

مِنَ العَناوِينِ المُتَداوَلَةِ: "فنانون مغاربة يعرضون أعمالاً جديدة تمزج بين التراث والحداثة".
تَكْشِفُ هٰذِهِ المَعارِضُ عَنْ حِوارٍ عَميقٍ بَيْنَ المَاضِي وَالحاضِرِ، حَيْثُ يَسْتَحْضِرُ الفَنَّانُونَ رُموزًا تُراثِيَّةً وَيُعيدُونَ تَفْكِيكَها بِلُغَةٍ بَصَرِيَّةٍ مُعاصِرَةٍ.

إِنَّهُ فَنٌّ لا يَكْتَفِي بِالعَرْضِ، بَلْ يَدْخُلُ فِي نِقاشٍ مَعَ المُتَلَقِّي، يُسائِلُهُ وَيُشْرِكُهُ فِي صِناعَةِ المَعْنَى. وَهُنا تَكْمُنُ قُوَّتُهُ: فِي قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْوِيلِ المُشاهِدِ إِلى شَرِيكٍ فِي التَّأْوِيلِ.

المُوسِيقَى البَدِيلَةُ تُصاعِدُ وَتَفْرِضُ نَفْسَها فِي المَشْهَدِ

عُنْوانٌ آخَرُ حَاضِرٌ: "فرق موسيقية شابة تعيد رسم خريطة الغناء المغربي".
يُلاحَظُ صُعودُ مَوْجَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تَتَحَرَّرُ مِنَ القَوَالِبِ التِّجارِيَّةِ، وَتَمِيلُ إِلى التَّجْرِيبِ وَالتَّهْجِينِ بَيْنَ الأَنْماطِ (الرُّوك، الرَّاب، الجاز، التُّراث).

هٰذِهِ الحَرَكَةُ لا تُغَنِّي فَقَطْ، بَلْ تَكْتُبُ بَيَانًا فَنِّيًّا جَدِيدًا، يُعَبِّرُ عَنْ جِيلٍ يَبْحَثُ عَنْ صَوْتِهِ الخَاصِّ فِي عالَمٍ مُتَسارِعٍ. إِنَّهُ صَوْتُ الاِخْتِلافِ الَّذِي يُحاوِلُ أَنْ يُصْبِحَ قَاعِدَةً.

الثَّقافَةُ الرَّقْمِيَّةُ تُغَيِّرُ قَواعِدَ اللُّعْبَةِ

مِنَ المُسْتَجَدّاتِ اللاَّفِتَةِ: "تنظيم لقاءات حول الأدب الرقمي والتحولات التكنولوجية في الكتابة".
تُشِيرُ هٰذِهِ اللِّقاءاتُ إِلى دُخُولِ المَغْرِبِ مَرْحَلَةً جَدِيدَةً مِنَ التَّفاعُلِ بَيْنَ الأَدَبِ وَالتِّكْنولوجْيا، حَيْثُ لَمْ يَعُدِ النَّصُّ مُغْلَقًا، بَلْ أَصْبَحَ مَفْتُوحًا عَلَى الوَسائِطِ وَالتَّفاعُلِ.

يَفْتَحُ هٰذا التَّحَوُّلُ أُفُقًا جَدِيدًا لِلكِتابَةِ، لٰكِنَّهُ يَطْرَحُ أَيْضًا أَسْئِلَةً عَنْ المِهْنِيَّةِ وَالقِيمَةِ وَحُدودِ الإِبْداعِ فِي عَصْرِ الخَوارِزْمِيَّاتِ.

خاتِمَةٌ: بَيْنَ الحَيَوِيَّةِ وَقَلَقِ المَصِيرِ

تُظْهِرُ حَصِيلَةُ الأُسْبوعِ الثَّقافِيِّ أَنَّ المَغْرِبَ يَعِيشُ حِراكًا غَنِيًّا، تَتَجاوَرُ فِيهِ الأَشْكالُ التَّقْلِيدِيَّةُ مَعَ التَّجَارِبِ الجَدِيدَةِ. لٰكِنَّ هٰذِهِ الحَيَوِيَّةَ لا تُخْفِي قَلَقًا عَمِيقًا يَتَعَلَّقُ بِمُسْتَقْبَلِ القِراءَةِ، وَمَكانَةِ الفَنِّ فِي المُجْتَمَعِ، وَعَلاقَتِهِ بِالسُّوقِ وَالسِّياسَةِ.

إِنَّهُ مَشْهَدٌ يُشْبِهُ مِرْآةً مُتَشَظِّيَةً: كُلُّ قِطْعَةٍ فِيهَا تَعْكِسُ جُزْءًا مِنَ الحَقِيقَةِ، وَلا يَكْتَمِلُ المَعْنَى إِلا بِتَجْمِيعِها. وَرُبَّما فِي هٰذا التَّشَظِّي بِذَاتِهِ تَكْمُنُ قُوَّةُ الثَّقافَةِ المَغْرِبِيَّةِ اليَوْمَ.


0 التعليقات: