الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، مارس 28، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في الآداب العالمي (الجريمة والعقاب ) إعداد عبده حقي


فيودور دوستويفسكي مِن أَعْظَمِ رُوَّادِ الرِّوَايَةِ العَالَمِيَّةِ فِي القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، وَمِن أَبْرَزِ مَنْ غَاصُوا فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ بِحِسٍّ فَلْسَفِيٍّ وَوُجُودِيٍّ عَمِيقٍ.

وُلِدَ فِيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي فِي مَدِينَةِ مُوسْكُو بِـروسيا يَوْمَ 11 نُونَبِر 1821، وَتُوُفِّي فِي سَانْتْ بُطُرْسْبُورْغ يَوْمَ 9 فِبْرَايِر 1881، بَعْدَ حَيَاةٍ مَلِيئَةٍ بِالتَّقَلُّبَاتِ وَالمِحَنِ وَالإِبْدَاعِ . نَشَأَ فِي أُسْرَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ، وَكَانَ وَالِدُهُ طَبِيبًا عَسْكَرِيًّا، فِي حِينِ تَلَقَّى فِي طُفُولَتِهِ تَكْوِينًا مُبَكِّرًا فِي القِرَاءَةِ وَالأَدَبِ .

دَخَلَ مَعْهَدَ الهِنْدَسَةِ العَسْكَرِيَّةِ فِي سَانْتْ بُطُرْسْبُورْغ، غَيْرَ أَنَّهُ سُرْعَانَ مَا تَرَكَ المِهْنَةَ العَسْكَرِيَّةَ لِيَتَفَرَّغَ لِلْكِتَابَةِ، حَيْثُ حَقَّقَ نَجَاحًا مُبَكِّرًا بِرِوَايَتِهِ الأُولَى «الفُقَرَاء» (Poor Folk) سَنَةَ 1846، الَّتِي أَدْخَلَتْهُ دَوَائِرَ الأَدَبِ الرُّوسِيِّ .

غَيْرَ أَنَّ مَسَارَهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا؛ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلاِعْتِقَالِ سَنَةَ 1849 بِسَبَبِ انْتِمَائِهِ إِلَى حَلْقَةٍ فِكْرِيَّةٍ كَانَتْ تَنْتَقِدُ النِّظَامَ القَيْصَرِيَّ، وَصَدَرَ فِي حَقِّهِ حُكْمٌ بِالإِعْدَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَبْدَلَ فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ بِالأَشْغَالِ الشَّاقَّةِ فِي سِيبِيرْيَا، حَيْثُ قَضَى أَرْبَعَ سَنَوَاتٍ قَاسِيَةً طَبَعَتْ كِتَابَاتِهِ بِبُعْدٍ إِنْسَانِيٍّ وَتَجْرِبَةٍ وُجُودِيَّةٍ مُرِيرَةٍ .

بَعْدَ عَوْدَتِهِ، انْخَرَطَ فِي الصَّحَافَةِ وَالكِتَابَةِ، وَنَشَرَ أَعْمَالًا عَدِيدَةً مِنْهَا «الجريمة والعقاب» (Crime and Punishment)، «الأَبْلَه» (The Idiot)، وَ«الإِخْوَة كارامازوف» (The Brothers Karamazov)، وَهِيَ أَعْمَالٌ تُعَدُّ مِنْ رَوَائِعِ الأَدَبِ العَالَمِيِّ، لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ تَحْلِيلٍ نَفْسِيٍّ عَمِيقٍ وَتَأَمُّلٍ فِي مَعْنَى الحُرِّيَّةِ وَالإِيمَانِ وَالأَخْلَاقِ .

اتَّسَمَ أُسْلُوبُهُ بِالغَوْرِ فِي صِرَاعَاتِ الإِنْسَانِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَبِطَرْحِ أَسْئِلَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ كُبْرَى حَوْلَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالإِيمَانِ وَالشَّكِّ، وَقَدْ أَثَّرَ بِشَكْلٍ عَمِيقٍ فِي فُلاسِفَةٍ وَكُتَّابٍ كُثُرٍ، مِثْلَ فريدريك نيتشه وَجان بول سارتر، وَكَانَ لَهُ دَوْرٌ بَارِزٌ فِي تَشَكُّلِ الفِكْرِ الوُجُودِيِّ وَالتَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ الحَدِيثِ .

وَرَغْمَ مَعَانَاتِهِ مِنَ الفَقْرِ وَإِدْمَانِ القِمَارِ وَالأَمْرَاضِ، فَقَدْ تَحَوَّلَ فِي نِهَايَةِ مَطَافِهِ إِلَى أَحَدِ أَكْثَرِ الكُتَّابِ قِرَاءَةً وَتَأْثِيرًا فِي العَالَمِ، حَيْثُ تُرْجِمَتْ أَعْمَالُهُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ 170 لُغَةً، وَظَلَّتْ نُصُوصُهُ مَصْدَرَ إِلْهَامٍ لِلأَدَبِ وَالفَلْسَفَةِ حَتَّى اليَوْمِ .

فِي عَالَمِ الرِّوَايَةِ الكُبْرَى، تَتَحَوَّلُ رِوَايَةُ الجريمة والعقاب لِلرُّوسِيِّ فيودور دوستويفسكي إِلَى مِرْآةٍ مَظْلِمَةٍ تَعْكِسُ أَعْمَاقَ الإِنْسَانِ، لَا وَجْهَهُ الظَّاهِرَ، وَتُحَوِّلُ الفِعْلَ الإِجْرَامِيَّ مِنْ حَادِثَةٍ عَابِرَةٍ إِلَى سُؤَالٍ وُجُودِيٍّ مُفْزِعٍ: مَاذَا يَحْدُثُ لِلرُّوحِ بَعْدَ أَنْ تَخُونَ قَانُونَهَا الدَّاخِلِيَّ؟

صَدَرَتِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1866 فِي سِيَاقٍ تَارِيخِيٍّ مَضْطَرِبٍ عَرَفَتْ فِيهِ سانت بطرسبرغ تَفَاقُمَ الفَقْرِ وَتَصَادُمَ الأَفْكَارِ الثَّوْرِيَّةِ، وَكَانَتْ هِيَ فِي جَوْهَرِهَا مُحَاوَلَةً لِفَهْمِ الإِنْسَانِ وَهُوَ يَنْهَارُ تَحْتَ ثِقْلِ أَفْكَارِهِ. فَالرِّوَايَةُ لَا تَسْرُدُ جَرِيمَةً فَحَسْب، بَلْ تَتَعَقَّبُ ظِلَّهَا وَهُوَ يَتَسَلَّلُ إِلَى النَّفْسِ، وَيَتَحَوَّلُ إِلَى عِقَابٍ صَامِتٍ لَا تُدِيرُهُ المَحَاكِمُ، بَلْ يُدِيرُهُ الضَّمِيرُ.

تَدُورُ أَحْدَاثُهَا حَوْلَ راسكولنيكوف، ذَلِكَ الطَّالِبِ الفَقِيرِ الَّذِي يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ فِكْرَةً خَطِيرَةً: أَنَّ البَعْضَ مِنَ البَشَرِ يَمْلِكُونَ حَقًّا اسْتِثْنَائِيًّا فِي تَجَاوُزِ القَانُونِ، إِذَا كَانَتْ أَفْعَالُهُمْ تَخْدِمُ «غَايَةً عُلْيَا». وَمِنْ هُنَا، يَأْتِي الفِعْلُ الإِجْرَامِيُّ لَيْسَ كَانْدِفَاعٍ أَوْ طَمَعٍ فَقَطْ، بَلْ كَتَجْرِبَةٍ فِكْرِيَّةٍ، كَأَنَّ البَطَلَ يُجَرِّبُ فَرَضِيَّةً عَلَى جَسَدِ الحَيَاةِ.

وَلَكِنَّ دُوسْتويفسكي، بِذَكَائِهِ النَّفْسِيِّ النَّادِرِ، يُسْقِطُ هَذِهِ الفِكْرَةَ مِنْ دَاخِلِهَا. فَمَا إِنْ تُرْتَكَبَ الجَرِيمَةُ، حَتَّى يَبْدَأُ التَّفَكُّكُ الدَّاخِلِيُّ. يَتَحَوَّلُ راسكولنيكوف مِنْ مُنَظِّرٍ مُتَعَالٍ إِلَى كَائِنٍ مُرْتَعِشٍ، يُطَارِدُهُ القَلَقُ وَالهَلُوسَةُ وَتَشْوِيشُ الوَعْيِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى عَبْقَرِيَّةُ الرِّوَايَةِ: العِقَابُ لَا يَنْتَظِرُ الحُكْمَ، بَلْ يَتَكَوَّنُ فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تُخْتَرَقُ فِيهَا القِيَمُ.

إِنَّ الجَرِيمَةَ، فِي هَذَا النَّصِّ، لَيْسَتْ قَطْعًا مَعَ القَانُونِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ قَطْعٌ مَعَ الإِنْسَانِيَّةِ ذَاتِهَا. فَقَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ راسكولنيكوف ضَحِيَّتَهُ، كَانَ قَدْ فَصَلَ نَفْسَهُ عَنِ الآخَرِينَ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ أَسْمَى مِنْهُمْ. وَبَعْدَ الجَرِيمَةِ، يَكْتَشِفُ أَنَّهُ لَمْ يَرْتَفِعْ، بَلْ سَقَطَ فِي عُزْلَةٍ أَعْمَقَ، حَيْثُ لَا شَيْءَ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يُصْبِحَ الإِنْسَانُ غَرِيبًا عَنْ نَفْسِهِ.

وَفِي مَسَارِ الرِّوَايَةِ، يَخُوضُ القَارِئُ تَجْرِبَةً نَفْسِيَّةً مُرْهِقَةً، حَيْثُ يَدْخُلُ إِلَى عَقْلِ البَطَلِ، وَيُشَاهِدُ كَيْفَ يَتَشَكَّلُ الذَّنْبُ كَكَائِنٍ حَيٍّ، يَنْخُرُ الأَعْصَابَ وَيُفَكِّكُ التَّوَازُنَ. إِنَّهُ لَيْسَ ذَنْبًا أَخْلَاقِيًّا فَقَطْ، بَلْ هُوَ أَلَمٌ وُجُودِيٌّ يَجْعَلُ الحَيَاةَ نَفْسَهَا عِبْئًا.

وَتَتَعَمَّقُ الرِّوَايَةُ فِي نَقْدِ الفِكْرِ العَدَمِيِّ وَالنَّفْعِيِّ، الَّذِي يُحَاوِلُ تَبْرِيرَ الجَرِيمَةِ بِاسْمِ «المَنْفَعَةِ». فَفِكْرَةُ «الإِنْسَانِ الفَوْقِيّ» تَنْهَارُ أَمَامَ بَسَاطَةِ الضَّمِيرِ الإِنْسَانِيِّ، الَّذِي لَا يَقْبَلُ أَنْ يُخْتَزَلَ فِي مُعَادَلَةٍ عَقْلِيَّةٍ بَارِدَةٍ. وَكَأَنَّ دوستويفسكي يُحَذِّرُ مِنْ أَخْطَرِ أَوْهَامِ الحَدَاثَةِ: أَنْ يَظُنَّ الإِنْسَانُ أَنَّ العَقْلَ وَحْدَهُ يَكْفِي لِتَبْرِيرِ كُلِّ شَيْءٍ.

وَفِي خِضَمِّ هَذَا الظَّلَامِ، تَظْهَرُ شَخْصِيَّةُ سُونْيَا كَضَوْءٍ خَافِتٍ، لَكِنَّهُ عَمِيقٌ. فَهِيَ لَا تُقَدِّمُ حُلُولًا فَلْسَفِيَّةً، بَلْ تَقْتَرِحُ طَرِيقًا آخَرَ: طَرِيقَ الاِعْتِرَافِ وَالأَلَمِ وَالإِيمَانِ. وَهُنَا، يَتَحَوَّلُ الأَلَمُ مِنْ عِقَابٍ إِلَى إِمْكَانٍ لِلخَلَاصِ، وَمِنْ نِهَايَةٍ إِلَى بَدَايَةٍ.

أَمَّا عَلَى المُسْتَوَى الأُسْلُوبِيِّ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ تَبْنِي عَالَمَهَا عَلَى حِوَارٍ دَاخِلِيٍّ مُتَوَتِّرٍ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الوَعْيُ إِلَى سَاحَةِ صِرَاعٍ بَيْنَ الفِكْرِ وَالضَّمِيرِ. وَقَدْ أَسْهَمَ هَذَا الأُسْلُوبُ فِي تَطْوِيرِ الرِّوَايَةِ الحَدِيثَةِ، وَمَهَّدَ لِمَا سَيُعْرَفُ لَاحِقًا بِتِقْنِيَاتِ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ وَتَيَّارِ الوَعْي.

إِنَّ «الجريمة والعقاب» لَيْسَتْ رِوَايَةً عَنْ قَاتِلٍ، بَلْ هِيَ رِوَايَةٌ عَنْ الإِنْسَانِ وَهُوَ يَتَصَدَّعُ تَحْتَ وَهْمِ التَّفَوُّقِ، وَيَعُودُ مُتَأَخِّرًا إِلَى حَقِيقَتِهِ. إِنَّهَا نَصٌّ يَكْتُبُ ضَمِيرَ العَالَمِ، وَيُذَكِّرُنَا بِأَنَّ أَعْظَمَ جَرِيمَةٍ لَيْسَتْ فِي مَا نَفْعَلُهُ، بَلْ فِي مَا نُقْنِعُ أَنْفُسَنَا بِأَنَّهُ مُبَرَّر.



0 التعليقات: