الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، مارس 28، 2026

تصدّعات السلطة بين ريْع الطاقة وأزمة الحوكمة في الجزائر: عبده حقي


تتكشّف يوما بعد آخر ملامحُ اختلالاتٍ عميقةٍ داخل بنية السلطة في الجزائر، ليس فقط من خلال البيانات الرسمية أو التقارير الدولية، بل أيضًا عبر ما يتسرّب من نقاشاتٍ إعلامية وتحليلاتٍ رقمية تُعيد ترتيب الأسئلة القديمة حول طبيعة الحكم، وآليات التدبير، وحدود الشفافية في بلدٍ يطفو على بحرٍ من النفط والغاز، لكنه يغرق في تناقضات الإدارة والقرار.

أولى هذه الإشارات المقلقة تتجلّى في ما أُثير حول قرار شركة سوناطراك بإلغاء خلية مكافحة الفساد داخلها، وهو خبر، إن صحّت دلالاته، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام الذي يحيط بإدارة الموارد الطاقية في البلاد. فالشركة، التي تُعدّ العمود الفقري للاقتصاد الجزائري، كانت دائمًا في قلب جدلٍ واسعٍ حول الحوكمة والشفافية. وإلغاء مثل هذه الآلية الرقابية يُفهم، في نظر كثيرين، كإشارةٍ إلى تراجع الإرادة السياسية في محاربة الفساد، أو على الأقل، إعادة ترتيب أولويات السلطة بعيدًا عن المساءلة المؤسسية.

إن هذا المعطى لا يقف عند حدود الرمزية، بل يمتدّ إلى عمق العلاقات الاقتصادية الدولية. إذ تشير تقارير متداولة إلى نزاع مالي كبير بين الجزائر وإحدى الشركات العالمية، يتعلّق بمستحقاتٍ غير مدفوعة تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات. مثل هذه القضايا تعكس، في جوهرها، أزمة ثقة بين الدولة الجزائرية وشركائها الدوليين، وتطرح تساؤلاتٍ حقيقية حول مناخ الاستثمار، ومدى احترام الالتزامات التعاقدية في بيئةٍ يُفترض أن تكون جاذبة لرؤوس الأموال، لا طاردة لها.

وفي سياقٍ متصل، يبرز ملف الشراكات الطاقية مع أوروبا، وخاصة مع إيطاليا، كأحد مفاتيح فهم التحولات الجيوسياسية التي تعيشها الجزائر. فبينما تحاول السلطة تقديم نفسها كشريكٍ استراتيجي في تأمين الغاز للقارة الأوروبية، خصوصًا بعد التحولات التي شهدتها الأسواق العالمية، تظهر في المقابل تحدياتٌ داخلية تتعلّق بالبنية التحتية، والقدرة الإنتاجية، واستدامة الموارد. كما أن مشاريع كبرى مثل منجم غار جبيلات تُطرح كرهاناتٍ تنموية، لكنها تظلّ محاطةً بكثيرٍ من الغموض، سواء من حيث الجدوى الاقتصادية أو من حيث آليات التنفيذ والتمويل.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في المقارنة التي يُثيرها بعض المحللين بين فترتي حكم عبد العزيز بوتفليقة وعبد المجيد تبون، خاصة فيما يتعلق بعائدات النفط والغاز. فبالرغم من ارتفاع الأسعار العالمية في بعض الفترات الأخيرة، يرى هؤلاء أن الجزائر لم تحقق نفس مستويات العائدات التي كانت تسجّلها في السابق. هذا التفاوت لا يمكن تفسيره فقط بعوامل السوق، بل يرتبط أيضًا بكفاءة التسيير، وفعالية السياسات الاقتصادية، ومدى قدرة الدولة على تحويل الثروة الطاقية إلى قيمة مضافة حقيقية.

إنّ هذه المؤشرات، مجتمعة، ترسم صورةً لسلطةٍ سياسيةٍ تعاني من اختلالاتٍ بنيوية، تتراوح بين ضعف الشفافية، وتآكل الثقة، وتضارب الأولويات. فالدولة التي تعتمد بشكلٍ شبه كلي على الريع الطاقي، تجد نفسها أمام تحدي إعادة بناء نموذجها الاقتصادي في عالمٍ يتجه تدريجيًا نحو الطاقات المتجددة، وفي ظلّ ضغوطٍ داخلية تتعلق بالتشغيل والتنمية، وأخرى خارجية ترتبط بالمنافسة الجيوسياسية.

وفي العمق، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا من مجرد أرقام أو قرارات إدارية. إنها أزمة نموذج حكم، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، وتُختزل التنمية في معادلةٍ ريعية لا تُنتج سوى مزيدٍ من الهشاشة. فغياب آليات الرقابة الفعالة، وتكرار النزاعات المالية مع الشركاء، والتذبذب في العائدات رغم وفرة الموارد، كلها علاماتٌ على خللٍ في منظومة اتخاذ القرار.

لقد آن الأوان، كما يرى العديد من المتابعين، لإعادة التفكير في أسس الحوكمة في الجزائر، بعيدًا عن منطق السيطرة المركزية، ونحو نموذجٍ أكثر انفتاحًا وشفافيةً، يُعيد الاعتبار للمؤسسات، ويُشرك المجتمع في مراقبة الثروة الوطنية. فالثروات، مهما كانت ضخمة، لا يمكن أن تعوّض غياب الثقة، ولا أن تُخفي تصدّعات السلطة إلى ما لا نهاية.

0 التعليقات: