الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أبريل 02، 2026

مهاجرو الضفتين بين رياح الإدماج وارتدادات التوتر العالمي: إعداد عبده حقي

 


في مشهد دولي تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والسياسية، برزت خلال الأسبوع الماضي جملة من الأخبار التي تعكس أوضاع المهاجرين المغاربة والعرب في ثلاث دوائر جغرافية كبرى: الخليج، الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية. وهي أخبار تكشف، في عمقها، عن مفارقة دائمة يعيشها المهاجر العربي: بين فرص الاندماج من جهة، وضغوط الهوية والهشاشة القانونية من جهة أخرى.

في دول الخليج، وخاصة في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، سُجِّلت خلال الأسبوع الماضي مؤشرات متباينة. فمن جهة، تواصلت سياسات استقطاب الكفاءات العربية، حيث أعلنت عدة مؤسسات إماراتية عن فتح مجالات جديدة للعمالة المؤهلة، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية. وقد استفاد عدد من المهندسين المغاربة من هذه الدينامية، في ظل الطلب المتزايد على الكفاءات متعددة اللغات.

لكن، في المقابل، تداولت وسائل إعلام خليجية تقارير عن تشديد إجراءات الإقامة والعمل، خاصة في السعودية، حيث تم تنفيذ حملات تفتيش موسعة استهدفت العمالة غير النظامية، ما أدى إلى توقيف وترحيل عدد من العمال العرب، بينهم مغاربة. هذا التناقض بين الانفتاح الاقتصادي والانضباط القانوني يعكس طبيعة النموذج الخليجي القائم على الانتقائية الصارمة: ترحيب بالكفاءات، مقابل تضييق على الهشاشة.

أما في أوروبا، فقد كان الأسبوع الماضي حافلاً بالنقاشات الحادة حول الهجرة، خاصة في فرنسا وإسبانيا. ففي فرنسا، أعادت تصريحات بعض المسؤولين السياسيين حول "ضبط تدفقات الهجرة" إشعال الجدل حول وضع الجاليات المغاربية، وسط دعوات لتشديد قوانين اللجوء والإقامة. وتزامن ذلك مع تقارير إعلامية عن ارتفاع حالات التمييز في سوق العمل، حيث يواجه الشباب من أصول مغاربية صعوبات مضاعفة في الولوج إلى فرص الشغل، رغم توفر المؤهلات.

في إسبانيا، التي تُعد بوابة رئيسية للهجرة المغربية، برزت أخبار عن عمليات إنقاذ جديدة لمهاجرين في عرض البحر، في ظل استمرار محاولات العبور غير النظامي نحو جزر الكناري. كما تم تسجيل تحركات منظمات المجتمع المدني للدفاع عن حقوق العمال الزراعيين المغاربة، خاصة النساء العاملات في حقول الفراولة، بعد تقارير عن ظروف عمل صعبة واستغلال موسمي.

وفي الاتحاد الأوروبي ككل، استمر النقاش حول "ميثاق الهجرة الجديد"، الذي يهدف إلى توزيع أعباء استقبال المهاجرين بين الدول الأعضاء، لكنه يواجه انتقادات من منظمات حقوقية ترى فيه توجهاً نحو مزيد من القيود بدل الحلول الإنسانية.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد شهد الأسبوع الماضي تطورات لافتة تتعلق بالجاليات العربية، خصوصاً في سياق السياسات الانتخابية والاقتصادية. فقد أعلنت بعض الولايات عن برامج دعم جديدة للمهاجرين العاملين في القطاعات الحيوية، مثل الصحة والبناء، وهي قطاعات تضم نسبة معتبرة من العمال العرب.

غير أن التوترات السياسية، المرتبطة بملف الهجرة غير النظامية، ألقت بظلالها على الجاليات، حيث تم تسجيل حالات توقيف وترحيل، إضافة إلى تصاعد الخطاب السياسي المتشدد في بعض الدوائر. وفي هذا السياق، برزت مبادرات من جمعيات عربية للدفاع عن حقوق المهاجرين وتقديم الدعم القانوني والاجتماعي.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال الدور المتنامي للمهاجرين المغاربة والعرب في الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث برزت خلال الأسبوع الماضي قصص نجاح لشباب مغاربة في مجالات البرمجة وريادة الأعمال، خاصة في أوروبا وأمريكا، مما يعكس تحوّلاً نوعياً في صورة المهاجر: من عامل تقليدي إلى فاعل رقمي عالمي.

غير أن هذه النجاحات الفردية لا تخفي واقعاً أكثر تعقيداً، يتمثل في هشاشة أوضاع فئات واسعة من المهاجرين، خاصة غير النظاميين، الذين يعيشون على هامش القانون، بين خطر الترحيل وصعوبة الاندماج. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مستقبل سياسات الهجرة في عالم يزداد انغلاقاً رغم حاجته المتزايدة إلى اليد العاملة.

في المحصلة، تكشف أخبار الأسبوع الماضي عن مشهد متداخل: فرص جديدة تفتحها العولمة، مقابل حدود تُعاد رسمها بصرامة؛ اندماج يتحقق بصعوبة، مقابل هويات تُختبر يومياً. وبين هذا وذاك، يظل المهاجر المغربي والعربي حاملاً لتناقضات العصر، يسير على خيط رفيع بين الأمل والقلق، بين الانتماء والاقتلاع.

إنها قصة مستمرة، تُكتب فصولها كل أسبوع، لكنها في جوهرها تعكس سؤالاً أعمق: هل أصبح العالم فعلاً قرية كونية، أم أنه مجرد فضاء تُعاد فيه إنتاج الفوارق بطرق أكثر تعقيداً؟


0 التعليقات: