تبدو رفوفُ المكتبات العربية كأنها تستعيد أنفاسها ببطء وسط ضجيج العالم الرقمي المتسارع. فمن الرباط إلى بيروت، ومن لندن إلى بغداد، ظهرت عناوين جديدة تحمل قلق الإنسان العربي وأسئلته القديمة والجديدة: الهوية، الذاكرة، المنفى، الحرب، المدينة، واللغة. وأنا أتصفح المواقع الثقافية العربية المتخصصة مثل “ضفة ثالثة” و”القدس العربي” و”ميدل إيست أونلاين” وصفحات دور النشر العربية الكبرى، شعرتُ أن الكتاب العربي ما يزال يقاوم عزلة الورق بإصرار شاعري يشبه مقاومة شمعة صغيرة لريح عاتية.
في موقع “ضفة ثالثة” الصادر عن “العربي الجديد”، برز كتاب “بعض تاريخ الصراع الفلسطيني ـ اليهودي” للكاتب المغربي سعيد بوخليط، وهو عمل فكري ضخم يقع في أكثر من خمسمئة صفحة، يحاول إعادة تفكيك تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر الوثيقة والحوار والتحليل الثقافي والسياسي. هذا الكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يطرح سؤال الذاكرة العربية الجريحة التي لم تجد بعدُ لغة نهائية لرواية مأساتها.
مصدر الكتاب:
وفي الموقع نفسه، ظهر كتاب “فصول في عربية المغرب” لعبد العلي الودغيري، وهو إصدار يعيد فتح النقاش حول اللغة العربية في المغرب، وعلاقتها بالتاريخ والهوية واللهجات المحلية. وقد لفت انتباهي أن هذا النوع من الكتب يعكس عودة قوية للأسئلة الثقافية العميقة بعد سنوات طويلة من هيمنة الخطاب السياسي والإعلامي السريع.
كما استوقفني في “ضفة ثالثة” أيضاً صدور كتاب “ليل الأنبياء” للكاتب الأردني عماد مدانات، وهو عمل سردي يزاوج بين التأمل الفلسفي والكتابة الروائية، إضافة إلى كتاب “يوميات أكرم زعيتر: في أتون الدبلوماسية” الذي يعيد القارئ إلى أرشيف سياسي عربي حافل بالتحولات والهزائم والأسئلة المؤجلة.
أما “القدس العربي”، فقد بدا هذا الأسبوع وكأنه يحتفي بالكتب التي تعيد مساءلة الذاكرة العربية من خلال الرواية والنقد معاً. فقد نشرت الصحيفة مادة موسعة حول كتاب “تنصيص الذاكرة: رواية الطوفان الثاني لفاتح عبد السلام نموذجًا” لعبد العزيز سعدي الجبوري، وهو كتاب نقدي يقرأ الرواية العراقية الحديثة بوصفها أرشيفاً للحروب والانكسارات والمنفى.
كما ظهرت عناوين أخرى في “القدس العربي” مثل رواية “فوق رأسي سحابة” لدعاء إبراهيم، وكتاب “فلسفة السينما” لمحمد اشويكة، ورواية “مانيدو” لتيسير خلف، إضافة إلى كتاب “أخي لوركا” للشاعر عماد أبو صالح، وهو عنوان يحمل شحنة شعرية وإنسانية تستعيد ظلال الشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا داخل الوجدان العربي المعاصر.
وفي “ميدل إيست أونلاين” لاحظتُ حضوراً واضحاً للكتب ذات الطابع الثقافي والفني والسياسي. من أبرزها كتاب “جمرات المكان: نصوص في تجليات المدينة” لنصير الشيخ، وهو عمل يقترب من المدينة العربية بوصفها كائناً حياً يحمل ذاكرة البشر وندوبهم. كما تناول الموقع كتاباً جديداً حول سيرة الفنانة وردة الجزائرية، إضافة إلى إصدارات بحثية تتعلق بالإسلام السياسي والتحولات الجيوسياسية الجديدة.
ومن بين دور النشر العربية، بدت “دار الآداب” اللبنانية الأكثر نشاطاً هذا الأسبوع. فقد عرضت الدار مجموعة من الإصدارات الجديدة، من بينها رواية “بائع التذاكر” للأسير الفلسطيني الراحل وليد دقّة، وهو كتاب يختلط فيه السرد بالسيرة والمقاومة والحنين إلى الحرية. كما ظهرت رواية “ليلة اختفاء صاحب المعالي” لعبد الإله بن عرفة، وكتاب “مشقة العادي” لساري موسى، وكتاب “أهل الماء والنار” لطارق العريس، إضافة إلى الترجمة العربية لرواية “الريح تعرف اسمي” للكاتبة العالمية إيزابيل ألليندي.
أما “دار الساقي”، فقد واصلت الترويج لعناوينها الفكرية والأدبية الحديثة، خصوصاً الكتب المرتبطة بتحولات المجتمع العربي وأسئلة الفكر المعاصر. ورغم أن الموقع لم يخصص هذا الأسبوع صفحة مستقلة للإصدارات الجديدة فقط، فإن حضوره ظل لافتاً في المشهد الثقافي العربي.
وبالنسبة إلى “دار توبقال” المغربية و”دار التوحيدي”، فقد ظهرت إشارات متفرقة إلى إصدارات حديثة، لكنها لم تكن مرفقة بتحديث أسبوعي واضح ومؤرخ، وهو ما يعكس مشكلة مزمنة في النشر العربي: ضعف الأرشفة الرقمية المنتظمة مقارنة بما يحدث في دور النشر الأوروبية والأميركية.
ما خرجتُ به من هذه الجولة الثقافية الأسبوعية هو أن الكتاب العربي لم يمت رغم كل شيء. صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي التهمت جزءاً كبيراً من زمن القراءة العميقة، لكن ثمة كتّاباً وناشرين ما يزالون يغامرون بإصدار كتب جديدة في الرواية والفكر والنقد والشعر والتاريخ. والأجمل من ذلك أن كثيراً من هذه الكتب لا تكتفي بالحكي، بل تحاول أن تفهم العالم العربي وهو يعبر واحدة من أكثر مراحله ارتباكاً وغموضاً.
لقد شعرتُ وأنا أتنقل بين هذه العناوين الجديدة أن الثقافة العربية ما تزال تكتب ضد النسيان، وأن الكتاب الورقي لم يتحول بعدُ إلى أثر متحفي كما يتوقع البعض. ففي كل كتاب جديد يولد أمل صغير بأن اللغة العربية ما تزال قادرة على إنتاج المعنى، وعلى مقاومة العتمة الرمزية التي تفرضها السرعة الرقمية والاستهلاك الثقافي العابر.








0 التعليقات:
إرسال تعليق