الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مايو 14، 2026

هل سيبتلعُ الاستعمارُ الخوارزميُّ ما تبقّى من سيادتنا الوطنية !؟ عبده حقي

 


أشعرُ اليومَ بأنَّ العالمَ العربيَّ يدخلُ مرحلةً جديدةً من الهيمنةِ العالميةِ أكثرَ خطورةً وتعقيدًا من كلِّ أشكالِ الاستعمارِ القديمة. لم تعدِ الجيوشُ الأجنبيةُ تحتاجُ إلى البوارجِ والمدافعِ والدباباتِ لكي تُخضعَ الشعوبَ وتعيدَ تشكيلَ وعيِها واقتصادِها وثقافتِها، بل صارَ يكفيها أنْ تمتلكَ الخوارزمياتِ العملاقةَ، ومراكزَ البياناتِ، ومنصاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وأنظمةَ الذكاءِ الاصطناعيِّ القادرةَ على قراءةِ الإنسانِ أكثرَ مما يقرأُ نفسَه بنفسِه. هنا بالتحديد أرى ملامحَ ما أسميه “الاستعمارَ الخوارزميَّ” الجديد؛ ذلك الشكلُ الناعمُ والخفيُّ من السيطرةِ الذي لا يحتلُّ الأرضَ مباشرةً، بل يحتلُّ الوعيَ واللغةَ والذاكرةَ والرغباتِ اليوميةَ للناس.

كلما تأملتُ هذا التحولَ العالميَّ شعرتُ بأنَّ الإنسانَ العربيَّ باتَ يعيشُ داخلَ مستعمرةٍ رقميةٍ غيرِ معلنة. نحنُ نستعملُ تطبيقاتٍ لا نملكُها، وننشرُ أفكارَنا فوقَ منصاتٍ لا نتحكمُ في قوانينِها، ونستهلكُ محتوياتٍ تصنعُها خوارزمياتٌ أجنبيةٌ تعرفُ عنا كلَّ شيءٍ تقريبًا. إنَّها مفارقةٌ قاسيةٌ حقًا: فالعالمُ العربيُّ الذي قاومَ طويلًا الاستعمارَ العسكريَّ والسياسيَّ يجدُ نفسَه اليومَ مندمجًا طوعًا داخلَ منظومةِ تبعيةٍ رقميةٍ أشدَّ تعقيدًا وأقلَّ وضوحًا.

لم يعدِ النفطُ وحدَه مصدرَ القوةِ في القرنِ الحادي والعشرين، بل أصبحتِ البياناتُ هي الثروةَ الجديدة. وأشعرُ أحيانًا بأنَّ المواطنَ العربيَّ يتحولُ يوميًا إلى “منجمِ بياناتٍ” مفتوحٍ أمامَ الشركاتِ التكنولوجيةِ العملاقة. تحركاتُه، وصورُه، وأصدقاؤه، واهتماماتُه، وحتى مخاوفُه الصغيرةُ تُجمعُ وتُحلَّلُ وتُباعُ وتُستثمرُ داخلَ اقتصادٍ رقميٍّ هائلٍ لا يرى الإنسانَ بوصفِه كائنًا ذا كرامةٍ وحقوق، بل بوصفِه مادةً خامًا لإنتاجِ الأرباحِ والنفوذ.

أخافُ كثيرًا من تلك اللحظةِ التي تصبحُ فيها الخوارزميةُ أكثرَ قدرةً على توجيهِ الرأيِ العامِّ من المدرسةِ والجامعةِ والكتابِ والأسرة. ففي الماضي كانتِ الإمبراطورياتُ تستعملُ اللغةَ والدينَ والإدارةَ لفرضِ هيمنتِها، أما اليومَ فإنَّ الخوارزمياتِ تقومُ بالمهمةِ نفسِها بطريقةٍ أكثرَ نعومةً ودهاءً. إنَّها تحددُ ما نقرأُه، وما نراه، وما نغضبُ منه، وما ننساه أيضًا. وهنا أشعرُ بأنَّ أخطرَ ما في الاستعمارِ الخوارزميِّ ليس السيطرةَ على الأرض، بل السيطرةَ على الإدراكِ الإنسانيِّ نفسِه.

لقد أصبحَ الإنسانُ العربيُّ محاصرًا داخلَ “فقاعاتٍ رقميةٍ” تُنتجُها الخوارزمياتُ الذكيةُ باستمرار. كلُّ فردٍ يرى نسخةً مختلفةً من العالمِ بحسبِ ما تقررهُ الآلاتُ عن ميولِه السياسيةِ والدينيةِ والاجتماعية. وهكذا تتفتتُ الحقيقةُ المشتركةُ، ويتحولُ المجتمعُ شيئًا فشيئًا إلى جماعاتٍ معزولةٍ داخلَ متاهةِ الشاشات. وأتساءلُ أحيانًا بقلقٍ عميق: هل ما نعتقدُ أنه اختياراتُنا الحرةُ ليس سوى نتائجَ لحساباتٍ رياضيةٍ صامتةٍ تعملُ في الخفاء؟

الأخطرُ من ذلك كلِّه أنَّ العالمَ العربيَّ لا يشاركُ فعليًا في إنتاجِ هذه التكنولوجيا، بل يستهلكُها غالبًا من موقعِ التبعية. نحنُ لا نملكُ أغلبَ محركاتِ البحثِ الكبرى، ولا منصاتِ التواصلِ العالميةِ، ولا البنى التحتيةَ العملاقةَ للذكاءِ الاصطناعيِّ. ولهذا أشعرُ بأنَّ السيادةَ العربيةَ أصبحتْ مهددةً بشكلٍ غيرِ مسبوق. فالدولُ التي لا تملكُ خوارزمياتِها الخاصةَ ستجدُ نفسَها عاجلًا أو آجلًا خاضعةً لمن يمتلكُ القدرةَ على التحكمِ في تدفقِ المعلوماتِ والمعرفةِ والرأيِ العام.

إنَّ الاستعمارَ الخوارزميَّ الجديدَ لا يكتفي بالهيمنةِ الاقتصاديةِ والسياسية، بل يتسللُ أيضًا إلى الثقافةِ واللغةِ والخيالِ الجماعيِّ. فاللغةُ العربيةُ نفسُها تواجهُ اليومَ تحدياتٍ خطيرةً داخلَ الفضاءِ الرقميِّ العالميِّ الذي تهيمنُ عليه اللغاتُ الكبرى. وأشعرُ أحيانًا بأنَّ الثقافةَ العربيةَ مهددةٌ بأنْ تتحولَ تدريجيًا إلى هامشٍ رقميٍّ صغيرٍ داخلَ عالمٍ تتحكمُ فيه شركاتٌ لا ترى في التنوعِ الثقافيِّ سوى “بياناتٍ قابلةٍ للمعالجة”.

كما أنَّ الذكاءَ الاصطناعيَّ قد يتحولُ في بعضِ الأنظمةِ إلى أداةٍ للمراقبةِ الواسعةِ وانتهاكِ الخصوصيةِ وتقييدِ حريةِ التعبير. وهنا تتضاعفُ خطورةُ الاستعمارِ الخوارزميِّ، لأنَّه قد يلتقي أحيانًا مع نزعاتِ الاستبدادِ المحليةِ، فينشأُ تحالفٌ غيرُ معلنٍ بينَ السلطةِ السياسيةِ والسلطةِ الرقمية. عندها يصبحُ المواطنُ مراقَبًا من الخارجِ والداخلِ في آنٍ واحد، وتتحولُ التكنولوجيا من أداةِ تحريرٍ إلى أداةِ إخضاعٍ صامتة.

ومع ذلك لا أؤمنُ بأنَّ مصيرَ العالمِ العربيِّ محكومٌ بالهزيمةِ الرقميةِ. فما يزالُ بإمكانِنا بناءُ وعيٍ عربيٍّ جديدٍ يُدركُ خطورةَ المرحلةِ، ويطالبُ بسيادةٍ رقميةٍ حقيقية، واستثماراتٍ جادةٍ في البحثِ العلميِّ، وتعليمٍ تكنولوجيٍّ نقدي، وتشريعاتٍ تحمي حقوقَ الإنسانِ داخلَ الفضاءِ الرقميِّ. كما أنَّ الجامعاتِ والمثقفينَ والإعلاميينَ العربَ مطالبونَ اليومَ بإطلاقِ نقاشٍ فكريٍّ عميقٍ حولَ أخلاقياتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ بدلَ الاكتفاءِ بالانبهارِ السطحيِّ بالتطبيقاتِ الجديدة.

أشعرُ في النهايةِ بأنَّ معركةَ المستقبلِ لن تكونَ فقط معركةَ حدودٍ جغرافية، بل معركةَ سيطرةٍ على العقلِ الإنسانيِّ نفسه. فالاستعمارُ القديمُ كانَ يحتلُّ الأرضَ، أما الاستعمارُ الخوارزميُّ الجديدُ فهو يحتلُّ الانتباهَ والذاكرةَ والرغبةَ والوعيَ. ولذلك فإنَّ الدفاعَ عن الإنسانِ العربيِّ في العصرِ الرقميِّ لم يعدْ مجردَ قضيةٍ سياسية، بل أصبحَ قضيةَ بقاءٍ حضاريٍّ وأخلاقيٍّ في مواجهةِ عالمٍ تتحولُ فيه الخوارزمياتُ تدريجيًا إلى إمبراطورياتٍ غيرِ مرئية.


0 التعليقات: