الفصل الرابع: ليلة الاعتقال – لحظة الانكسار: لم تكن ليلة اعتقاله لحظة زمنية عابرة في سيرته فحسب ، بل كانت انزلاقًا فجائيًا نحو منطقة معتمة من الوجود، منطقة لا تتحدد فيها الأشياء بوضوح ولا تُقاس فيها الوقائع بمنطقها المعتاد، إذ وجد نفسه، وهو يعبر أحد شارع الحسن الثاني قرب إدارة البريد المركزي،محاطًا بإحساس غريب بأن المدينة التي احتضنته طيلة السنتين الماضيتين لم تعد تعرفه، وأن الجدران التي كان يمر بمحاذاتها كل يوم صارت تنكمش عليه كما لو أنها تضيق بأنفاسه، ولم يكن ذلك الإحساس وليد لحظة الاعتقال نفسها، بل كان امتدادًا خفيًا لما سبقها من توترات فكرية وسياسية عاشها داخل الثانوية وخارجها، حيث كانت الأسئلة تتكاثر في جوانيته دون أن يجد لها جوابًا، وحيث كان الحوار مع الرفاق يتجاوز حدود الدرس ليصل إلى مساءلة الواقع برمته، غير أن تلك الليلة جاءت لتضع حدًا لذلك التردد، ولتدفعه دفعًا نحو مواجهة لم يكن مستعدًا لها، مواجهة مع سلطة لا تُرى في شكلها الكامل، لكنها تُحس في قبضتها حين تضيق على الجسد وتمنع عنه أبسط أشكال الحرية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق