تحولت المعارك الثقافية في منطقة المغرب الكبير خلال السنوات الأخيرة إلى مواجهة رمزية مفتوحة تكشف حجم التوتر القائم حول الذاكرة التاريخية والخصوصيات الحضارية لكل بلد. وقد أعادت حادثة وقعت خلال معرض دولي بباريس في الفاتح من شهر مايو 2026 إحياء هذا الجدل، بعدما شهد الجناح الجزائري احتجاجًا من ناشطين مغاربة اعتبروا أن بعض المنتوجات المعروضة تُقدَّم باعتبارها جزائرية، رغم أنها تنتمي، بالحجة والبرهان التاريخي، إلى التراث المغربي الأصيل.
ورغم أن بعض وسائل
الإعلام الأوروبية تعاملت مع الواقعة باعتبارها مجرد خلاف عابر داخل معرض دولي، فإن
خلفياتها الثقافية أعمق بكثير مما يبدو على السطح. فالقضية لا تتعلق فقط بقطعة لباس
تقليدي أو منتج تراثي، بل ترتبط بتاريخ طويل من التراكم الحضاري الذي صنع هوية المملكة
المغربية عبر قرون، في مقابل محاولات متكررة من أطراف جزائرية لإعادة تقديم بعض الرموز
المغربية باعتبارها جزءًا من التراث الجزائري.
إن المغرب، بحكم امتداده
التاريخي العريق، يمتلك أحد أقدم التقاليد الحضارية في المنطقة المغاربية. فمنذ الدول
المغربية الكبرى، من المرابطين والموحدين إلى السعديين والعلويين، تشكلت في المدن المغربية
الكبرى مثل فاس ومراكش ومكناس وتطوان والرباط مدارس متكاملة في اللباس والفنون والعمارة
والصناعة التقليدية. ولم يكن القفطان المغربي مجرد لباس عابر، بل كان رمزًا اجتماعيًا
وثقافيًا ارتبط بالبلاط الملكي المغربي، ثم انتقل تدريجيًا إلى مختلف طبقات المجتمع،
محافظًا على تفاصيله الدقيقة التي تمزج بين التطريز اليدوي والصنعة التقليدية والذوق
المغربي الخاص.
وفي المقابل، يعرف
الباحثون في تاريخ الأزياء التقليدية أن المجتمع الجزائري ظل يتميز بألبسة محلية مختلفة
ومتنوعة، مثل “الكراكو” في العاصمة و”البلوزة الوهرانية” و”الملحفة الشاوية” و”القندورة
القبائلية”. وهي أزياء تحمل بدورها قيمة ثقافية محلية محترمة، لكنها تختلف تاريخيًا
وجماليًا عن القفطان المغربي الذي ظل مرتبطًا بصورة المغرب في المخيال العالمي والعربي.
ولعل ما يعزز هذا المعطى
هو الاعتراف الدولي المتزايد بالتراث المغربي. فقد تمكن المغرب خلال السنوات الأخيرة
من تثبيت العديد من عناصره الثقافية داخل قوائم منظمة اليونسكو باعتبارها مكونات أصيلة
للهوية المغربية، وهو ما يعكس نجاح الدبلوماسية الثقافية المغربية في حماية تراثها
من محاولات التشويش أو الاستيلاء الرمزي.
إن الاحتجاج الذي وقع
في معرض باريس، مهما اختلفت الآراء حول أسلوبه، يعكس حالة متنامية من القلق داخل الأوساط
المغربية تجاه ما يُنظر إليه على أنه محاولات متكررة لطمس الأصل المغربي لبعض الرموز
التراثية. فالمغاربة لا يرون في القفطان مجرد قطعة قماش أو زي احتفالي، بل يعتبرونه
جزءًا من ذاكرتهم الجماعية ومن صورة المغرب الحضارية التي راكمها عبر قرون من التفاعل
مع الأندلس وإفريقيا والعالم المتوسطي.
ومن الطبيعي، في ظل
هذا الشعور، أن يرفض كثير من المغاربة أي محاولة لتقديم القفطان خارج سياقه التاريخي
الحقيقي. فالأمر هنا لا يتعلق بالتعصب أو الرغبة في احتكار الثقافة، وإنما بالدفاع
عن حق تاريخي موثق تدعمه الشهادات التاريخية والصور والأرشيفات والمرويات الاجتماعية
التراثية التي تؤكد حضور القفطان في الحياة المغربية منذ قرون طويلة.
كما أن المتابع للمشهد
الثقافي في المنطقة يلاحظ أن المغرب لم يدخل يومًا في حملات منظمة لنسب التراث الجزائري
إليه، رغم وجود عناصر مشتركة بين شعوب المنطقة بحكم الجوار والتداخل الحضاري. فالكسكس،
مثلًا، تم الاعتراف به كتراث مغربي . غير أن المشكلة تظهر عندما يحاول بعض الفاعلين
السياسيين أو الإعلاميين في الجزائر تحويل عناصر مغربية خالصة إلى موضوع نزاع رمزي
بدوافع تتجاوز الثقافة نحو الحسابات السياسية والهوياتية.
وفي الواقع، فإن قوة
المغرب الثقافية لا تكمن فقط في امتلاكه لتراث غني، بل أيضًا في قدرته على تحويل هذا
التراث إلى قوة ناعمة عالمية. فالقفطان المغربي اليوم حاضر في عروض الأزياء الدولية،
وتتبناه مصممات عالميات، وتحتفي به مجلات الموضة العالمية باعتباره رمزًا للأناقة الشرقية
الراقية. كما أصبحت المدن المغربية التاريخية، مثل فاس ومراكش، فضاءات عالمية تستقطب
المهتمين بالصناعة التقليدية والفنون التراثية.
أما الجزائر، التي
تمتلك بدورها تنوعًا ثقافيًا مهمًا، فكان بإمكانها الاستثمار في خصوصياتها المحلية
الغنية بدل الدخول في سجالات متكررة حول عناصر ترتبط تاريخيًا بالمغرب. فالثقافة لا
تُبنى بالمنافسة العدائية، بل بالاعتزاز بالذات وصيانة الخصوصية الوطنية.
إن أخطر ما في هذه
السجالات هو أنها تدفع الشعوب المغاربية نحو مزيد من التوتر بدل التقارب، وتحوّل التراث
إلى مادة للاستقطاب السياسي. غير أن الحقيقة التاريخية تظل أقوى من الحملات الإعلامية
العابرة، لأن التراث لا يُختلق بقرارات ظرفية، بل يتشكل عبر قرون من التراكم الاجتماعي
والفني والحضاري.
يبدو واضحًا أن المغرب
استطاع، بفضل عمقه التاريخي ومؤسساته الثقافية وحضوره الحضاري المتواصل، أن يحافظ على
مكانته كأحد أهم المراكز الثقافية في العالم العربي والإفريقي. وما يثير الجدل اليوم
حول القفطان ليس سوى دليل إضافي على قوة الرمز المغربي وقدرته على فرض حضوره في الوعي
الجماعي الإقليمي والدولي. أما محاولات التشكيك أو إعادة النسبة، فلن تغير من حقيقة
راسخة تؤكدها الذاكرة والتاريخ والاعترافات الدولية: القفطان كان وسيظل أحد أبرز رموز
الهوية المغربية الأصيلة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق