الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، يونيو 20، 2026

الرِّيحُ تكتب وَصِيَّتَهَا عَلَى جَبْهَةِ الْقَمَرِ الْمُسَافِرِ: قصيدة رقمية تفاعلية عبده حقي


جِسْرٌ مِنْ ضَوْءٍ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْحُلْمِ

اضغط على الكلمات المضيئة داخل النص لاكتشاف عوالم سوريالية إضافية.
أَمْشِي إِلَى الْمَدِينَةِ كُلَّ صَبَاحٍ، حَامِلًا فِي يَدِي خُبْزَ الْأُمَّهَاتِ، وَفِي يَدِي الْأُخْرَى غَيْمَةً صَغِيرَةً تَاهَتْ عَنْ قَطِيعِ السَّمَاءِ.

أَمْشِي كَمَا يَمْشِي النَّهَارُ فِي شَوَارِعِ الْعَالَمِ، لَا أُثِيرُ انْتِبَاهَ الْمَارَّةِ، وَلَا يَعْرِفُنِي أَحَدٌ غَيْرُ ظِلِّي الَّذِي يَتَبَدَّلُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَافِذَةٍ أَوْ عُصْفُورٍ يَحْمِلُ بَيْتًا عَلَى جَنَاحَيْهِ.

فِي السُّوقِ، كَانَ الْبَائِعُونَ يَعْرِضُونَ ثِمَارَهُمْ، أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَرَى شَجَرَةَ رُمَّانٍ تَخْرُجُ مِنْ جَيْبِ شُرْطِيٍّ، وَأَرَى الْحَافِلَاتِ تُخْرِجُ مِنْ نَوَافِذِهَا أَسْمَاكًا مُلَوَّنَةً تَسْبَحُ فِي هَوَاءِ الظَّهِيرَةِ.

لَمْ أَكُنْ أَحْلُمُ... كَانَ الْوَاقِعُ نَفْسُهُ يُبَدِّلُ ثِيَابَهُ أَمَامِي، وَيَخْرُجُ مِنْ صُورَتِهِ الْقَدِيمَةِ كَمَا يَخْرُجُ الْفَلَّاحُ مِنَ الْحَقْلِ حَامِلًا تُرَابَهُ وَأَغَانِيهِ.

فِي الْمَسَاءِ، جَلَسْتُ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ عِنْدَ حَافَّةِ النَّهْرِ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَكْتُبُ رِسَالَاتٍ بِخَطِّ الْغُرُوبِ، وَيُرْسِلُهَا إِلَى جُزُرٍ لَمْ تُولَدْ بَعْدُ.

وَرَأَيْتُ الْقَمَرَ يَحْمِلُ سُلَّمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَيُصْلِحُ شُرُوخَ اللَّيْلِ الَّتِي خَلَّفَتْهَا أَقْدَامُ الْوَحْدَةِ.

عِنْدَهَا فَهِمْتُ أَنَّ الْعَالَمَ أَكْبَرُ مِنْ حَقِيقَتِهِ، وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تَكْتَفِي بِأَسْمَائِهَا.

فَالْوَرْدَةُ لَيْسَتْ وَرْدَةً فَقَطْ، بَلْ ذَاكِرَةُ أَرْضٍ تُفَكِّرُ بِالْعِطْرِ.

وَالطَّائِرُ لَيْسَ طَائِرًا فَقَطْ، بَلْ رَسَالَةُ رِيحٍ تَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى لِسَفَرِهَا.

وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ حَدِيقَةً سِرِّيَّةً، تَسْكُنُهَا غَزَالَاتُ الْخَيَالِ، وَتُحَلِّقُ فَوْقَهَا طُيُورُ الْأَمَلِ.

وَسَأُصَدِّقُ أَنَّ الْحُلْمَ لَيْسَ ضِدَّ الْوَاقِعِ، بَلْ هُوَ جَانِبُهُ الْخَفِيُّ.

فَمَا دَامَ الْقَلْبُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَادِقَ شَجَرَةً، وَمَا دَامَ الْخَيَالُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْتَحَ نَافِذَةً فِي الْحَجَرِ، فَإِنَّ الْأَرْضَ سَتَبْقَى قَادِرَةً عَلَى إِنْجَابِ أَغْنِيَةٍ جَدِيدَةٍ، وَسَيَبْقَى الْإِنْسَانُ يَمْشِي بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْحُلْمِ، كَأَنَّهُ جِسْرٌ مِنْ ضَوْءٍ بَيْنَ ضَفَّتَيْنِ لَا تَنْفَصِلَانِ.

0 التعليقات: