أَمْشِي إِلَى الْمَدِينَةِ كُلَّ صَبَاحٍ،
حَامِلًا فِي يَدِي خُبْزَ الْأُمَّهَاتِ،
وَفِي يَدِي الْأُخْرَى غَيْمَةً صَغِيرَةً
أَمْشِي كَمَا يَمْشِي النَّهَارُ
فِي شَوَارِعِ الْعَالَمِ،
لَا أُثِيرُ انْتِبَاهَ الْمَارَّةِ،
وَلَا يَعْرِفُنِي أَحَدٌ
غَيْرَ ظِلِّي الَّذِي يَتَبَدَّلُ كُلَّ يَوْمٍ
إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَافِذَةٍ
أَوْ عُصْفُورٍ يَحْمِلُ بَيْتًا عَلَى جَنَاحَيْهِ.
فِي السُّوقِ،
كَانَ الْبَائِعُونَ يَعْرِضُونَ ثِمَارَهُمْ،
وَالْعُمَّالُ يَرْفَعُونَ أَكْيَاسَ الْإِسْمَنْتِ،
وَالْأَطْفَالُ يُطَارِدُونَ كُرَةً مِنْ مَطَّاطٍ،
أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَرَى
شَجَرَةَ رُمَّانٍ تَخْرُجُ مِنْ جَيْبِ شُرْطِيٍّ،
وَأَرَى الْحَافِلَاتِ تُخْرِجُ مِنْ نَوَافِذِهَا
أَسْمَاكًا مُلَوَّنَةً
تَسْبَحُ فِي هَوَاءِ الظَّهِيرَةِ.
لَمْ أَكُنْ أَحْلُمُ.
كَانَ الْوَاقِعُ نَفْسُهُ
يُبَدِّلُ ثِيَابَهُ أَمَامِي،
وَيَخْرُجُ مِنْ صُورَتِهِ الْقَدِيمَةِ
كَمَا يَخْرُجُ الْفَلَّاحُ مِنَ الْحَقْلِ
حَامِلًا تُرَابَهُ وَأَغَانِيهِ.
فِي الْمَسَاءِ،
جَلَسْتُ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ
عِنْدَ حَافَّةِ النَّهْرِ،
فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَكْتُبُ رِسَالَاتٍ
بِخَطِّ الْغُرُوبِ،
وَيُرْسِلُهَا إِلَى جُزُرٍ
لَمْ تُولَدْ بَعْدُ.
وَكَانَ الصَّيَّادُ الْعَجُوزُ
يَرْمِي شَبَكَتَهُ فِي الْمِيَاهِ،
فَيَسْتَخْرِجُ أَحْيَانًا سَمَكَةً،
وَأَحْيَانًا أُغْنِيَةً،
وَأَحْيَانًا وَجْهًا قَدِيمًا
نَسِيَهُ التَّارِيخُ عَلَى ضَفَّةٍ بَعِيدَةٍ.
قُلْتُ لِلنَّهْرِ:
إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟
فَقَالَ:
أَذْهَبُ إِلَى الْبَحْرِ،
لَكِنَّ الْبَحْرَ لَيْسَ غَايَتِي،
غَايَتِي أَنْ أَتَعَلَّمَ
كَيْفَ يَسِيرُ الْمَاءُ
فِي عُرُوقِ الْحَجَرِ.
وَعِنْدَمَا أَظْلَمَتِ السَّمَاءُ،
رَأَيْتُ النُّجُومَ تَنْزِلُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً
إِلَى الْمَدِينَةِ،
تَدْخُلُ الْمَنَازِلَ الْفَقِيرَةَ،
وَتُشْعِلُ قَنَادِيلَ النَّائِمِينَ.
وَرَأَيْتُ الْقَمَرَ
يَحْمِلُ سُلَّمًا مِنْ فِضَّةٍ،
وَيُصْلِحُ شُرُوخَ اللَّيْلِ
الَّتِي خَلَّفَتْهَا أَقْدَامُ الْوَحْدَةِ.
عِنْدَهَا فَهِمْتُ
أَنَّ الْعَالَمَ أَكْبَرُ مِنْ حَقِيقَتِهِ،
وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تَكْتَفِي بِأَسْمَائِهَا،
فَالْوَرْدَةُ لَيْسَتْ وَرْدَةً فَقَطْ،
بَلْ ذَاكِرَةُ أَرْضٍ تُفَكِّرُ بِالْعِطْرِ،
وَالطَّائِرُ لَيْسَ طَائِرًا فَقَطْ،
بَلْ رَسَالَةُ رِيحٍ
تَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى لِسَفَرِهَا.
وَأَنَّ الْإِنْسَانَ،
مَهْمَا أَثْقَلَتْهُ الْأَيَّامُ،
يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ حَدِيقَةً سِرِّيَّةً،
تَسْكُنُهَا غَزَالَاتُ الْخَيَالِ،
وَتُحَلِّقُ فَوْقَهَا طُيُورُ الْأَمَلِ.
لِذَلِكَ أَمْشِي غَدًا أَيْضًا
إِلَى الْمَدِينَةِ ذَاتِهَا،
وَإِلَى الْوُجُوهِ ذَاتِهَا،
وَإِلَى الْأَرْصِفَةِ ذَاتِهَا،
لَكِنَّنِي سَأَحْمِلُ مَعِي
عَيْنَيْنِ جَدِيدَتَيْنِ.
سَأَنْظُرُ إِلَى الْخَبَّازِ
فَأَرَى فِي دَقِيقِهِ حُقُولَ الْقَمْحِ
وَهِيَ تُغَنِّي لِلرِّيحِ،
وَأَنْظُرُ إِلَى الْعَامِلِ
فَأَرَى فِي يَدَيْهِ جِسْرًا
يَرْبِطُ الْغَدَ بِالْأَمْسِ،
وَأَنْظُرُ إِلَى الطِّفْلِ
فَأَرَى فِي ضَحِكَتِهِ
شَمْسًا صَغِيرَةً
تُدَرِّبُ الْكَوْنَ عَلَى الْبَدَايَةِ.
وَسَأُصَدِّقُ أَنَّ الْحُلْمَ
لَيْسَ ضِدَّ الْوَاقِعِ،
بَلْ هُوَ جَانِبُهُ الْخَفِيُّ،
وَأَنَّ السُّورِيَالِيَّةَ
لَيْسَتْ هَرَبًا مِنَ الْعَالَمِ،
بَلْ طَرِيقَةٌ أُخْرَى لِرُؤْيَتِهِ.
فَمَا دَامَ الْقَلْبُ يَسْتَطِيعُ
أَنْ يُصَادِقَ شَجَرَةً،
وَمَا دَامَ الْخَيَالُ يَسْتَطِيعُ
أَنْ يَفْتَحَ نَافِذَةً فِي الْحَجَرِ،
فَإِنَّ الْأَرْضَ
سَتَبْقَى قَادِرَةً عَلَى إِنْجَابِ أَغْنِيَةٍ جَدِيدَةٍ،
وَسَيَبْقَى الْإِنْسَانُ
يَمْشِي بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْحُلْمِ،
كَأَنَّهُ جِسْرٌ مِنْ ضَوْءٍ
بَيْنَ ضَفَّتَيْنِ لَا تَنْفَصِلَانِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق