من المهرجانات التراثية إلى السينما والكتاب وفنون الإضاءة
قدّمت الأيام الأخيرة صورةً شديدة التنوع عن المشهد الثقافي والفني المغربي، إذ توزعت التظاهرات بين أكادير ومكناس والهرهورة والرباط والدار البيضاء ومراكش والناظور ومدن الساحل المتوسطي. ولم تقتصر الحصيلة على الحفلات الموسيقية الكبرى، بل شملت السينما والكتاب والفنون البصرية والتراث الصوفي والتكوين الثقافي والأنشطة الموجهة إلى الأطفال والشباب.
تكشف هذه الدينامية الصيفية أن الثقافة في المغرب أصبحت أكثر ارتباطاً بالفضاءات المفتوحة وبالحياة اليومية للمدن، غير أن غلبة المهرجانات الموسيقية الجماهيرية ما تزال تطرح سؤال التوازن بينها وبين المسرح والفنون التشكيلية والنشر والقراءة. وفي ما يلي أبرز الأنشطة التي طبعت الأيام الماضية، مع تحليل دلالاتها الثقافية والفنية.
1. مهرجان تيميتار بأكادير: الأمازيغية تستقبل موسيقى العالم
اختتمت بمدينة أكادير، يوم 25 يوليوز 2026، الدورة الحادية والعشرون من مهرجان «تيميتار ـ علامات وثقافات» بعد ثلاثة أيام من العروض التي جمعت الموسيقى الأمازيغية بإيقاعات عربية وإفريقية وعالمية. وتوزعت السهرات بين ساحة الأمل ومسرح الهواء الطلق، بمشاركة فرق أحواش الجنوب الكبير، والمعلم حميد القصري، ومهدي الناسولي، والمهدي قاموم، وراغب علامة، ومجموعة أودادن، وفاطمة تبعمرانت، وفاطمة تاشتوكت وعبير نعمة. وقدّم المهرجان عروضاً دمجت الإيقاعات التراثية بالآلات الإلكترونية والغيتار والساكسوفون، وسط حضور جماهيري كبير.
تكمن أهمية تيميتار في أنه لا يعرض الثقافة الأمازيغية باعتبارها مادة فولكلورية مغلقة، بل يجعلها مركزاً لاستقبال التجارب الموسيقية القادمة من فضاءات أخرى. فشعار «الفنانون الأمازيغ يستقبلون موسيقى العالم» يعبّر عن انتقال الأمازيغية من موقع الدفاع عن الهوية إلى موقع إنتاج الحوار الثقافي. كما أن المزج بين الكمبري والكهرباء، وبين أحواش والموسيقى المعاصرة، يشير إلى أن صون التراث لا يتحقق بتجميده، بل بمنحه القدرة على التجدد ومخاطبة الأجيال الجديدة.
ورغم النجاح الجماهيري، يبقى من الضروري أن يوسّع المهرجان مستقبلاً فضاءاته الفكرية والتكوينية، عبر ندوات حول الموسيقى الأمازيغية وورشات لتعليم الآلات والإيقاعات المحلية وتوثيق ذاكرة الرواد. فالتظاهرة التي تمتلك جمهوراً واسعاً يمكنها أن تتحول من موعد للفرجة إلى مؤسسة دائمة للإنتاج والتكوين والبحث الموسيقي.
2. مهرجان عيساوة بمكناس: التراث الصوفي بين الذاكرة والتنمية
احتضنت مكناس، من 22 إلى 25 يوليوز 2026، الدورة السادسة من مهرجان «عيساوة: مقامات وإيقاعات عالمية». وشهدت الدورة مشاركة أكثر من خمسة عشر فناناً مغربياً وأجنبياً، وما يزيد على خمس وخمسين طائفة عيساوية، وأكثر من ألف مقدم ومعلم عيساوي. وتضمنت البرمجة سهرات موسيقية ولقاءات فكرية وورشات تكوينية ومعارض وأنشطة تراثية، إلى جانب الدورة الثانية للمنتدى الدولي لمكناس حول التصوف.
ويتميز هذا المهرجان بمحاولته إخراج فن عيساوة من صورته الاحتفالية الضيقة إلى فضاء أوسع يربط الموسيقى بالبحث العلمي والسياحة الثقافية والتنمية المحلية. كما استُثمرت بعض المواقع التاريخية في مكناس، ومنها فضاءات قريبة من باب منصور، لإقامة أنشطة تستحضر العلاقة بين العمارة والذاكرة الصوفية والإيقاعات الجماعية. وهذه المقاربة تعيد إلى المدينة الإسماعيلية دورها بوصفها حاضنةً لأحد أهم مكونات التراث الثقافي اللامادي المغربي.
لكن اتساع البرمجة وكثرة الفنانين يفرضان ضرورة حماية الجوهر العيساوي من الذوبان داخل الحفلات التجارية الكبرى. فنجاح المهرجان لا ينبغي أن يُقاس فقط بأسماء النجوم أو أعداد الحضور، بل أيضاً بقدرته على توثيق المدارس العيساوية المختلفة، ودعم المعلمين الشباب، وتسجيل المقامات والإيقاعات المهددة بالاندثار، وتحويل مكناس إلى مركز وطني للبحث في الموسيقى الصوفية.
3. «سيني بلاج» بالهرهورة: السينما تغادر القاعات نحو الشاطئ
احتضن شاطئ سيدي العابد بالهرهورة، من 21 إلى 26 يوليوز، الدورة السابعة من مهرجان سينما الشاطئ «سيني بلاج». وشملت التظاهرة عروض أفلام طويلة وقصيرة ومسابقات وتكريمات ولقاءات مع ممثلين ومخرجين، فضلاً عن ندوتين ناقشتا موضوعي «السينما والذكاء الاصطناعي: أي مستقبل؟» و«السينما وحقوق الإنسان». وقد جرى تنظيم العروض في فضاء شاطئي مفتوح، بما أتاح لجمهور غير معتاد على ارتياد القاعات السينمائية متابعة أفلام مغربية والمشاركة في نقاشات ثقافية.
يمثل المهرجان نموذجاً مهماً لما يمكن تسميته «دمقرطة العرض السينمائي»، لأن نقل الشاشة إلى الشاطئ يخفف الحواجز الاجتماعية والمادية التي تفصل الجمهور عن الفن السابع. كما أن الجمع بين الترفيه الصيفي والنقاش حول الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان يمنح التظاهرة بُعداً يتجاوز الفرجة، ويجعل السينما مدخلاً إلى التفكير في تحولات الصورة والمجتمع والتكنولوجيا.
غير أن نجاح هذا النموذج يحتاج إلى توسيعه ليشمل شواطئ ومدناً صغيرة تفتقر إلى القاعات السينمائية. ويمكن للمهرجان أيضاً تنظيم ورشات في كتابة السيناريو والتصوير بواسطة الهواتف المحمولة لفائدة الشباب، حتى لا يظل الجمهور متلقياً فقط، بل يتحول إلى طرف مشارك في إنتاج الصورة والحكاية.
4. معرض الكتاب المستعمل بالدار البيضاء: ذاكرة المعرفة في مواجهة الغلاء
افتتحت الدار البيضاء الدورة الرابعة عشرة من المعرض الوطني للكتاب المستعمل، الممتدة من 20 يوليوز إلى 10 غشت 2026، تحت شعار «الثقافة التي تجمعنا». ويعرض الموعد آلاف العناوين في الأدب والفكر والتاريخ والفلسفة والعلوم، إلى جانب نسخ نادرة ومؤلفات لم تعد متوافرة بسهولة في المكتبات. كما تتضمن البرمجة لقاءات ثقافية وتوقيعات كتب ونقاشات حول وضع الثقافة والقراءة، بمشاركة باحثين وكتاب ومهتمين بالسرديات المغربية. تتجاوز أهمية المعرض فكرة بيع الكتب القديمة، لأنه يعيد تدوير المعرفة ويمنح الكتاب حياة ثانية. ففي ظل ارتفاع أسعار الإصدارات الجديدة وضعف القدرة الشرائية لدى شرائح واسعة، يصبح الكتاب المستعمل وسيلة عملية لتوسيع قاعدة القراء. وهو أيضاً مستودع لذاكرة النشر المغربي، إذ يمكن العثور فيه على مجلات وطبعات وكتب توقفت دور نشرها أو اختفت من الأسواق.
ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول عبارة «الثقافة للجميع» إلى بديل عن دعم الكتاب الجديد والمكتبات ودور النشر. فالمعرض المستعمل يعالج جانباً من أزمة الوصول إلى المعرفة، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن غلاء الكتاب وضعف شبكات التوزيع. والمطلوب هو بناء تكامل بين المعارض الجديدة والمستعملة والمكتبات العمومية، مع تخصيص فضاءات للفهرسة الرقمية وتقييم الكتب النادرة وحفظ الأرشيف الثقافي.
5. مهرجان ربيع أكدال الرياض: الثقافة أداة للتنمية المحلية
نظمت مقاطعة أكدال الرياض بالرباط، من 19 إلى 30 يوليوز، الدورة التاسعة عشرة من مهرجان ربيع أكدال الرياض تحت شعار «الثقافة الوطنية رافعة للتنمية». وجمعت البرمجة بين النقاشات الفكرية والتكوين والتراث والفنون الحية والموسيقى والرياضة والعمل التضامني. كما احتضنت المكتبة الوطنية «قرية المغرب المبدع»، التي ضمت معارض للصناعة التقليدية والمنتجات المحلية والفنون التشكيلية والكتب، إلى جانب فضاءات للأطفال والألعاب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وذاكرة مدينة الرباط.
تعكس هذه التجربة توجهاً نحو جعل الثقافة جزءاً من السياسات المحلية، لا مجرد نشاط موسمي معزول. فالجمع بين الكتاب والصناعة التقليدية والذكاء الاصطناعي يوسّع مفهوم الثقافة ليشمل الإبداع الرقمي والاقتصاد المحلي والذاكرة الحضرية. كما أن إقامة الأنشطة في المكتبة الوطنية تمنحها بعداً معرفياً، وتربط فضاءات المؤسسات الثقافية الكبرى بمبادرات الأحياء والجماعات المحلية.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في استمرار هذه الدينامية بعد نهاية المهرجان. فالثقافة لا تصبح رافعةً للتنمية إلا إذا تحولت إلى برامج سنوية تتيح للفنانين والحرفيين والشباب فرص التدريب والإنتاج والتسويق. وينبغي لذلك تقييم أثر المهرجان في عدد المستفيدين والمشروعات التي نشأت عنه، بدل الاكتفاء بقياس النجاح بعدد الأنشطة المنظمة.
6. مهرجان الحديقة السحرية بمراكش: صعود الفنون الغامرة
يستضيف قصر المؤتمرات في مراكش، من 20 يوليوز إلى 20 غشت، مهرجان «ماجيك غاردن» أو «الحديقة السحرية»، وهو مسار فني غامر يضم أكثر من مائة منحوتة ضوئية ضخمة، إلى جانب عروض إسقاط بصري وسينوغرافيات نباتية. ويتجول الزائر داخل فضاء مغطى تتحول فيه الزهور والحيوانات والحدائق المتخيلة إلى تكوينات مضيئة، في تجربة تجمع الفن والتقنيات الرقمية والترفيه العائلي.
تكشف هذه التظاهرة عن تنامي الطلب على الفنون الغامرة التي لا يكتفي فيها الجمهور بمشاهدة العمل من مسافة، بل يدخل إلى قلبه ويتحرك بين عناصره. وهي صيغة قادرة على اجتذاب الأطفال والسياح والجمهور الذي قد لا يزور المعارض التشكيلية التقليدية. كما تتيح لمراكش إضافة عرض بصري ليلي إلى خريطتها السياحية والثقافية، خصوصاً خلال الموسم الصيفي.
لكن هذا النوع من العروض يثير سؤالاً حول الحد الفاصل بين الفن والاستعراض التجاري. فالتكنولوجيا والإضاءة قد تصنعان الانبهار، غير أن القيمة الفنية تحتاج إلى تصورات إبداعية ومضامين محلية وهوية بصرية واضحة. وسيكون من المفيد مستقبلاً إشراك فنانين ومصممين مغاربة في إنتاج منحوتات مستوحاة من النباتات والزخارف والحكايات الشعبية والعمارة المغربية.
7. المهرجان المتوسطي بالناظور: الفن والجالية والهوية المحلية
احتضنت الناظور، من 31 يوليوز إلى 2 غشت 2026، الدورة الثانية عشرة من المهرجان المتوسطي تحت شعار «الناظور في لقاء مع العالم». وشارك في السهرات فنانون يمثلون الراب والأغنية الريفية وكناوة والأغنية الحسانية والموسيقى الشعبية والراي، من بينهم مسلم وسعيد وسيلة والمعلم نوفل وسعيد بني شيكر ورشيدة طلال ووليد الرحماني وكرم الريفي وماريا ودنيا بطمة. وتزامنت الدورة مع عودة أعداد كبيرة من أفراد الجالية المغربية ضمن عملية «مرحبا 2026».
يمتلك المهرجان بعداً يتجاوز الترفيه، لأنه يخاطب منطقة عرفت تاريخياً حركة هجرة واسعة نحو أوروبا. وتنوع الأنماط الغنائية بين الريفي والحساني والكناوي والراب يعكس محاولة تقديم المغرب بتعدده الثقافي أمام أبناء الجالية والزوار. كما يسهم الحدث في إبراز الناظور باعتبارها مدينة متوسطية قادرة على الجمع بين الثقافة المحلية والانفتاح على محيطها الوطني والدولي.
غير أن الشعار الدولي للمهرجان يحتاج إلى ترجمة أوسع في البرمجة، من خلال استضافة تجارب موسيقية متوسطية من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبلدان جنوب المتوسط، وتنظيم ندوات حول الهجرة والهوية والتبادل الفني. فحضور فنانين مغاربة متنوعين مهم، لكن بناء مهرجان متوسطي حقيقي يفترض إرساء حوار مستمر بين ضفتي البحر.
8. مهرجان الشواطئ: جماهيرية واسعة ومسؤولية ثقافية أكبر
تواصلت خلال الأيام الأخيرة فعاليات الدورة الثانية والعشرين من مهرجان الشواطئ، الذي يمتد من 20 يوليوز إلى 21 غشت في المضيق وطنجة والحسيمة والسعيدية، من خلال نحو ستين حفلاً مجانياً. وتتنوع البرمجة بين الراب والهيب هوب والعيطة والشعبي والأغنية المغربية والراي والركادة والبوب العربي، إلى جانب الفرق المحلية والفولكلورية والمواهب الصاعدة. وأفاد المنظمون بأن سهرة 30 يوليوز، التي شاركت فيها مجموعة فناير والفنان الدوزي، استقطبت قرابة 350 ألف متفرج.
تبرز هذه الأرقام قدرة الموسيقى المجانية على الوصول إلى جمهور واسع خارج المراكز الثقافية المغلقة. كما يوفر المهرجان للفنانين الشباب فرصة مشاركة المنصة مع أسماء معروفة، وهو أمر قد يساعدهم على اكتساب الخبرة والانتشار. غير أن ضخامة الحضور تجعل التظاهرة مسؤولة أيضاً عن جودة الصوت والتنظيم والسلامة وتدبير النفايات واحترام البيئة الساحلية.
ومن الناحية الثقافية، ينبغي ألا تتحول مجانية الدخول إلى ذريعة لتقديم برنامج ترفيهي خالص. فهذه المنصات الواسعة قادرة على التعريف بالتراث الموسيقي المحلي لكل مدينة، وتنظيم عروض نهارية وورشات للأطفال ومعارض للصناعة التقليدية. وبذلك يمكن للمهرجان أن يجمع بين المتعة الجماهيرية والتربية الفنية والتنمية السياحية المستدامة.
خاتمة: زخم واضح وحاجة إلى التوازن
تؤكد حصيلة الأيام الماضية أن المغرب يعيش موسماً ثقافياً وفنياً كثيفاً، يمتد من التراث الأمازيغي والصوفي إلى السينما المفتوحة وفنون الضوء والكتاب المستعمل والموسيقى الجماهيرية. كما تكشف الخريطة الجغرافية لهذه الأنشطة عن خروج الثقافة نسبياً من تمركزها التقليدي في الرباط والدار البيضاء، ووصولها إلى أكادير ومكناس والناظور والهرهورة ومدن الساحل.
غير أن هذه الوفرة العددية ينبغي أن ترافقها رؤية تقيس القيمة والاستمرارية والأثر. فالمهرجان الناجح ليس مجرد منصة وسهرة وصور مكتظة بالجماهير، بل مشروع للتكوين والتوثيق وخلق فرص العمل وربط الفن بالمدرسة والجامعة والحي. كما يحتاج المشهد إلى توازن أكبر بين الموسيقى وبقية المجالات، خصوصاً المسرح والأدب والفنون التشكيلية والسينما الوثائقية وثقافة الطفل.
لقد برهنت الأيام الأخيرة على وجود جمهور مغربي متعطش للفن والثقافة. أما الخطوة المقبلة، فهي تحويل هذا التعطش الموسمي إلى ممارسة ثقافية مستمرة، تجعل من الكتاب والمسرح والسينما والموسيقى جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية للمواطن المغربي.
إعداد: الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق