أَمْضِي، وَأَنَا أَجُرُّ وَرَائِي ظِلًّا مِنَ الْقَصَبِ الْمُتَحَجِّرِ، كَأَنَّهُ سُلَّمُ نَمْلَةٍ أُسْطُورِيَّةٍ تَرَقَّتْ مِنْ هَوْدَجِ الرِّيحِ إِلَى أَرِيكَةِ الْبَرْقِ، وَأَحْمِلُ فِي إِبْطِي زَمَنًا مُتَصَدِّعًا تَنْقُرُهُ طُيُورُ الْهُدْهُدِ الْمُسَوَّدَةِ بِحِبْرِ الْمَجَرَّاتِ، فَلَا أَدْرِي أَأَنَا الرَّاعِي أَمِ الْقَطِيعُ، أَمْ أَنِّي الْمِزْوَدُ الَّذِي تَتَدَلَّى مِنْهُ أَجْرَاسُ الْغُبَارِ عَلَى أَعْنَاقِ الْأَفَاعِي الْمُجَنَّحَةِ، وَكَانَتِ الصَّحَارَى، وَهِيَ تَتَنَفَّسُ مِنْ خَيَاشِيمِ الْجِمَالِ الْقَدِيمَةِ، تَنْشُرُ أَرْدِيَةَ الْهَبَاءِ فَوْقَ رُؤُوسِ الْمَوْتَى، حَتَّى بَدَا لِي أَنَّ الْقُبُورَ لَيْسَتْ سِوَى بُذُورٍ لِأَشْجَارٍ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا اللَّيْلُ بِالْإِزْهَارِ بَعْدُ.
وَإِذْ كُنْتُ أَتَتَبَّعُ أَثَرَ غُولَةٍ كُرْدِيَّةٍ تُدْعَى فِي أَلْسِنَةِ الْأَجْدَادِ "خَاتُونَةَ الْوَعْلِ الْأَعْمَى"، رَأَيْتُ الْفُرَاتَ يَخْلَعُ مِيَاهَهُ كَمَا يَخْلَعُ الْمُحَارِبُ دِرْعَهُ، وَيُعَلِّقُهَا عَلَى قَرْنِ أَيْلٍ مِنْ دُخَانٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِي ظِلِّ صَخْرَةٍ لِيَعْصِرَ مِنْ رُكْبَتَيْهِ أَنْهَارًا أُخْرَى، وَكَانَتِ الْعَقَارِبُ تُرَبِّي فِي أَجْوَافِهَا أَسْرَابًا مِنَ الْقَمَرِ، وَكَانَتِ الضِّبَابُ تَرْتَدِي عِمَامَاتٍ مِنْ صَهِيلِ الْخَيْلِ، وَتَتَجَوَّلُ بَيْنَ الْأَوْدِيَةِ كَفُقَهَاءِ نُعَاسٍ يُفَسِّرُونَ لِلْحَصَى أَحْلَامَهُ الْمُنْكَسِرَةَ.
وَلَمَّا بَلَغْتُ سُرَادِقَ الْهَوَامِلِ، وَهِيَ بِلَادٌ لَا تَظْهَرُ عَلَى خَرَائِطِ الْبَشَرِ بَلْ عَلَى جُنُوبِ الْجَوَادِ الْأَزْرَقِ الَّذِي يَرْعَى فِي مَرَاعِي الْغَيْبِ، اسْتَقْبَلَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَسْوَدَ، لَهَا أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ وَسَبْعُ سُرُرٍ مِنَ الرِّيشِ الْمُذَهَّبِ، فَقَالَتْ لِي بِلِسَانٍ يَشْبَهُ صَرِيرَ الْمِفْتَاحِ فِي بَابِ السَّمَاءِ: "يَا ابْنَ الْأَغَالِيبِ وَالْعَرَاعِرِ، لِمَاذَا تَحْمِلُ فِي جَيْبِكَ أَسْنَانَ الْبَرْقِ وَتَدَّعِي أَنَّهَا قَصَائِدُ؟" فَلَمْ أُجِبْهَا، لِأَنَّ لِسَانِي كَانَ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى سَرْبٍ مِنَ الْوَرْلِ الْمُتَوَحِّشِ، يَعْبُرُ فِي دَمِي مُخَلِّفًا خُدُوشًا مِنْ زَعْفَرَانِ الْعَتَمَةِ.
ثُمَّ إِنَّنِي جَلَسْتُ عَلَى مَتْنِ طَائِرٍ يُشْبِهُ الْعَنْقَاءَ، غَيْرَ أَنَّ رِيشَهُ كَانَ مَصْنُوعًا مِنْ أَعْوَادِ الْمَزَاهِيرِ الْمَنْسِيَّةِ، وَأَظْفَارُهُ مِنْ أَبْيَاتٍ شِعْرِيَّةٍ تَكَسَّرَتْ عَلَى صُخُورِ الْعُشَّاقِ، فَحَلَّقَ بِي فَوْقَ مَدَائِنَ مَبْنِيَّةٍ مِنْ جُلُودِ الْأَحْلَامِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ هُنَاكَ يَزْرَعُونَ السَّاعَاتِ فِي الْحُقُولِ، فَتَنْبُتُ لَهُمْ أَشْجَارٌ تُثْمِرُ أَيَّامًا مَخْضُوضَةً بِالرَّعْشَةِ، وَيَحْلُبُونَ مِنْ ضُرُوعِ الظَّلَامِ أَلْبَانًا زُرْقًا تُسْمَعُ وَلَا تُرَى، وَيَسْتَخْرِجُونَ مِنْ مَحَاجِرِ الْغِيَابِ أَحْجَارًا تُغَنِّي بِأَصْوَاتِ الْأُمَّهَاتِ اللَّاتِي ضَيَّعَهُنَّ النَّسْيَانُ فِي أَوَّلِ الدَّهْرِ.
وَفِي أَقْصَى الرُّؤْيَا، حَيْثُ تَتَعَلَّقُ السَّرَابِيلُ الْبَدَوِيَّةُ عَلَى مَنَاكِبِ السُّدُمِ، لَقِيتُ الْمَلِكَ "مِهْرَانَ الرِّيحِ"، وَهُوَ كَائِنٌ تُرَاثِيٌّ تَحْكِي عَنْهُ الْمُغَنِّيَاتُ الْكَرْدِيَّاتُ فِي لَيَالِي الْمَزَامِيرِ الْجَبَلِيَّةِ، فَكَانَ نِصْفُهُ ذِئْبًا مِنْ نُحَاسٍ وَنِصْفُهُ الْآخَرُ مِئْذَنَةً تَنْعَقُ فِيهَا الْغِرْبَانُ الْمُلَوَّنَةُ، وَقَدْ أَهْدَانِي خُرْجًا مَمْلُوءًا بِالْكَلِمَاتِ الْمَهْجُورَةِ: الْقَهْبَسِ، وَالزَّعْبَلِ، وَالْهَيْذَبَانِ، وَالطَّرْمَاحِ، وَالْعِثْيَرِ، وَقَالَ: "ازْرَعْهَا فِي تُرْبَةِ الْعَصْرِ، فَلَعَلَّهَا تُنْبِتُ أَجْنِحَةً لِلُّغَةِ بَعْدَ أَنْ أَعْيَتْهَا الْمَسَافَاتُ."
فَحَمَلْتُ الْخُرْجَ عَلَى ظَهْرِ ذَاكِرَتِي، وَعُدْتُ أَمْشِي فِي الْبَرِّيَّةِ الَّتِي تَتَدَلَّى مِنْ سُرَّةِ الْفَلَكِ، وَكُنْتُ كُلَّمَا خَطَوْتُ خُطْوَةً تَحَوَّلَتِ الرِّمَالُ إِلَى أَسْمَاكٍ تُغَرِّدُ، وَتَحَوَّلَتِ الْأَسْمَاكُ إِلَى مَنَائِرَ تَرْعَى الْغُيُومَ، وَتَحَوَّلَتِ الْغُيُومُ إِلَى قَوَافِلَ مِنْ نِسَاءِ الْأَسَاطِيرِ يَنْسُجْنَ مِنْ شُعُورِهِنَّ سُلَّمًا لِلرِّيحِ، حَتَّى خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ الْكَائِنَاتِ جَمِيعًا لَيْسَتْ إِلَّا جُمْهُورًا مِنَ الِاسْتِعَارَاتِ الْهَائِمَةِ فِي جَسَدِ حُلْمٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّنِي أَنَا ذَلِكَ الْحُلْمُ، أَمْ شَظِيَّتُهُ الْمُتَأَخِّرَةُ، أَمْ أَثَرُ حَافِرِهِ الْغَامِضُ عَلَى تُرَابِ الْأَزَلِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق