الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يوليو 12، 2026

حصيلة الأيام الماضية في المشهد الثقافي والفني المغربي: عبده حقي


شهد المغرب خلال الأيام الماضية نشاطًا ثقافيًا وفنيًا متنوعًا عكس استمرار الحيوية التي تميز المشهد الإبداعي الوطني، سواء على مستوى المبادرات المحلية أو الحضور الدولي للفنانين والمؤسسات الثقافية المغربية. وتوزعت هذه الأنشطة بين تظاهرات أدبية، وفعاليات موسيقية، وتوقيع إصدارات جديدة، إلى جانب مشاركة المغرب في معارض دولية ومبادرات تهدف إلى تعزيز الصناعات الثقافية والإبداعية. وتكشف هذه الحصيلة أن الثقافة المغربية لم تعد تقتصر على تنظيم المهرجانات الموسمية، بل أصبحت تتحرك ضمن رؤية أوسع تجعل من الإبداع رافعة للتنمية وصورةً من صور القوة الناعمة للمملكة. 

أولاً: تظاهرة "الرباط تقرأ" تعيد الكتاب إلى الفضاء العمومي

احتضنت المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط النسخة الثانية من تظاهرة "الرباط تقرأ"، التي نظمتها جمعية "المواطنون"، بمشاركة كتاب وناشرين ومهتمين بالقراءة. وهدفت المبادرة إلى إعادة الاعتبار للكتاب باعتباره فضاءً للحوار المدني، مع تنظيم لقاءات مفتوحة وورشات للأطفال والشباب. 

ولا تكمن أهمية هذه المبادرة في عدد المشاركين فحسب، بل في طبيعة الرؤية التي تحملها. فالانتقال بالكتاب من رفوف المكتبات إلى الساحات والمؤسسات العمومية يمثل محاولة لإعادة بناء علاقة المجتمع بالقراءة في زمن تتراجع فيه معدلات المطالعة أمام هيمنة الوسائط الرقمية. كما أن إشراك الأطفال واليافعين يمنح المشروع بعدًا تربويًا يتجاوز الطابع الاحتفالي، ويجعله استثمارًا طويل الأمد في الرأسمال الثقافي المغربي. 

ثانياً: حفل توقيع رواية "رسالة من القرن 14" بمكناس

شهدت مدينة مكناس تنظيم حفل توقيع رواية "رسالة من القرن 14" للكاتبة هبة الله العلمي، بحضور عدد من النقاد والمهتمين بالشأن الأدبي، حيث دار نقاش حول البناء السردي للرواية وأسئلتها الفكرية. 

وتبرز مثل هذه اللقاءات الدور الذي تؤديه المدن المغربية خارج المحور التقليدي للدار البيضاء والرباط في تنشيط الحياة الأدبية. كما تؤكد أن الرواية المغربية ما تزال قادرة على استقطاب جمهور مهتم بالنقاش الفكري، وهو ما يمنح الكاتب والقارئ فضاءً مباشراً للحوار بعيدًا عن الوسائط الافتراضية. وتدل هذه الدينامية أيضًا على استمرار حضور دور النشر والمنتديات الثقافية في دعم الأصوات الأدبية الجديدة.

ثالثاً: دعم الصناعات الثقافية والإبداعية

شهدت الأيام الماضية تداولًا واسعًا لموضوع دعم الإبداع المغربي 2026، في إطار نقاشات متخصصة حول بناء صناعة ثقافية مستدامة، وتعزيز الاقتصاد الإبداعي، وربط الثقافة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وركزت هذه النقاشات على ضرورة تطوير آليات التمويل، وحماية حقوق المبدعين، وتحديث البنية القانونية للصناعات الثقافية.

ويعكس هذا النقاش تحولًا مهمًا في النظرة إلى الثقافة داخل المغرب؛ إذ لم تعد تُعامل بوصفها نشاطًا رمزيًا فقط، بل باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا قادرًا على خلق فرص الشغل، وجذب الاستثمارات، وتعزيز صورة المغرب دوليًا. غير أن نجاح هذا التوجه يبقى رهينًا بوجود سياسات ثقافية مستقرة، واستراتيجيات واضحة لدعم النشر، والسينما، والموسيقى، والفنون الرقمية.

رابعاً: المغرب يعزز حضوره في المعارض الدولية

واصل المغرب خلال الأيام الماضية حضوره في عدد من التظاهرات الدولية، من بينها افتتاح جناحه الوطني في إحدى الدورات الدولية الكبرى، بما يعكس استمرار توظيف الثقافة باعتبارها وسيلة لتعزيز الحضور الدبلوماسي والاقتصادي للمملكة. 

ولا يقتصر هذا الحضور على عرض المنتجات التقليدية، بل يمتد إلى التعريف بالكتاب المغربي، والصناعات الإبداعية، والتراث غير المادي، والفنون المعاصرة. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل المنافسة المتزايدة بين الدول على توظيف الثقافة بوصفها أداة للقوة الناعمة، حيث أصبح النجاح الثقافي عنصرًا مؤثرًا في بناء الصورة الدولية للدول.

خامساً: الفن المغربي يعبر إلى نيويورك

أُعلن عن تنظيم أمسية موسيقية مغربية بمدينة نيويورك ضمن مهرجان SummerStage الشهير، وهي المرة الأولى التي يخصص فيها هذا الحدث الفني برنامجًا كاملاً للموسيقى المغربية، تحت شعار يبرز التنوع الثقافي المغربي.

وتحمل هذه المشاركة دلالات ثقافية تتجاوز العرض الفني نفسه، إذ تعكس المكانة المتنامية للموسيقى المغربية في الساحة الدولية، كما تمنح الفنانين المغاربة فرصة للوصول إلى جمهور عالمي متعدد الثقافات. وتندرج هذه المبادرات ضمن سياسة أوسع لتدويل الثقافة المغربية، وجعلها أحد عناصر الحوار الحضاري بين المغرب والعالم.

قراءة ختامية

تكشف هذه الحصيلة أن المشهد الثقافي المغربي يعيش مرحلة تتسم بتعدد المبادرات وتنوع مجالاتها، من تشجيع القراءة، إلى دعم الرواية، مرورًا بتطوير الصناعات الثقافية، وتعزيز الحضور الدولي للفنون المغربية. كما يبدو واضحًا أن المؤسسات الرسمية والجمعيات الثقافية والفنانين باتوا يتحركون ضمن تصور يجعل الثقافة عنصرًا من عناصر التنمية الشاملة، وليس مجرد نشاط ترفيهي.

ومع ذلك، فإن الحفاظ على هذه الدينامية يظل مرتبطًا بعدة تحديات، أبرزها توسيع قاعدة الجمهور، وتحسين البنيات الثقافية في المدن المتوسطة والصغرى، وضمان استمرارية الدعم للمبدعين، وربط الثقافة بالتحول الرقمي دون التفريط في خصوصيتها الجمالية والإنسانية. وإذا نجح المغرب في تحويل هذه المبادرات المتفرقة إلى سياسة ثقافية متكاملة، فإن السنوات المقبلة قد تشهد انتقال الثقافة المغربية إلى مرحلة أكثر تأثيرًا على المستويين العربي والدولي.


0 التعليقات: