الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يوليو 12، 2026

شاشة عالمية تعيد ترتيب الضوء والذاكرة: عبده حقي


تكشف حصيلة الأيام القليلة الماضية في المجال السينمائي عن مشهد عالمي لا يتوقف عن إعادة تشكيل نفسه؛ فبين المهرجانات التي تعلن برامجها، والأفلام التي تدخل القاعات، والتكريمات التي تستعيد ذاكرة النجوم، والأسواق التي تقيس نبض شباك التذاكر، تبدو السينما كأنها تبحث مجددا عن موقعها بين طقوس المشاهدة الجماعية وسلطة المنصات الرقمية. إنها حصيلة لا تجمع أخبارا متفرقة بقدر ما تكشف تحولا عميقا في الجغرافيا السينمائية، حيث تتقدم مدن الجنوب وتتشابك الحكايات المحلية مع شبكات الإنتاج والتوزيع العالمية.

في المغرب، يتجه الاهتمام إلى مدينة الدار البيضاء التي تستعد لاحتضان الدورة السابعة من مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي خلال الفترة الممتدة من 17 إلى 24 يوليو 2026. ويقترح المهرجان مسابقات للأفلام الطويلة والقصيرة، إلى جانب عروض خارج المسابقة ولقاءات وورشات وتكريمات، بما يجعل العاصمة الاقتصادية فضاء مؤقتا لاجتماع تجارب سينمائية عربية مختلفة. وتكتسب هذه الدورة أهميتها من كونها لا تتعامل مع الفيلم العربي باعتباره وحدة متجانسة، بل بوصفه فسيفساء من اللهجات والذاكرات والأسئلة الاجتماعية، من الخليج إلى المحيط. 

ولا ينفصل هذا الموعد عن حركة موازية تهدف إلى تطوير الكتابة حول السينما نفسها؛ فقد أعلنت مؤسسة مهرجان مراكش الدولي للفيلم تنظيم الدورة الخامسة من ورشة التكوين والتطوير في النقد السينمائي يومي 15 و16 يوليو 2026 بمدينة الدار البيضاء، لفائدة الصحافيين الثقافيين والمهتمين بالسينما في المغرب. إن تكوين الناقد ليس تفصيلا ثانويا، لأن السينما التي لا ترافقها كتابة نقدية جادة قد تتحول إلى مجرد استهلاك عابر للصور. ومن هنا تبدو الورشة محاولة لترسيخ وساطة ثقافية قادرة على تفسير الفيلم ومساءلة لغته، بدلا من اختزاله في أرقام الإيرادات أو أخبار النجوم. 

وفي القاعات المغربية، انطلق يوم 8 يوليو عرض النسخة الحية من فيلم «موانا: أسطورة نهاية العالم»، من إخراج توماس كايل، وبمشاركة كاثرين لاغايا ودواين جونسون. ويعيد الفيلم صياغة حكاية الرسوم المتحركة المعروفة ضمن فضاءات بشرية وطبيعية أكثر واقعية. ولا يمثل دخوله إلى السوق المغربية مجرد إضافة إلى البرنامج الصيفي للقاعات، بل يؤكد استمرار هيمنة الاستوديوهات الكبرى على مواسم العرض، في وقت يظل فيه الفيلم المغربي مطالبا ببناء علاقة أكثر انتظاما مع الجمهور المحلي. 

أما في العالم العربي، فقد اختتم مهرجان الأفلام السعودية دورته الثانية عشرة بعد أسبوع من العروض واللقاءات في الظهران، وكان من أبرز لحظاته تكريم المخرجة هيفاء المنصور، إحدى الشخصيات التي أسهمت في نقل السينما السعودية إلى المحافل الدولية. ويختزل هذا التكريم مسارا يتجاوز الاحتفاء الفردي، لأنه يعيد التذكير بدور المخرجات العربيات في اختراق مؤسسات طالما كانت مغلقة أمام أصوات النساء. كما يعكس انتقال السينما السعودية من مرحلة التأسيس المتردد إلى مرحلة بناء المؤسسات والمهرجانات وشبكات التدريب والإنتاج. 

وفي الأردن، أعلن مهرجان عمّان السينمائي الدولي في 8 يوليو أسماء أعضاء لجان تحكيم «أيام عمّان لصناعة الأفلام»، وهي المنصة المهنية المخصصة لدعم المشاريع السينمائية العربية في مراحل التطوير وما بعد الإنتاج. وتحمل هذه المبادرة دلالة تتجاوز العروض الجماهيرية، لأنها تنقل المهرجان إلى قلب الصناعة، حيث التمويل والتدريب والتشبيك بين المنتجين والمخرجين. لقد أدركت مهرجانات عربية عديدة أن مستقبل السينما لا يُبنى بالسجادة الحمراء وحدها، بل في المختبرات الصغيرة التي تمنح المشروع الهش فرصة كي يتحول إلى فيلم. 

وفي إفريقيا، تواصل السينما الجنوب إفريقية حضورها خارج حدود القارة من خلال الدورة الثامنة لمهرجان الفيلم الجنوب إفريقي في أستراليا ونيوزيلندا، الممتدة من 21 يونيو إلى 26 يوليو 2026، والتي تجمع بين العروض داخل القاعات والمشاهدة الرقمية. وتضم التظاهرة أفلاما روائية ووثائقية وأعمالا موسيقية، من بينها أفلام تستعيد تاريخ الجنوب الإفريقي وتحولاته الاجتماعية. ويؤكد هذا الامتداد أن السينما الإفريقية لم تعد تنتظر اعتراف المركز الأوروبي وحده، بل صارت تؤسس مسارات بديلة للعرض داخل فضاءات الهجرة والجاليات والأسواق الثقافية البعيدة. 

كما أعادت القراءات التي أعقبت مهرجان كان 2026 طرح سؤال مستقبل السينما الإفريقية، بعد حضور عدد من الأفلام الإفريقية أو المرتبطة بالقارة داخل قسم «نظرة ما»، من بينها «بني إيمانا» و«فتى الكونغو» و«الفراولة». ولا تكمن أهمية هذا الحضور في العدد فقط، بل في تنوع الأساليب والبلدان والموضوعات، وفي انتقال الفيلم الإفريقي من موقع «الحكاية الإثنوغرافية» التي ينظر إليها الآخر، إلى موقع الخطاب الذي ينتج صورته الخاصة ويناقش العالم من داخل تجربته.

وفي أوروبا، أعلن مهرجان لوكارنو السويسري برنامجه لدورة 2026، متحدثا عن اختيار مغامر يضم أفلاما لهونغ سانغ سو ونسون يو، وعملا تشارك فيه مونيكا بيلوتشي. ويستمر المهرجان، المقرر بين 5 و15 أغسطس، في الدفاع عن سينما المؤلف والأشكال التي لا تجد مكانا سهلا داخل السوق التجارية. ويكشف البرنامج عن حاجة السينما الأوروبية إلى المحافظة على مختبراتها الجمالية، في مواجهة توحيد الأذواق الذي تفرضه المنصات والخوارزميات. 

وأعلن مهرجان البندقية، من جهته، منح جورج كلوني جائزة الأسد الذهبي عن مجمل مسيرته خلال دورته الثالثة والثمانين، المقررة من 2 إلى 12 سبتمبر 2026. ويعيد التكريم وصل الممثل والمخرج الأمريكي بمدينة احتضنت عددا من أفلامه وتحولاته الفنية. وهو تكريم لذاكرة نجم استطاع الانتقال بين السينما الجماهيرية والأفلام السياسية، دون أن يفقد حضوره داخل الصناعة الكبرى. 

وفي أمريكا، تصدر فيلم «المينيون والوحوش» شباك التذاكر خلال عطلة الرابع من يوليو، محققا 36.4 مليون دولار خلال عطلة نهاية الأسبوع، ومتقدما بفارق محدود على «حكاية لعبة 5». وتكشف هذه النتائج استمرار قوة الرسوم المتحركة والسلاسل المعروفة، لكنها تكشف أيضا اعتماد هوليوود المتزايد على الذاكرة التجارية للشخصيات القديمة. فالصناعة التي تخشى المخاطرة تعود إلى العلامات المضمونة، حتى وهي تدرك أن الجمهور ينتظر مفاجأة فنية لا مجرد إعادة تدوير ناجحة. 

هكذا تبدو حصيلة السينما خلال الأيام الماضية: المغرب يوسع فضاءات العرض والتكوين، والعالم العربي يبني مؤسساته، وإفريقيا تعبر نحو جماهير جديدة، وأوروبا تحرس تقاليد المهرجانات، فيما تواصل أمريكا مطاردة الرقم الكبير. وبين هذه الخرائط جميعا، تظل السينما فنا يبحث عن الإنسان داخل ازدحام الصور، ويقاوم لكي يبقى الفيلم تجربة في الذاكرة لا سلعة تنطفئ بانتهاء العرض.



0 التعليقات: