الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يوليو 17، 2026

أبواق الدعاية ومعركة السرديات في العلاقات الدولية: عبده حقي


لا توجد دولة حديثة تستطيع أن تكتفي بقوة جيشها أو حجم اقتصادها أو ثقلها الدبلوماسي إذا عجزت عن كسب معركة السرديات. فالعالم لم يعد يُدار بالوقائع وحدها، بل بالطريقة التي تُقدَّم بها تلك الوقائع إلى الرأي العام المحلي والدولي. ولهذا أصبحت الصورة الذهنية جزءًا من الأمن القومي، وأصبح الإعلام، ومراكز الدراسات، ومنصات التواصل الاجتماعي، وصناعة المحتوى، عناصر أساسية في ميزان القوة بين الدول.

لقد أدركت الأنظمة الشمولية، منذ القرن العشرين، أن السيطرة على السردية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. ولذلك استثمرت بكثافة في أجهزة الإعلام الرسمية، وأجهزة الرقابة، ومؤسسات الاتصال الخارجي، والوكالات الإخبارية، والإذاعات الموجهة، بل وفي بعض الحالات في شبكات التأثير خارج الحدود. وكان الهدف واضحًا: احتكار الحقيقة، وتقديم الرواية الرسمية باعتبارها الرواية الوحيدة المشروعة، مع إضعاف الروايات المنافسة أو نزع الشرعية عنها.

وقد شكّل الاتحاد السوفييتي أحد أبرز النماذج التاريخية لهذا النهج، حيث تحولت وسائل الإعلام إلى امتداد مباشر للدولة والحزب الحاكم، ولم يكن دورها نقل الخبر بقدر ما كان إنتاج الوعي السياسي الذي تريده السلطة. وانتقلت هذه الفلسفة بدرجات متفاوتة إلى عدد من الدول الاشتراكية، حيث أصبحت الثقافة نفسها جزءًا من المشروع السياسي، وأصبح الكاتب والفنان والصحفي مطالبين بخدمة "الرسالة الرسمية" للدولة.

وفي العالم العربي، عرف عدد من الأنظمة ذات الطابع السلطوي نماذج مختلفة من الاتصال السياسي المركزي. ففي العراق خلال عهد صدام حسين، وسوريا في عهد حافظ الأسد ثم بشار الأسد، كانت وسائل الإعلام الرسمية تؤدي دورًا محوريًا في تمجيد السلطة وصناعة صورة القيادة وتوجيه الرأي العام، مع تضييق كبير على الإعلام المستقل. أما في دول عربية أخرى، فقد اتخذت سياسات الاتصال الحكومي أشكالًا مختلفة تبعًا لبنية النظام السياسي ودرجة انفتاح المجال الإعلامي، ولا يصح اختزال جميع التجارب في نموذج واحد.

غير أن التحول الأكبر جاء مع الثورة الرقمية. فقد فقدت الدولة احتكارها للمعلومة، وأصبح ملايين الأفراد ينتجون المحتوى وينشرونه ويؤثرون في الرأي العام خلال ثوانٍ معدودة. ومع ذلك، لم تتراجع أهمية الاتصال السياسي، بل تغيرت أدواته. فبدل الاقتصار على الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية، انتقلت المنافسة إلى المنصات الرقمية، وإلى الحملات الإعلامية العابرة للحدود، وإلى الاستثمار في المؤثرين، والإعلانات الرقمية، ومراكز التفكير، والدبلوماسية الثقافية.

لقد أصبحت معركة السرديات اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالدول لا تسعى فقط إلى تحسين صورتها، بل إلى صياغة الرواية التي يقتنع بها العالم بشأن قضاياها الاستراتيجية. ولهذا تنفق بعض الحكومات مبالغ كبيرة على الاتصال الخارجي، والعلاقات العامة، وإنتاج المحتوى بلغات متعددة، والتعاون مع شركات استشارية متخصصة في بناء الصورة المؤسسية وإدارة السمعة الدولية.

وفي هذا السياق، يبرز النموذج المغربي بوصفه مقاربة مختلفة نسبيًا. فمنذ سنوات، ركز المغرب بصورة أساسية على العمل الدبلوماسي، والشراكات الاقتصادية، والانفتاح الإفريقي، والدبلوماسية الدينية، والتعاون الأمني، والاستثمار في البنية التحتية الكبرى، باعتبارها أدوات لإبراز حضوره الإقليمي والدولي. وقد انعكس ذلك في اتساع شبكة العلاقات الدولية للمملكة، وفي الدعم الذي أعلنته دول عديدة لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسًا جادًا وذا مصداقية لتسوية قضية الصحراء، إضافة إلى افتتاح عدد من القنصليات في مدينتي العيون والداخلة.

ومع ذلك، فإن النجاحات الدبلوماسية لا تعني انتهاء معركة السردية. فالقضايا ذات البعد الدولي لا تُحسم في قاعات التفاوض وحدها، بل أيضًا في الجامعات، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام العالمية، والمنصات الرقمية، وصناعة الأفلام الوثائقية، والكتب، والدراسات الأكاديمية. ولهذا يرى كثير من الباحثين أن المغرب يحتاج إلى مضاعفة الاستثمار في القوة الناعمة، ليس من خلال الدعاية التقليدية، وإنما عبر المعرفة والإنتاج الثقافي والعلمي.

إن القوة الناعمة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمصداقية. وهي لا تقوم على تكرار الرسائل الرسمية، وإنما على إنتاج محتوى يستطيع الصمود أمام النقد والتمحيص. ولذلك فإن دعم الترجمة، وتشجيع البحث العلمي، وإنشاء مراكز دراسات متخصصة، وإنتاج أفلام وثائقية رصينة، وتكوين خبراء في الاتصال الدولي، كلها استثمارات استراتيجية أكثر تأثيرًا على المدى الطويل من الحملات الإعلامية العابرة.

ولعل أحد أبرز الدروس التي تقدمها التجارب الدولية هو أن الدولة التي تكتفي بالدفاع عن مواقفها داخل حدودها تخسر جزءًا مهمًا من المعركة. أما الدولة التي تنجح في تحويل سرديتها إلى موضوع للنقاش الأكاديمي والإعلامي والثقافي العالمي، فإنها تكتسب تأثيرًا يتجاوز حدود الخطاب السياسي المباشر.

ولذلك فإن الرهان الحقيقي بالنسبة للمغرب لا يكمن في تقليد نماذج الدعاية التي عرفتها بعض الأنظمة الشمولية، بل في بناء منظومة متكاملة للقوة الناعمة، تجمع بين الدبلوماسية، والثقافة، والبحث العلمي، والإعلام المهني، والاقتصاد، والابتكار، والوجود الرقمي متعدد اللغات. فهذه الأدوات أكثر انسجامًا مع التحولات التي يعرفها العالم، وأكثر قدرة على إقناع الرأي العام الدولي.

لقد أثبت التاريخ أن الدعاية قد تحقق انتصارات إعلامية مؤقتة، لكنها نادرًا ما تصنع شرعية دائمة. أما الدول التي تستند إلى مؤسسات قوية، وخطاب موثق، وإنجازات ملموسة، فإن صورتها تترسخ بمرور الزمن دون حاجة إلى ضجيج إعلامي دائم. وفي عالم تتنافس فيه السرديات بقدر ما تتنافس فيه المصالح، تصبح القوة الناعمة القائمة على المعرفة والمصداقية أحد أهم أصول الدولة الحديثة، وأحد المفاتيح الأساسية لتعزيز مكانتها الدولية والدفاع عن قضاياها الاستراتيجية.


0 التعليقات: