إن الأنظمة لا تُقاس بكلمات رؤسائها أمام الكاميرات، ولا بابتساماتهم خلال لقاءات الجاليات، وإنما تُقاس بالقوانين التي تطبقها، والسجون التي تفتحها أو تغلقها، والمحاكمات التي توقفها أو تواصلها، والمساحة التي تتركها للمواطن كي يعترض ويكتب ويحتج من دون أن تتحول حياته إلى ملف أمني.
لقد دعا الرئيس الجزائري، خلال لقاء مع أفراد من الجالية الجزائرية في برلين، المعارضين إلى العودة، وقال إن أبواب الجزائر مفتوحة أمامهم ما داموا لا يمارسون السب والقذف والتشهير. وفي الظاهر، قد يبدو هذا الكلام مبادرة تصالحية ورسالة انفتاح، لكنني أرى أنه لا يتجاوز حدود المناورة السياسية ما لم يتبعه تغيير جذري في تعامل النظام مع المعارضة وحرية التعبير.
فالسلطة التي تريد فعلًا عودة معارضيها لا تكتفي
بدعوتهم من منصة في الخارج، بل تبدأ بإطلاق سراح معارضيها الموجودين في الداخل.
والسلطة التي تحترم الرأي الآخر لا تجعل من كل انتقاد للرئيس إساءةً إلى الدولة،
ولا من كل تدوينة احتجاجية تهديدًا للأمن القومي، ولا من كل حركة سياسية مستقلة
تنظيمًا إرهابيًا.
لهذا اعتبرت رسالة ثلاثة وخمسين ناشطًا جزائريًا
مقيمًا في الولايات المتحدة وفرنسا وكندا ودول أخرى لحظة سياسية كاشفة. فقد التقط
هؤلاء دعوة الرئيس، ووضعوا السلطة أمام مسؤوليتها، وقالوا بوضوح إنهم مستعدون
للعودة والمساهمة في تنمية بلدهم والدفاع عن الديمقراطية، لكنهم طالبوا بضمانات
حقيقية لا بعبارات دبلوماسية فضفاضة.
السؤال الذي يطرح نفسه أمامي هو: ما معنى أن تدعو
السلطة المعارض إلى العودة، ثم تترك أبواب الاعتقال والمتابعة القضائية مفتوحة
أمامه؟
هل المطلوب من المعارض أن يشتري تذكرة سفر إلى
الجزائر ليكتشف في المطار أن تصريحاته القديمة تحولت إلى ملف قضائي؟ وهل عليه أن
يصدق خطابًا سياسيًا عابرًا، بينما القوانين والممارسات الأمنية لم تتغير؟
إن الدعوة إلى العودة من دون ضمانات قانونية ليست
مصالحة، بل قد تتحول إلى استدراج سياسي. فالضمان الحقيقي لا يكون بكلمة شفوية تصدر
عن رئيس الدولة، وإنما بقرارات معلنة وملزمة، تشمل وقف المتابعات المرتبطة بالرأي،
وإلغاء مذكرات التوقيف الصادرة بسبب النشاط السياسي السلمي، وضمان عدم اعتقال
العائدين أو إخضاعهم لتحقيقات أمنية بسبب مواقفهم.
أما أن يقال للمعارض: «عُد إلى وطنك، لكننا نحن
الذين سنحدد بعد عودتك ما إذا كان كلامك نقدًا أم تشهيرًا»، فهذه ليست دولة قانون،
بل سلطة تضع نفسها في موقع الخصم والقاضي والسجّان.
أخطر ما تكشفه هذه القضية أن النظام الجزائري لا
يبدو راغبًا في معارضة حقيقية، بل يريد معارضين منزوعي الصوت، يعودون إلى البلاد
بعد أن يتخلوا عن خطابهم ومواقفهم، ويكتفوا بحياة صامتة لا تزعج السلطة ولا تفضح
تناقضاتها.
إنه يريد من المعارض أن يعود جسديًا، لكن بشرط أن
يترك أفكاره في المطار.
يريد منه أن يدخل الجزائر مواطنًا مطيعًا، لا
فاعلًا سياسيًا.
يريد منه أن يقبل وطنًا بلا حق في مساءلة الحاكم،
وبلا صحافة مستقلة قادرة على التحقيق، وبلا فضاء عام يحتمل الاختلاف.
وهذا هو جوهر المشكلة. فالسلطة لا تعترف بالمعارضة
باعتبارها مكونًا طبيعيًا من مكونات الدولة، بل تتعامل معها كمرض أمني يجب احتواؤه
أو عزله أو إخضاعه. وعندما تقول للمعارضين إنهم مرحب بهم بشرط ألا «يشهّروا»،
فإنها تترك لنفسها سلطة تعريف التشهير بطريقة قد تشمل كل نقد حاد وكل تحقيق صحفي
وكل مطالبة بالمحاسبة.
من حقي، ومن حق أي صحفي أو مواطن جزائري، أن يقول
إن سياسة الرئيس فاشلة، وإن الحكومة أخفقت، وإن مؤسسات الدولة تحتاج إلى إصلاح،
وإن المسؤولين مطالبون بتقديم حساباتهم. هذا نقد سياسي مشروع، لا قذف ولا سب.
أما تحويل الرئيس إلى شخص فوق النقد، وجعل الاعتراض
على سياساته اعتداءً على هيبة الدولة، فهو سلوك لا يصدر عن نظام واثق من شرعيته،
بل عن نظام يخشى الكلمة لأنه يعرف أن الصورة التي يروّجها عن نفسه قابلة للانهيار
أمام أول نقاش حر.
طالبت رسالة الناشطين بضمان حرية التنقل، وإنهاء
العراقيل الإدارية المتعلقة بجوازات السفر، ووقف قرارات منع الدخول أو الخروج التي
لا تستند إلى أحكام قضائية.
وهذا المطلب يفضح واحدة من أكثر ممارسات الأنظمة
السلطوية قسوة: تحويل الوثائق الشخصية إلى أدوات ابتزاز سياسي.
جواز السفر ليس هدية من الحاكم، بل حق من حقوق
المواطن. والعودة إلى الوطن ليست امتيازًا تمنحه الأجهزة الأمنية لمن ترضى عنه، بل
حق لا يجوز مصادرته بسبب رأي سياسي أو نشاط إعلامي.
حين يُمنع المواطن من السفر من دون قرار قضائي، أو
يُحتجز لساعات في المطار بانتظار موافقة جهة أمنية مجهولة، أو يُحرم من وثائقه
بسبب موقف أحد أقاربه، فإننا لا نكون أمام دولة تحكمها المؤسسات، بل أمام إدارة
أمنية تتصرف في حقوق الناس كأنها ملك خاص.
كيف يمكن لمعارض مقيم في الخارج أن يثق بدعوة
العودة، وهو يخشى أن يدخل الجزائر ولا يستطيع مغادرتها؟ وكيف يمكن للنظام أن يتحدث
عن المصالحة، بينما يظل السفر والدخول والخروج خاضعًا لرضا أجهزة لا تقدم تفسيرًا
ولا تخضع للمحاسبة؟
تحدثت الرسالة عن مطالبة بعض المعارضين بالتوقيع
على ما يشبه «إعلانات التوبة»، والتراجع عن قناعاتهم السياسية مقابل تسوية أوضاعهم
أو السماح لهم بالعودة.
وأنا أرى أن مجرد تداول مثل هذه الممارسة يمثل
إهانة لفكرة المواطنة.
المعارض السياسي ليس مجرمًا كي يعلن توبته.
والاختلاف مع الرئيس ليس ذنبًا دينيًا أو أخلاقيًا يحتاج إلى اعتراف وندم. كما أن
الانتماء إلى تيار سياسي لا تؤيده السلطة لا يسقط عن الإنسان حقوقه الدستورية.
إن مطالبة المعارض بالتوبة تعني أن النظام لا يرى
نفسه طرفًا سياسيًا قابلًا للنقد، بل حقيقة مقدسة لا يجوز الاعتراض عليها. وتعني
كذلك أن السلطة تريد تحويل الخلاف السياسي إلى خطيئة، والولاء إلى واجب، والصمت
إلى شرط لدخول الوطن.
ما الذي يريده النظام من المعارض تحديدًا؟ أن يقول
إنه كان مخطئًا طوال السنوات الماضية؟ أن يشهد بأن الرئيس كان محقًا دائمًا؟ أن
يتخلى عن أصدقائه وتنظيمه وأفكاره؟ أن يعود مكسورًا حتى تقدمه السلطة دليلًا على
انتصارها؟
هذا ليس تصالحًا، بل إذلال سياسي متعمد.
الوطن ليس ملكًا للرئيس ولا للحكومة ولا للمؤسسة
العسكرية ولا لأجهزة الأمن. الوطن ملك لجميع مواطنيه، بمن فيهم الذين يعارضون
الرئيس ويرفضون سياساته ويدعون إلى تغيير النظام بوسائل سلمية.
وقد أكدت الرسالة أن القناعات السياسية شخصية، وأنه
لا يحق لأي جهة أن تجبر الجزائريين على التخلي عنها مقابل الاعتراف بحقهم في
العودة.
لا يمكنني أن أصدق دعوة السلطة إلى عودة المعارضة
من الخارج، بينما يواجه ناشطون وصحفيون ومعارضون في الداخل الاعتقال والمتابعة
والمراقبة والمنع من التنقل.
إذا أراد النظام إثبات حسن نيته، فليبدأ بمن هم
داخل الجزائر.
ليطلق سراح معتقلي الرأي.
ليوقف المحاكمات المرتبطة بالمواقف السياسية
السلمية.
ليلغِ القيود المفروضة على الصحفيين والنشطاء.
وليسمح للمعارضين الموجودين في البلاد بالعمل
والتنقل والكتابة والاجتماع من دون أن تتحول حياتهم إلى سلسلة من الاستدعاءات
والتحقيقات.
أما أن يقول النظام للمعارض الموجود في باريس أو
مونتريال أو واشنطن: «عُد وستكون آمنًا»، بينما يشاهد هذا المعارض زملاءه داخل
الجزائر يُحاصرون ويُلاحقون، فذلك استخفاف بالعقول.
كيف يثق معارض الخارج في سلطة لم تثبت احترامها
لمعارض الداخل؟
كيف يصدقها وهي تدعو البعيد إلى العودة، لكنها تضيق
على القريب المقيم وسط البلاد؟
المصالحة لا تبدأ بخطاب أمام الجالية، بل تبدأ من
داخل الزنازين وقاعات المحاكم ومقار الصحف والجامعات والساحات العامة.
من أخطر مطالب الرسالة الدعوة إلى مراجعة أو إلغاء
المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، التي يرى منتقدوها أنها توسع تعريف الإرهاب على
نحو يسمح بإدراج أنشطة سياسية وتعبيرية سلمية ضمن هذا التصنيف.
لا أتفق بالضرورة مع كل الحركات السياسية
الجزائرية، ولا مع المشاريع الانفصالية أو الأيديولوجية التي تطرحها بعض
التنظيمات، لكن الاختلاف معها لا يمنح الدولة حق وصفها بالإرهاب من دون إثبات
ارتباطها بالعنف.
الإرهابي هو من يحمل السلاح أو يدعو إلى القتل أو
يخطط للاعتداء على المدنيين أو يستخدم الخوف وسيلة لتحقيق أهدافه. أما من يكتب
مقالًا أو يدافع عن مشروع سياسي أو ينتمي إلى تنظيم معارض، فلا يمكن تحويله إلى
إرهابي لمجرد أن أفكاره تزعج السلطة.
إن الخلط المتعمد بين المعارضة والإرهاب لا يحمي
الدولة، بل يحمي النظام من النقد. وهو أسلوب معروف لدى السلطات التي تريد تجريم
خصومها أخلاقيًا وقانونيًا، بدل مواجهتهم في انتخابات نزيهة ومناظرات مفتوحة
وصحافة حرة.
وعندما يصبح كل معارض متهمًا محتملًا بالإرهاب،
تتحول الدولة نفسها إلى آلة لإنتاج الخوف، ويصبح القانون غطاءً للقمع بدل أن يكون
ضمانة للحقوق.
من المفارقات الصارخة أن يطالب النظام معارضيه بعدم
التشهير، بينما تتولى وسائل إعلام قريبة من السلطة شن حملات منظمة ضد الأصوات
المنتقدة، وتقديمها أحيانًا بوصفها خائنة أو عميلة أو معادية للوطن.
بحسب النص الذي تناول رسالة الناشطين، فإن الحملات
الإعلامية ضد المعارضة لا تصدر فقط عن أفراد، بل تُنسب كذلك إلى وسائل إعلام عامة
وخاصة مرتبطة بالسلطة.
هنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا يُسمح لإعلام
السلطة بأن يتهم ويخوّن ويشوّه، بينما يُطلب من المعارض أن ينتقي كلماته بعناية
حتى لا تُفسر بوصفها إهانة؟
إن النظام الذي يستخدم الإعلام لتصفية خصومه، ثم
يقدم نفسه مدافعًا عن الأخلاق والاحترام، يمارس ازدواجية فاضحة. فهو يريد حرية
التعبير لأنصاره، لكنه يطالب خصومه بالصمت. يسمح بالتشهير عندما يستهدف المعارضين،
لكنه يجرّمه عندما يقترب النقد من الرئيس والمؤسسات النافذة.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد هو أن يتحول الوطن في
وعي مواطنيه إلى مكان يخشون دخوله أو يخشون ألا يستطيعوا مغادرته.
الوطن الذي يحتاج المواطن إلى إذن أمني للعودة إليه
ليس وطنًا كاملًا.
والبلد الذي يضطر المعارض إلى إعلان توبته كي يعيش
فيه ليس دولة مواطنة.
والسلطة التي تضع الصحفي تحت المراقبة، وتمنع
الناشط من السفر، وتحاكم السياسي بسبب رأيه، لا تحمي الاستقرار، بل تؤجل الانفجار
وتراكم الغضب.
لا أتمنى للجزائر الفوضى، ولا أكتب شماتةً في
شعبها. على العكس، أكتب لأنني أؤمن بأن الشعب الجزائري يستحق دولة أفضل من دولة
تخاف من مواطنيها، وتتعامل مع اختلافهم كتهديد وجودي.
الشعب الجزائري، الذي قدم تضحيات هائلة من أجل
الاستقلال، لا يستحق أن تتحول الدولة التي وُلدت من تلك التضحيات إلى سلطة تُخضع
الناس باسم الشرعية الثورية، وتطلب منهم الطاعة باسم حماية الوطن.
إن رسالة الناشطين الثلاثة والخمسين ليست مجرد
عريضة أخرى ستختفي بعد أيام، بل امتحان سياسي مباشر للرئيس عبد المجيد تبون.
لقد قال إن المعارضين مرحب بهم، وعليه الآن أن يثبت
ذلك.
لا أريد سماع خطاب جديد.
لا أريد وعودًا أخرى.
لا أريد لجانًا تُشكَّل ثم تختفي.
المطلوب إجراءات واضحة: عفو سياسي، وإطلاق سراح
معتقلي الرأي، ووقف المتابعات بسبب النشاط السلمي، وضمان حرية السفر، وإلغاء وثائق
التوبة، ومراجعة قوانين مكافحة الإرهاب، وفتح المجال أمام الإعلام المستقل.
لقد طالبت الرسالة بالانتقال من الأقوال إلى
الأفعال، لأن الوعود التي لا تتبعها قرارات لا تؤدي إلا إلى توسيع فجوة عدم الثقة
بين المواطنين والسلطة.
أما إن استمرت السلطة في دعوة المعارضين إلى
العودة، وهي تحتفظ بالقوانين والأجهزة والممارسات نفسها، فإن الدعوة ستبقى مجرد
مسرحية سياسية رديئة الإخراج.
لن تنجح المصالحة بالإكراه.
لن تُبنى الثقة بالخطب.
ولن يصبح المعارض وطنيًا فقط عندما يصمت.
إن النظام الجزائري مطالب بأن يفهم أن الجزائر أكبر
من رئيسها، وأكبر من حكومتها، وأكبر من أجهزتها الأمنية، وأن الوطن لا يستقر
بإسكات الأصوات، بل بإعطائها الحق في الكلام.
وفي تقديري، لا يخشى النظام الجزائري معارضيه لأنهم
أقوياء، بل لأنه يدرك أن كثيرًا من أسئلتهم مشروعة، وأنه لا يملك دائمًا أجوبة
مقنعة عنها. ولذلك يفضل تصنيفهم وتشويههم وملاحقتهم بدل مواجهتهم سياسيًا.
لقد وضع الناشطون الثلاثة والخمسون مطالبهم على
الطاولة، ولم يعد أمام الرئيس تبون مجال للاختباء خلف العبارات العامة. إما أن
يختار مصالحة وطنية حقيقية تعترف بحق الجزائريين في المعارضة، وإما أن يكشف أن
دعوته لم تكن سوى محاولة لتجميل صورة نظام يريد من معارضيه أن يعودوا إلى الوطن،
بشرط ألا يسمع لهم أحد صوتًا.








0 التعليقات:
إرسال تعليق