الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يوليو 24، 2026

قضية كريستوف غليز واختبار حرية الصحافة في الجزائر: عبده حقي


أتابع بقلق قضية الصحفي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، الذي أوقفته السلطات الجزائرية في تيزي وزو، خلال إنجازه عملاً صحفيًا يتعلق بنادي شبيبة القبائل، قبل أن توجه إليه تهم مرتبطة بالتواصل مع جهات تصنفها الجزائر تنظيمات إرهابية. وبحسب المعطيات الواردة في النص المتداول، فقد صدرت في حقه عقوبة سجنية قاسية، رغم أن نشاطه المعلن كان ذا طبيعة رياضية وصحفية.

لا أملك جميع وثائق الملف، ولذلك لا أستطيع أن أحسم في حقيقة الوقائع أو في الأدلة التي استند إليها القضاء الجزائري. غير أنني أرى أن هذه القضية تطرح أسئلة مشروعة بشأن الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي والنشاط السياسي، ومدى جواز اعتبار تواصل الصحفي مع مصدر معارض دليلاً على تبني مواقفه أو المشاركة في أنشطته.

فالصحفي، بحكم مهنته، يتواصل مع مصادر مختلفة، قد تكون رسمية أو معارضة أو مثيرة للجدل. ومجرد إجراء مقابلة أو طلب معلومات لا يعني بالضرورة تأييد أفكار المصدر. وإذا أصبح الاتصال بجهة لا ترضى عنها السلطة سببًا لتوجيه اتهامات خطيرة، فإن الصحافة الاستقصائية ستتحول إلى مهنة محاصرة بالخوف والرقابة الذاتية.

وقد تجاوز ملف كريستوف غليز حدوده القضائية الداخلية، ليصبح قضية سياسية وإعلامية تؤثر في صورة الجزائر خارج حدودها. فاعتقال صحفي أجنبي والحكم عليه بعقوبة ثقيلة يفتحان الباب أمام اهتمام المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الدولية والمؤسسات الدبلوماسية، ويجعلان النقاش مرتبطًا بمدى احترام حرية الصحافة وضمانات المحاكمة العادلة.

ولفت انتباهي، في هذا السياق، الموقف المنسوب إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عندما سئل خارج الجزائر عن إمكان العفو عن الصحفي، فأجاب بأنه لن يناقش القضية خارج بلده احترامًا للعدالة الجزائرية. ومن حيث المبدأ، يبدو احترام القضاء موقفًا سليمًا، لكن هذا الخطاب لا يكون مقنعًا إلا إذا رافقته محاكمة شفافة، وأدلة واضحة، وضمانات حقيقية للدفاع، واستقلال فعلي للمؤسسة القضائية عن السلطة التنفيذية.

إن استقلال القضاء لا يثبت بالشعارات والتصريحات البروتوكولية، وإنما يظهر من خلال الإجراءات: تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه، وإتاحة الطعن، وتقديم التهم بصورة دقيقة، وإقناع الرأي العام بأن العقوبة متناسبة مع الأفعال المثبتة، لا مع المواقف السياسية المفترضة.

كما يقلقني أن تتحول القضية إلى ورقة تفاوض بين الجزائر وفرنسا. فقد تضمن النص الأصلي حديثًا عن احتمال ربط مصير الصحفي بملفات أمنية وقضائية أخرى بين البلدين. وهي ادعاءات لا يمكن اعتبارها حقائق ثابتة من دون أدلة مستقلة، غير أن تداولها يكشف حجم التداخل الممكن بين القضاء والسياسة والدبلوماسية في مثل هذه القضايا.

ولا يعني الدفاع عن حرية الصحافة أن يكون الصحفي فوق القانون. فإذا ارتكب أي صحفي مخالفة جنائية مثبتة، فمن حق القضاء أن يحاسبه وفق إجراءات عادلة. لكن الفارق كبير بين محاسبة شخص على فعل محدد ومدعوم بالأدلة، وبين تجريم عمله المهني لأنه تواصل مع مصادر معارضة أو بحث في ملفات حساسة.

وأرى أن معالجة هذا الملف تقتضي الكشف عن الأدلة التي بني عليها الحكم، وضمان محاكمة عادلة وعلنية، والنظر في مدى تناسب العقوبة مع الوقائع المنسوبة إلى الصحفي. فمراجعة الحكم أو إعادة المحاكمة في ظروف أكثر شفافية لا تمثل ضعفًا للدولة، بل يمكن أن تكون علامة على ثقتها في مؤسساتها واستعدادها لتصحيح أي خلل محتمل.

إن الجزائر بلد كبير بتاريخه وشعبه وتضحياته، ولا ينبغي أن تختزل صورته في قضية صحفي واحد. لكن حماية صورة الدولة لا تتحقق بإغلاق الملفات أو إسكات الأسئلة، بل بمواجهة الانتقادات بالقانون والشفافية، وبإثبات أن القضاء قادر على حماية الأمن من دون التضحية بالحريات.

ومن وجهة نظري، تمثل قضية كريستوف غليز اختبارًا حقيقيًا لطريقة تعامل السلطة الجزائرية مع الصحافة والاختلاف والضغوط الخارجية. والخروج منها بأقل الخسائر لا يكون بالمكابرة أو بتحويلها إلى مواجهة سيادية، وإنما بضمان العدالة الحقيقية؛ عدالة لا تخاف من الأدلة ولا من المراقبة، وتدرك أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على احترام الحقوق، لا بعدد الأصوات التي تستطيع تقييدها.


0 التعليقات: