لا تُقاس نجاعة السياسات الوطنية الكبرى بما تحققه من مكاسب ظرفية أو بما تنتجه من عناوين إعلامية عابرة، بل بقدرتها على تغيير نظرة العالم إلى القضية، وتحويل موازين النقاش، وفرض مفردات جديدة على لغة الدبلوماسية الدولية. ومن هذا المنظور، أرى أن السياسة المغربية في الصحراء قد نجحت في الانتقال من مرحلة الدفاع عن الحق التاريخي والسيادي إلى مرحلة أكثر تقدمًا، صار فيها المغرب هو الذي يحدد أفق الحل ويضع فوق الطاولة المبادرة الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
لقد أدرك المغرب مبكرًا أن قضية الصحراء لا يمكن أن تُدار بالشعارات وحدها، وأن قوة الموقف السياسي لا تنفصل عن صلابة الدولة، واستقرار المؤسسات، ووضوح الرؤية، واستمرار العمل الدبلوماسي الهادئ. لذلك لم يجعل من وحدته الترابية موضوعًا للمساومة أو للمزايدة، لكنه في الوقت نفسه لم يغلق أبواب الحل، بل تقدم بمبادرة الحكم الذاتي بوصفها صيغة تجمع بين السيادة المغربية والتدبير الديمقراطي الواسع للشؤون المحلية.
قيمة هذه المبادرة لا تكمن فقط في مضمونها القانوني والسياسي، بل في الفلسفة التي تقوم عليها. فهي لا تسعى إلى إنتاج غالب ومغلوب، ولا إلى إذلال أي طرف، وإنما تقترح إنهاء نزاع طال أمده من خلال تمكين سكان الصحراء من مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية، ومن صلاحيات واسعة في تدبير الاقتصاد والثقافة والتنمية والشؤون الاجتماعية، داخل دولة مغربية موحدة تحمي سيادتها وحدودها ومصالحها الاستراتيجية.
هذا التصور هو الذي جعل الحكم الذاتي ينتقل تدريجيًا من كونه مبادرة مغربية إلى مرجعية أساسية داخل النقاش الدولي. ففي قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، دعا المجلس إلى مفاوضات تستند إلى المقترح المغربي، وأقر بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل واحدًا من أكثر المخرجات قابلية للتحقق، مع التأكيد على ضرورة الوصول إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه. ولم يعد الأمر، إذن، مجرد إشادة بجهود المغرب، بل صار المقترح المغربي أساسًا عمليًا للمسار التفاوضي الأممي.
الأهم أن هذا التحول لم يبق محصورًا داخل مجلس الأمن. ففي يناير 2026 تبنى الاتحاد الأوروبي موقفًا مشتركًا اعتبر فيه أن الحكم الذاتي الحقيقي قد يمثل الحل الأكثر قابلية للتنفيذ، ورحب باستعداد المغرب لتوضيح تفاصيل المشروع والانخراط بحسن نية مع الأطراف المعنية. إن صدور هذا الموقف عن الاتحاد الأوروبي بصفته تكتلًا سياسيًا واقتصاديًا مؤثرًا يعكس اتساع دائرة الاقتناع بأن الحل الواقعي لا يمكن أن يُبنى على إعادة إنتاج مقترحات تجاوزتها التحولات الإقليمية والدولية.
وخلال سنة 2026، تعزز هذا الاتجاه بمواقف أوروبية متتالية. فقد أكدت ألمانيا أن مبادرة الحكم الذاتي تشكل أساسًا جديًا وذا مصداقية للمفاوضات، وأن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يكون من أكثر الحلول قابلية للتحقق. كما رحبت سويسرا بقرار مجلس الأمن وبإشارته إلى الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه حلًا عمليًا ممكنًا. وأعلنت المملكة المتحدة دعمها للمبادرة المغربية باعتبارها أساسًا موثوقًا وعمليًا وقابلًا للحياة من أجل السلام. وانضمت هولندا وفنلندا إلى هذا المنحى المتزايد داخل القارة الأوروبية.
هذه المواقف لا تعني أن النزاع انتهى بقرار واحد أو بيان دبلوماسي واحد، لكنها تؤكد أن ميزان القناعة الدولية يتحرك بثبات نحو الواقعية. فالدول الكبرى لم تعد راغبة في تمويل نزاع مفتوح إلى ما لا نهاية، ولا في الإبقاء على منطقة المغرب العربي رهينة للجمود والخصومات. إنها تبحث عن حل يحفظ الاستقرار، ويضمن للسكان تدبير شؤونهم، ويفتح أبواب التنمية والتكامل الاقتصادي ومحاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.
وقد أحسن المغرب فهم هذه التحولات. لذلك لم يفصل بين الدبلوماسية والتنمية، ولم يتعامل مع الصحراء باعتبارها مجرد حدود ينبغي حراستها، بل باعتبارها فضاءً بشريًا واقتصاديًا يجب تأهيله. فالعيون والداخلة وبقية مدن الأقاليم الجنوبية لم تعد مجرد أسماء مرتبطة بنزاع سياسي، وإنما تحولت إلى مراكز عمرانية واقتصادية، وإلى بوابات للتعاون المغربي الإفريقي، وإلى فضاءات تستقطب الاستثمار في الموانئ والطاقة المتجددة والصيد البحري والسياحة والخدمات.
كما أن افتتاح عشرات التمثيليات القنصلية في العيون والداخلة يحمل دلالة سياسية واقتصادية واضحة. فالقنصلية ليست عبارة مجاملة، بل مؤسسة سيادية دائمة، ووجودها يعني أن الدول التي افتتحتها تريد بناء علاقات مباشرة، وتنمية التجارة والاستثمار، والتعامل مع المدينتين باعتبارهما جزءًا من المجال المؤسساتي والاقتصادي المغربي. وتشير المعطيات الدبلوماسية المغربية إلى افتتاح 28 دولة ومنظمة تمثيليات قنصلية في المدينتين.
أما على المستوى الإنساني، فلا يمكن الحديث عن الصحراويين كما لو كانوا كتلة صامتة يمتلك طرف واحد حق التحدث باسمها. توجد آراء متباينة بفعل تاريخ النزاع، لكن هناك أيضًا سكان يعيشون في العيون والداخلة والسمارة وبوجدور، وينتخبون ممثليهم، ويديرون مجالسهم الترابية، ويشاركون في المؤسسات الوطنية، ويربطون مستقبل أبنائهم بالتنمية والاستقرار داخل المملكة المغربية. وقد عرض ممثلون منتخبون عن المنطقة أمام لجان الأمم المتحدة رؤيتهم المؤيدة للحكم الذاتي باعتباره مخرجًا واقعيًا يحفظ الكرامة ويمنح السكان صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم. وفي المقابل، توثق الأمم المتحدة استمرار وجود مواقف معارضة، وهو ما يجعل الحل السياسي التوافقي أكثر ضرورة من ادعاء أي جهة احتكار تمثيل جميع الصحراويين.
إن رغبة شرائح واسعة من سكان الأقاليم الجنوبية في الاستمرار داخل المملكة لا ينبغي اختزالها في خطاب عاطفي، بل يجب فهمها من خلال المصالح الواقعية: الأمن، والاستقرار، والتعليم، والصحة، وحرية التنقل، والاستثمار، والتمثيل السياسي، والحفاظ على الروابط العائلية والقبلية الممتدة في مختلف جهات المغرب. فالناس لا يعيشون داخل قرارات تاريخية جامدة، وإنما داخل حاضر يبحثون فيه عن العمل والكرامة ومستقبل الأبناء.
لهذا أرى أن أقوى ما حققته السياسة المغربية هو أنها جعلت الحكم الذاتي يبدو حلًا طبيعيًا لا استثناءً سياسيًا. فهو يمنح السكان إمكانية إدارة شؤونهم في إطار مؤسسات محلية قوية، ويضمن للمغرب سيادته ووحدته الترابية، ويقدم للمجتمع الدولي تسوية قابلة للتنفيذ، كما يفتح الباب أمام عودة المحتجزين في مخيمات تندوف إلى عائلاتهم ووطنهم والمشاركة في بناء مستقبل مشترك.
لقد ربحت الدبلوماسية المغربية مساحات مهمة لأنها تحركت بالنَّفَس الطويل، وبنت شراكاتها على المصالح المتبادلة، وربطت الدفاع عن الوحدة الترابية بصورة المغرب بوصفه دولة مستقرة وموثوقة. ولم تعد العديد من العواصم تنظر إلى القضية من خلال الأدبيات القديمة للحرب الباردة، بل من خلال تحديات الأمن الإقليمي والتنمية والتعاون جنوب–جنوب ومواجهة التطرف والهجرة غير النظامية.
غير أن تثمين هذه النجاحات لا يعني الركون إليها. فالمطلوب اليوم هو تقديم تفاصيل أكثر وضوحًا وجرأة عن مشروع الحكم الذاتي، وتعزيز المشاركة السياسية للشباب والنساء في الأقاليم الجنوبية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وربط الاستثمارات الكبرى بخلق فرص العمل المحلية، وترسيخ الشفافية والحكامة وحقوق الإنسان. فالمغرب سيكون أكثر إقناعًا كلما جعل النموذج الذي يقترحه محسوسًا في حياة المواطنين، لا مجرد صياغة قانونية ناجحة في المحافل الدبلوماسية.
إن الصحراء المغربية لا تحتاج إلى خطابات الانتصار وحدها، بل إلى استمرار البناء، وإلى تحويل التأييد الدولي المتزايد إلى سلام دائم، وإلى جعل الحكم الذاتي مشروع مصالحة وتنمية وكرامة. وهذا بالضبط ما يمنح السياسة المغربية قوتها: إنها لا تعرض على المنطقة حدودًا مغلقة ومخيمات وانتظارًا بلا نهاية، بل تعرض دولة ومؤسسات وتنمية وأفقًا سياسيًا واقعيًا.
لقد أصبح السؤال الحقيقي أمام المجتمع الدولي ليس ما إذا كانت المقترحات القديمة قادرة على إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، بل متى تتوافر الإرادة السياسية للانتقال من إدارة النزاع إلى حله. وفي هذا الانتقال، يقف المغرب اليوم في موقع المبادِر الواثق، مسنودًا بشرعية وطنية راسخة، وبحضور تنموي متنامٍ، وبتأييد دولي يتسع عامًا بعد عام، وبمشروع حكم ذاتي يفتح أمام الصحراويين باب المستقبل داخل وطن موحد، آمن ومتعدد.








0 التعليقات:
إرسال تعليق