الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يوليو 26، 2026

الفنون التشكيلية : المدن المهدَّدة وذاكرة الهجرة واتساع حدود الصورة


كشفت حصيلة الأسبوع الماضي في مجال الرسم والفنون التشكيلية أن المعارض لم تعد تكتفي بعرض اللوحات داخل فضاءات مغلقة، بل أصبحت مختبرات مفتوحة لمساءلة المدينة والذاكرة والهجرة والهوية والتحولات الاجتماعية. ففي المغرب حضرت آثار الهدم والعبور الثقافي وتجارب الفنانين الشباب، بينما برز في العالم العربي اتجاه واضح نحو توسيع مفهوم الصورة وإقامة جسور بين الفن المعاصر والتراث. أما في أوروبا، فقد اتجهت أبرز التظاهرات إلى إعادة توظيف الكنائس والمباني المهجورة، وإحياء الحرف النسيجية، واستعادة أعمال فنانين ظلوا طويلًا على هامش السردية الفنية الرسمية.

المغرب: الفن يقرأ تحولات المدينة والذاكرة

مراكش: الهدم يتحول إلى أرشيف فني

ظل معرض «تحت الهدم» للفنان إسماعيل العلوي فضيلي، المقام في متحف الفن الإفريقي المعاصر بمراكش، واحدًا من أبرز المعارض المفتوحة خلال الأسبوع الماضي، مع اقترابه من أيامه الأخيرة قبل اختتامه في الثاني من أغسطس 2026. وينطلق الفنان من التحولات العمرانية التي عاينها في المغرب وفرنسا وكمبوديا، مركزًا بصورة خاصة على المباني ذات الطراز المعماري المعروف بـ«آرت ديكو» المحيطة بالمدينة القديمة في الدار البيضاء.

لا يكتفي المعرض بتوثيق عمليات الهدم فوتوغرافيًّا، بل يحول آثارها إلى بناء فني مركب؛ إذ تُطبع الصور على ألواح من الإسمنت والخرسانة، وتُعرض إلى جانب مقاعد خرسانية مستوحاة من جلوس سكان الأحياء لمراقبة انهيار البيوت القديمة. كما يضم المعرض فيلمًا وثائقيًّا بالأبيض والأسود يمنح الكلمة لبعض السكان، فتتحول العمارة المهدمة إلى ذاكرة جماعية وإلى شاهد على تغير علاقة الإنسان بمكانه.

تكمن أهمية التجربة في أن الفنان لا يتعامل مع الهدم بوصفه حدثًا هندسيًّا محايدًا، بل باعتباره اقتلاعًا لطبقات من التاريخ الاجتماعي. ومن خلال الجمع بين التصوير والتركيب والفيلم والمواد المستعملة في البناء، يصبح المعرض محاولة لإعادة تشييد المكان فنيًّا بعد محوه عمرانيًّا. 

الرباط: الفنون التشكيلية داخل مهرجان المدينة

شهدت الرباط انطلاق الدورة الجديدة من مهرجان ربيع أكدال الرياض، الممتد من 19 إلى 30 يوليو 2026، تحت شعار يجعل الثقافة عنصرًا في التنمية المحلية. واحتضنت المكتبة الوطنية للمملكة المغربية «قرية المغرب المبدع»، التي جمعت معارض للفنون التشكيلية والكتب والمنتجات المجالية والصناعات التقليدية، إلى جانب فضاءات للابتكار والطفولة والذكاء الاصطناعي وذاكرة مدينة الرباط.

وتكشف هذه المبادرة عن توجه يرمي إلى إخراج الفنون التشكيلية من الدائرة المتخصصة وإدماجها في الحياة اليومية للمدينة. فوجود اللوحات والأعمال الفنية إلى جانب الكتاب والحرفة والابتكار يفتح المجال أمام جمهور أوسع، ويجعل الفن جزءًا من النقاش حول تنمية الأحياء وتحسين جودة الحياة، لا مجرد نشاط موازٍ أو ترف ثقافي.

غير أن هذا النوع من المهرجانات يطرح أيضًا سؤالًا حول المكانة التي تُمنح للفنان التشكيلي داخل التظاهرات الجامعة. فنجاح المبادرة لا ينبغي أن يقاس بكثرة الأنشطة فقط، بل بقدرتها على توفير شروط العرض المهني، والتعريف بأسماء الفنانين، وخلق فرص حقيقية للتواصل بينهم وبين النقاد والباحثين والجمهور. 

«حالات عبور»: جيل مغربي وعابر للحدود

واصل معرض «حالة أو حالات عبور» في فيلا الفنون بالرباط استقبال زواره خلال الأسبوع الماضي، ضمن برمجة تمتد من الأول إلى 29 يوليو. ويجمع المعرض ثلاثة عشر فنانًا وفنانة من مواليد الفترة الممتدة بين 1985 و2000، يقدمون أعمالًا في الرسم والتصوير والتركيب والفنون الرقمية والأداء.

تنطلق الأعمال من مفاهيم الحركة والاقتلاع والهجرة والانتماء والتحول، وهي قضايا تعكس تجربة جيل يعيش بين جغرافيات متعددة ووسائط فنية متداخلة. ولا يظهر «العبور» في المعرض باعتباره انتقالًا جسديًّا من بلد إلى آخر فحسب، بل بوصفه عبورًا بين اللغات والذكريات والهويات والتقنيات.

ومن بين ما يميز المعرض حضور المشاريع الجماعية، ومنها أعمال توظف التطريز والحرف اليدوية المنجزة بالتعاون مع نساء من مناطق مغربية، بما يعيد النظر في العلاقة التقليدية بين الفنان الفرد والحرفة الجماعية. ويؤكد هذا التوجه أن الفن المغربي المعاصر أصبح أكثر اهتمامًا بسؤال المشاركة وبإعادة توزيع سلطة إنتاج العمل الفني. 

العالم العربي: الصورة تتجاوز إطارها التقليدي

أبوظبي: الصورة الفوتوغرافية تتحول إلى تركيب ونسيج وفيديو

افتتح مركز منارة السعديات في أبوظبي معرض «الطيف: أن نصبح مرئيين، أن نصبح صورة»، الذي يضم أعمال عشرة فنانين ومصورين بصريين شاركوا طوال أربعة أشهر في برنامج للبحث والإرشاد والنقاش النقدي.

لا يعرض المشاركون الصورة الفوتوغرافية بوصفها ورقة مطبوعة داخل إطار فقط، بل يوسعونها لتشمل الفيديو والنحت والنسيج والتركيب. ومن بين الأعمال تجربة الفنانة الصينية المقيمة في الإمارات ييجينغ لي، التي أعادت بناء شكل النافذة والمشربية باستعمال الشمع وعناصر مستوحاة من أشجار النخيل في الصين والإمارات، رابطًةً بين الهجرة والذاكرة والانتماء.

ويعبّر المعرض عن تطور واضح في المشهد الفني الإماراتي؛ فالصورة لم تعد مجرد وسيلة لتسجيل الواقع، بل أصبحت مادة قابلة للتفكيك وإعادة التركيب. كما أن جمع فنانين إماراتيين وعرب ودوليين مقيمين في الدولة يعكس طبيعة المجتمع الثقافي المتعدد الذي تشكل خلال العقود الأخيرة في الخليج. 

القاهرة: اللوحة الصغيرة تجمع فنانين من خمس دول عربية

واصل معرض «لوحات صغيرة» في قاعة سويلم بالقاهرة نشاطه خلال الأسبوع الماضي، بمشاركة فنانين من مصر والسودان وسوريا ولبنان والعراق، على أن يستمر حتى الأول من أكتوبر 2026.

يقوم المعرض على اختيار الحجم الصغير للوحة، وهو اختيار لا يعني بالضرورة تبسيط التجربة، بل يفرض على الفنان تكثيف اللون والفكرة والتكوين داخل مساحة محدودة. فاللوحة الصغيرة تتطلب اقتصادًا بصريًّا وقدرة على توجيه عين المشاهد إلى التفاصيل الدقيقة، بعيدًا عن الإبهار الذي قد توفره الأحجام الضخمة.

وتمنح المشاركة العربية المتعددة المعرض بعدًا يتجاوز حدود المشهد المصري، إذ تلتقي داخله حساسيات تشكيلية قادمة من بيئات شهدت تحولات سياسية واجتماعية قاسية. ولذلك يمكن قراءة الأعمال بوصفها شذرات شخصية وجماعية تختزل الذاكرة والمنفى والمدينة والإنسان داخل مساحات محدودة. 

الأردن: مهرجان جرش يجمع الفنون الجميلة بالتراث العالمي

افتُتح في 23 يوليو ضمن مهرجان جرش للثقافة والفنون جناح السفارات والهيئات الثقافية، بمشاركة جهات تمثل فلسطين وسلطنة عمان ومصر والسودان وتونس والصين واليابان والفلبين والمكسيك.

وضم الجناح أزياء تقليدية وصناعات إبداعية ومنتجات حرفية ومأكولات تراثية، إلى جانب معرض لوزارة الثقافة الأردنية اشتمل على لوحات فنية أنجزها طلبة معهد الفنون الجميلة. وقد أتاح هذا الجمع بين الفنون الأكاديمية والموروث الشعبي فرصة لمقارنة طرق مختلفة في التعبير عن الهوية الوطنية.

ويكشف الجناح عن استمرار حضور المعرض الفني داخل المهرجان العربي الشامل، لكنه يبرز كذلك الحاجة إلى منح الأعمال التشكيلية مساحات مستقلة تسمح بقراءتها ونقدها، بدل أن تظل جزءًا صغيرًا ضمن برنامج احتفالي ضخم تهيمن عليه الموسيقى والعروض الجماهيرية.

أوروبا: الفن يعيد فتح المباني المنسية

ألمانيا: كنائس منطقة الرور تتحول إلى فضاءات للفن المعاصر

انطلقت تظاهرة «مانيفيستا 16 الرور» في ألمانيا، مستعملة اثنتي عشرة كنيسة مهجورة أو قليلة الاستخدام فضاءاتٍ لعرض الأعمال الفنية. وتمتد التظاهرة حتى الرابع من أكتوبر، مركزة على تاريخ منطقة الرور الصناعي وعلى قضايا العمل والهجرة وتفكك المجتمعات التي تشكلت حول المناجم والمصانع.

اختيار الكنائس ليس مجرد حل معماري، بل يمثل جزءًا من فكرة المعرض؛ فهذه المباني كانت مراكز اجتماعية وروحية ثم فقدت وظيفتها بالتزامن مع تراجع الصناعة وتغير التركيبة السكانية. ومن خلال الفن، تستعيد الكنائس دورها باعتبارها أماكن للقاء والنقاش.

تتضمن الأعمال شهادات ومساهمات لعمال ومهاجرين، ومنشآت تربط بين الرياضة والموسيقى والفضاء الديني، ومنها ملعب مصغر لكرة السلة يُصدر فيه الأرغن صوتًا كلما أخفق اللاعب في تسجيل الكرة. وهكذا تعيد التظاهرة كتابة تاريخ المنطقة من زاوية سكانها، لا من خلال الرواية الصناعية الرسمية وحدها. 

مانشستر: النسيج بين كوريا والهند يتحدى الفصل بين الفن والحرفة

قدم متحف ويتوورث في مانشستر معرض «متشابك ومنسوج»، الذي يجمع ثمانية فنانين ومجموعات فنية من كوريا الجنوبية والهند، ويستمر حتى الثالث من يناير 2027.

يشغل المعرض ثلاث قاعات ويجمع أعمالًا معاصرة بقطع تاريخية من مجموعة المتحف التي تضم نحو عشرين ألف قطعة نسيج. ومن أبرز المعروضات عمل نفذته مجموعة «بيرو» بمشاركة خمسين حرفيًّا، واستغرق إنجازه نحو ثمانية عشر ألف ساعة.

يمنح المعرض الحرفة مكانتها بوصفها معرفة متوارثة وإنتاجًا جماعيًّا لا يقل قيمة عن الرسم أو النحت. كما يكشف عن أوجه التشابه بين تقاليد النسيج الهندية والكورية، وعن قدرة الخيط والقماش والتطريز على حمل قصص العمل والمرأة والأسرة والذاكرة والاستعمار والتبادل الثقافي. 

لندن: إخراج ريتشارد داد من الصورة النمطية للجنون

افتتحت الأكاديمية الملكية للفنون في لندن يوم 25 يوليو معرض «ريتشارد داد: ما وراء مستشفى بيدلام»، المستمر حتى 25 أكتوبر. ويسعى المعرض إلى تقديم قراءة أوسع لأعمال الفنان الإنجليزي ريتشارد داد، الذي ارتبط اسمه طويلًا بسنوات احتجازه في مؤسسات العلاج النفسي.

يعيد المعرض النظر في لوحاته المليئة بالمخلوقات الخيالية والتفاصيل الدقيقة والمشاهد الأسطورية، محاولًا تحرير تجربته من القراءة التي تختزل الفن في المرض. فبدل التعامل مع أعماله باعتبارها مجرد نتيجة لحالة نفسية، تُقدم بوصفها مشروعًا بصريًّا يمتلك بنيةً وتخييلًا وتقنيةً شديدة التعقيد.

وتكتسب هذه المراجعة أهمية خاصة في زمن يتزايد فيه النقاش حول طريقة تمثيل الاضطرابات النفسية داخل المتاحف، وحول ضرورة احترام الفنان بوصفه صاحب تجربة إبداعية، لا مجرد حالة طبية أو سيرة مثيرة للفضول. 

بينالي البندقية يدخل دائرة التوتر السياسي

لم تقتصر أخبار الأسبوع الأوروبي على افتتاح المعارض؛ فقد أعلنت المفوضية الأوروبية سحب منحة بقيمة مليوني يورو كانت مخصصة لبينالي البندقية، في سياق الخلاف حول عودة الجناح الروسي إلى الدورة الحادية والستين من التظاهرة.

تعكس القضية صعوبة الفصل بين الفن والسياسة في المعارض الدولية الكبرى، كما تطرح أسئلة حول حدود استقلال المؤسسات الفنية، ومدى تأثير التمويل العمومي في اختياراتها. وبذلك أصبح البينالي نفسه موضوعًا للنقاش الثقافي والسياسي، لا مجرد فضاء لعرض الأعمال. 

خلاصة الحصيلة

تكشف أحداث الأسبوع عن أربعة اتجاهات مترابطة في الفن التشكيلي المعاصر. أولها تحول المدينة ومبانيها المهددة إلى مادة فنية، كما ظهر في معرض الهدم بمراكش وكنائس منطقة الرور الألمانية. وثانيها توسع مفهوم العمل الفني ليشمل الصورة والفيديو والنسيج والخرسانة والتطريز والأداء، بحيث تراجعت الحدود التقليدية بين الرسم والحرفة والتصوير والتركيب.

أما الاتجاه الثالث فيتمثل في هيمنة موضوعات الهجرة والعبور والذاكرة والانتماء، سواء في أعمال الفنانين الشباب بالرباط أو في معرض الصورة بأبوظبي أو في مشروعات مانيفيستا الألمانية. ويتمثل الاتجاه الرابع في تنامي العمل الجماعي؛ إذ لم يعد الفنان دائمًا منتجًا منفردًا، بل أصبح يتعاون مع الحرفيين والنساء والعمال والسكان المحليين، ويشركهم في بناء العمل وروايته.

وهكذا يؤكد الأسبوع التشكيلي أن الفن لم يعد مجرد بحث عن الجمال، بل تحول إلى وسيلة لحفظ ذاكرة الأماكن، ومناقشة التحولات السياسية والاجتماعية، ومنح الفئات غير المرئية حق الظهور داخل المتحف والقاعة والمدينة.


0 التعليقات: