ثمة أخبار ثقافية تمر أمامنا باعتبارها مجرد خبر عن جائزة أدبية جديدة، اسم كاتب، عنوان رواية، قيمة مالية، صورة على منصة، ثم تنتهي الحكاية بعد ساعات قليلة داخل تيار الأخبار المتسارع، لكن قصة الروائي السوداني مهند رجب الدابي لا أستطيع أن أقرأها بهذه البرودة، لأنني أرى خلف خبر فوزه بجائزة كتارا للرواية العربية سنة 2026 قصة أكبر بكثير من جائزة وأشد قسوة من احتفال أدبي؛ أرى كاتبًا وقف أمام رماد مكتبته التي أمضى نحو ثلاثين عامًا في بنائها كتابًا وراء كتاب، ورأى جزءًا من ذاكرته الشخصية والثقافية وقد تحول إلى سواد، ثم فعل الشيء الوحيد الذي يستطيع الكاتب الحقيقي فعله أمام الخراب: جلس وكتب.
لهذا لا أقرأ فوز روايته «حصار الغزالة واو» باعتباره مجرد تتويج روائي سوداني في مسابقة عربية مرموقة، بل أراه مشهدًا بالغ الدلالة عن العلاقة الغامضة بين الأدب والكارثة، بين الكتاب والنار، بين الإنسان الذي يفقد عالمه المادي والكاتب الذي يحاول إنقاذ ذلك العالم داخل الكلمات. لقد كانت الحرب قادرة على إحراق مكتبة مهند الدابي، لكنها لم تستطع أن تحرق حاجته إلى الكتابة، وهذه في نظري هي اللحظة الأكثر أهمية في القصة كلها.
المكتبة بالنسبة إلى الكاتب ليست أثاثًا منزليًا، وليست صفوفًا من الورق يمكن تعويضها بشراء نسخ جديدة، فكل مكتبة شخصية هي في الحقيقة سيرة ذاتية مكتوبة بعناوين الآخرين. كل كتاب فيها يحمل تاريخًا صغيرًا: أين اقتناه صاحبه، في أي مرحلة من عمره قرأه، ما العبارة التي وضع تحتها خطًا، أي كتاب صاحبه في لحظة فرح أو عزلة أو انهيار، وما الرواية التي غيرت طريقته في النظر إلى العالم. لهذا فإن إحراق مكتبة كاتب لا يعني إحراق الورق فقط، بل يعني الاعتداء على طبقات كاملة من ذاكرته وتكوينه وصداقاته الفكرية.
عندما قرأت أن مهند الدابي جمع مكتبته على امتداد ثلاثة عقود، وأن مخطوطات وأعمالًا أدبية لم تر النور ضاعت معها، شعرت بأننا أمام خسارة لا يستطيع رقم مالي أن يصفها. يستطيع المرء أن يشتري نسخة أخرى من رواية مطبوعة، لكن من يعيد إليه النسخة التي رافقته ثلاثين عامًا؟ من يعيد إليه الهوامش التي كتبها بيده؟ من يعيد المخطوط الذي لم يرسل منه نسخة إلى أحد؟ من يعيد ذلك الإحساس الصامت الذي يصنعه الكاتب عبر السنين وهو يرى الكتب تتراكم من حوله حتى تتحول إلى نوع من المنزل داخل المنزل؟
الأشد قسوة في شهادة الدابي أن المكتبة لم تضِع نتيجة حادث منزلي عابر، بل داخل سياق حرب مزقت السودان ودفعت الإنسان العادي إلى مواجهة صور من العنف يصعب على اللغة نفسها حملها. وهنا تتغير طبيعة الحكاية. لم تعد النار حادثًا منفصلًا، بل صارت جزءًا من خراب أوسع أصاب البيوت والأجساد والمدن والذاكرة.
قال الدابي إنه كتب الرواية انتقامًا لمكتبته. أتوقف طويلًا عند كلمة «انتقام» هنا، لأنها بالنسبة إليّ لا تعني الرغبة في إعادة إنتاج العنف، بل تعني نوعًا آخر من المقاومة: أن ترد على النار بالكتابة، وعلى المحو بالتذكر، وعلى محاولة إسكات الحياة بصناعة رواية تستطيع السفر أبعد من المكان الذي احترقت فيه الكتب.
ربما تكون الكتابة أجمل أشكال الانتقام التي اخترعها الإنسان، لأنها لا تحتاج إلى أن تحرق بيت خصمك كي ترد على إحراق بيتك، ولا إلى أن تمحو صوته لكي تستعيد صوتك. يكفي أن تنجو الحكاية.
وهنا تحديدًا أجد المفارقة المدهشة في قصة مهند الدابي: الذين أحرقوا الكتب كانوا يريدون – عن قصد أو عن جهل – تحويلها إلى رماد، لكن ذلك الرماد نفسه دخل بطريقة ما في وقود رواية ستترجم الآن إلى لغات أخرى، وستدخل مكتبات جديدة، وربما تقرأ في مدن لم يسمع سكانها يومًا باسم الحي الذي احترقت فيه المكتبة الأولى. بهذا المعنى، تكون النار قد خسرت معركتها أمام الكتابة.
رواية «حصار الغزالة واو» لا تبدو، من القراءات التي تناولتها، سيرة مباشرة عن مكتبة محترقة، وهذه نقطة مهمة حتى لا نحول العمل الأدبي إلى عنوان صحفي مبسط. الرواية تدخل إلى الحرب السودانية من أبواب أوسع، وتضع المواطن العادي في قلب الكابوس، وتشتغل على العنف والحصار والخوف والموت والنجاة والذاكرة. إنها تنتمي إلى ذلك النوع من الأدب الذي يولد عندما يصبح الواقع أكثر غرابة ووحشية مما يستطيع الخيال وحده اختراعه.
وهذه واحدة من المفارقات المأساوية في تاريخ الأدب: الحروب تدمر المدن، لكنها تترك وراءها أرشيفًا هائلًا من القصص. ليست هذه فضيلة للحرب، ولا ينبغي للرومانسيين أن يتحدثوا عن المآسي كما لو أنها هدايا للمبدعين، فكل كاتب يتمنى بلا شك أن يعيش شعبه بسلام ولو لم يكتب رواية واحدة عن الحرب. لكن الإنسان، عندما تقع الكارثة رغمًا عنه، يبحث عن طريقة تمنعها من أن تنتهي مرتين: مرة عندما تقع، ومرة عندما ينساها العالم. هنا يأتي الأدب.
أرى أن القيمة العميقة في تجربة الدابي تكمن في انتقال الألم من وضعه الشخصي إلى المجال العام. كانت المكتبة مكتبته، والمخطوطات مخطوطاته، والصدمة تخص حياته، لكن الرواية سمحت لهذه التجربة بأن تغادر حدود الذات وتلتحق بذاكرة بلد كامل يعيش واحدة من أقسى مراحله.
الكاتب في مثل هذه الظروف لا يعود مجرد صانع حبكات وشخصيات، بل يصبح حامل ذاكرة، حتى من دون أن يقصد أن يتحول إلى مؤرخ. الفرق أن المؤرخ يسأل عادة ماذا وقع ومتى وأين ومن المسؤول، بينما تستطيع الرواية أن تسأل السؤال الذي لا تكفي التقارير للإجابة عنه: ماذا فعل كل ذلك داخل الإنسان؟
التقارير تستطيع إحصاء القتلى، لكن الرواية تستطيع أن تجعلنا نعرف كيف يصبح الصباح بالنسبة إلى شخص يخاف أن يرى المساء. الأخبار تقول إن حيًا دمر، أما الأدب فيستطيع أن يخبرنا أن نافذة صغيرة في بيت ذلك الحي كانت تطل على شجرة اعتاد طفل أن يراها كل صباح. البيانات تسجل عدد النازحين، بينما الرواية تسأل ماذا يضع الإنسان في حقيبته عندما يمنح خمس دقائق لمغادرة البيت الذي عاش فيه عمرًا كاملًا.
لهذا أخشى دائمًا من أن تتحول الحروب، بعد مرور السنوات، إلى أرقام محفوظة في الموسوعات. الأدب يعيد إلى الرقم وجهه واسمه ورائحته وصوته وخوفه.
ومن هذه الزاوية يصبح فوز مهند الدابي بجائزة كتارا أكثر من خبر ثقافي. لقد أعلنت الجائزة في دورتها الثانية عشرة تتويجه ضمن فئة الروايات العربية المنشورة، إلى جانب أصوات عربية أخرى، وحصل كل فائز في هذه الفئة على ثلاثين ألف دولار، إضافة إلى ترجمة الروايات المتوجة إلى الإنجليزية. لكن ما يهمني أكثر من القيمة المالية هو هذه الكلمة: الترجمة.
الرواية التي ولدت من جرح محلي ستحصل على فرصة عبور الحدود، وهذا مهم جدًا في حالة السودان. فالحروب الطويلة تواجه عدوًا آخر غير الرصاص، هو التعب العالمي. يتابع الناس الكارثة أسابيع وأشهرًا، ثم ينتقل الاهتمام إلى حرب جديدة أو أزمة جديدة أو انتخابات أو فضيحة سياسية، فيما يستمر الضحايا داخل المأساة بعدما تغادر كاميرات العالم.
الأدب يستطيع أحيانًا أن يعيد الناس إلى المكان الذي غادرته نشرات الأخبار.
وحين تترجم «حصار الغزالة واو» فإن القارئ غير العربي لن يدخل السودان من خلال بيان عسكري أو خريطة للجبهات فقط، بل من خلال شخصيات ووجوه وخوف وأسئلة بشرية. تلك إحدى القوى الخفية للرواية: إنها تحول الجغرافيا البعيدة إلى تجربة قريبة.
وأنا، ككاتب، أعرف أن الإنسان لا يجمع مكتبته دفعة واحدة، بل يبنيها كما يبني حياته. كتاب اليوم لا يعرف أنه سيقف بعد عشرين سنة إلى جوار كتاب لم يصدر بعد، والقارئ الشاب الذي يشتري كتابًا بثمن يوفره من نفقاته لا يتصور أنه بعد ثلاثة عقود سيصبح أمام جدار كامل يشبه خريطة عقله. لهذا فإن حكاية مكتبة مهند الدابي مستني بطريقة شخصية، لأنها تجعلني أفكر في مكتباتنا نحن أيضًا، في الكتب التي نظن أنها ستبقى معنا دائمًا، في المخطوطات التي نؤجل نسخها وحفظها، وفي هشاشة الأشياء التي نعتبرها جزءًا ثابتًا من حياتنا.
لكن القصة تذكرني كذلك بأن المكتبة الحقيقية للكاتب ليست على الرفوف وحدها. جزء منها ينتقل ببطء إلى داخله. قد تحترق النسخ، لكن الأفكار التي صنعتها، واللغة التي بنتها، والوعي الذي شكلته، لا يحترق بالسهولة نفسها.
ربما لهذا استطاع مهند الدابي أن يكتب بعد احتراق مكتبته.
لقد أخذت النار الكتب، لكنها لم تستطع أن تستخرج الكتب التي كانت قد أصبحت جزءًا من الكاتب نفسه.
وأجد في هذه التجربة درسًا بالغ القوة حول معنى الثقافة في المجتمعات التي تعرف الحرب. الثقافة ليست زينة لما بعد الاستقرار، وليست رفاهية تمارسها الشعوب فقط بعدما تحل مشكلات الاقتصاد والسياسة والأمن. الثقافة تصبح في أوقات الخراب إحدى أدوات الدفاع عن معنى الإنسان نفسه. من يكتب أثناء الحرب لا يوقف الدبابة، لكنه يمنعها من أن تكون الرواية الوحيدة لما حدث.
الرصاصة تستطيع قتل الإنسان، لكن الكاتب يستطيع أن يحرمها من قتل حكايته.
وحين نتحدث عن السودان، فإن هذا الأمر يكتسب أهمية استثنائية. فبلد يمتلك تاريخًا ثقافيًا وأدبيًا واسعًا يجد نفسه أمام حرب لا تهدد الأحياء وحدهم، بل تهدد الأرشيف والمكتبات والمؤسسات والبيوت والذاكرة. لذلك فإن كل عمل روائي أو شعري أو توثيقي يولد وسط هذا الخراب هو بشكل ما محاولة لإنقاذ قطعة من الذاكرة الوطنية من الضياع.
لا أريد أن أحول مهند الدابي إلى رمز أسطوري، فالرجل نفسه كاتب قبل أن يكون قصة صحفية، وروايته ينبغي أن تقرأ وتناقش وتنتقد بوصفها عملًا أدبيًا، لا بوصفها مجرد وثيقة إنسانية. فأسوأ ما قد نفعله بالأدب أن نعفيه من شروط الأدب لأن صاحبه عانى. قيمة المعاناة لا تضمن وحدها قيمة الرواية، لكن فوز «حصار الغزالة واو» بجائزة كبيرة، والاهتمام النقدي الذي بدأ يحيط بها، يفتحان الباب أمام قراءة العمل من داخله: بنيته، لغته، شخصياته، علاقته بالتوثيق والخيال، والطريقة التي يحول بها الكابوس الواقعي إلى شكل فني.
وهذا هو الامتحان الحقيقي لأي رواية حرب: ألا تكتفي بأن تخبرنا بأن الحرب قاسية، فنحن نعرف ذلك مسبقًا، بل أن تجعلنا نرى القسوة بطريقة لم نرها من قبل.
إن الكتابة عن المأساة ليست عملية نقل ميكانيكية للواقع. الكاتب لا يحمل الكاميرا، بل يحمل اللغة، واللغة تنتقي وتحذف وتعيد ترتيب الزمن وتخلق الشخصيات وتمنح الصمت معنى. ومن هنا يصبح تحويل الصدمة إلى رواية عملًا جماليًا وأخلاقيًا في الوقت نفسه.
الأدب لا يعيد الموتى، ولا يعيد البيوت إلى أصحابها، ولا يعيد لمهند الدابي الكتب والمخطوطات التي فقدها. علينا ألا نحمّله قدرة سحرية ليست له. لكنه يستطيع فعل شيء ربما لا يقل أهمية: أن يقول إن ما حدث لن يمر بلا أثر.
لهذا يبدو لي المشهد الأخير في هذه القصة بالغ الرمزية: مكتبة تحترق في السودان، ثم بعد مدة يقف صاحبها في الدوحة متوجًا برواية خرجت من قلب التجربة نفسها.
بين الصورتين مسافة هائلة.
في الأولى نار ورماد وفقد.
وفي الثانية كتاب واعتراف وترجمة وجمهور.
وهكذا يربح الأدب معركة صغيرة داخل حرب أكبر.
ربما تكون هذه هي الرسالة التي أبقاها مهند الدابي أمامنا من دون أن يقصد صياغتها كشعار: يستطيع الآخر أن يحرق مكتبتك، لكنه لا يملك بالضرورة الصفحة التالية التي ستكتبها.
وأنا أرى في تلك الصفحة التالية جوهر فعل الكتابة كله.
فالكاتب الحقيقي لا ينتصر لأنه لم يتعرض للهزيمة، بل لأنه يستطيع، بعد أن تعبر الهزيمة من حياته، أن يحولها إلى معنى. النار تنتهي إلى رماد، أما الكلمة، إذا نجت، فقد تبدأ رحلتها من الرماد نفسه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق