خِلالَ الأُسْبُوعِ المَاضِي، بَدَا مَشْهَدُ الأَدَبِ الرَّقْمِيِّ فِي المُغْرِبِ وَفِي العالَمِ العَرَبِيِّ كَأَنَّهُ يَسِيرُ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ: نُصُوصٌ تُكْتَبُ لِتُقْرَأَ عَلَى الشَّاشَةِ، وَمُسَابَقَاتٌ تَشْتَرِطُ الأَصَالَةَ وَتُحَاوِلُ حِمَايَةَ الكِتَابَةِ مِنَ الاسْتِسْهَالِ، وَمَخَابِرُ جَامِعِيَّةٌ تُقَرِّبُ بَيْنَ السَّرْدِ وَالخَوَارِزْمِيَّاتِ، وَمَبَادَرَاتٌ تَجْعَلُ الصَّوْتَ وَالتَّفَاعُلَ جُزْءًا مِنَ القِصَّةِ، لَا مُجَرَّدَ زِينَةٍ حَوْلَهَا.
فِي المُغْرِبِ، يَبْدَأُ الخَبَرُ مِنْ بَوَّابَةٍ تَبْدُو تَقْلِيدِيَّةً ظَاهِرًا، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ مَعْنًى رَقْمِيًّا صَرِيحًا: فَتْحُ بَابِ المُشَارَكَةِ فِي مُسَابَقَةِ الكِتَابَةِ الإِبْدَاعِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِفَعَالِيَّاتِ المَعْرِضِ الدُّوَلِيِّ لِلنَّشْرِ وَالكِتَابِ بِالرِّبَاطِ. فَهُنَا تُقَدَّمُ النُّصُوصُ عَبْرَ مَلَفَّاتٍ رَقْمِيَّةٍ، وَتُحَدَّدُ مَعَايِيرُ التَّنْسِيقِ وَالإِرْسَالِ، وَيَبْرُزُ شَرْطٌ لَافِتٌ فِي رُوحِهِ وَوَظِيفَتِهِ: أَنْ يَكُونَ العَمَلُ أَصْلِيًّا غَيْرَ مُسْتَعَارٍ وَلَا مَنْقُولٍ وَلَا مَكْتُوبٍ بِوَاسِطَةِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ. هَذَا الشَّرْطُ، بِقَدْرِ مَا هُوَ إِجْرَاءٌ تَنْظِيمِيٌّ، فَهُوَ أَيْضًا إِشَارَةٌ ثَقَافِيَّةٌ: السُّلْطَةُ الرَّمْزِيَّةُ لِلكِتَابَةِ تُرِيدُ أَنْ تَحْفَظَ “بَصْمَةَ الإِنْسَانِ” وَهُوَ يَدْخُلُ العَصْرَ الرَّقْمِيَّ دُونَ أَنْ يَتَنَازَلَ عَنْ مِهْنَتِهِ وَعَنَائِهِ وَتَجْرِبَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ.
وَبِمُوازَاةِ ذَلِكَ، يَتَقَدَّمُ الجَامِعِيُّ فِي بَنِي مَلَّالَ وَغَيْرِهَا خُطْوَةً أُخْرَى تُشْبِهُ عَمَلَ المُخْتَبَرِ: لَا يَكْتَفِي بِالقِرَاءَةِ وَالتَّحْلِيلِ، بَلْ يَسْتَحْضِرُ الأَدَبَ فِي حَالَةِ تَشَكُّلٍ، وَيَجْعَلُ النَّقْدَ جُزْءًا مِنْ حَيَاةِ النَّصِّ فِي الفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ. أَخْبَارُ اللِّقَاءَاتِ وَالأَنْشِطَةِ المُرْتَبِطَةِ بِمَخْتَبَرِ “السَّرْدِ وَالأَشْكَالِ الثَّقَافِيَّةِ” تَعْكِسُ أَنَّ المَشْهَدَ يَتَّجِهُ إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِطَبِيعَةِ السَّرْدِ اليَوْمَ: سَرْدٌ يَتَغَذَّى مِنَ الوَسَائِطِ، وَيُفَاوِضُ القَارِئَ، وَيَسْتَعِيرُ مِنَ المِنَصَّاتِ طُرُقَ العَرْضِ وَالإِيقَاعِ وَحَتَّى سُلْطَةَ التَّعْلِيقِ وَالتَّدَاوُلِ.
وَلِأَنَّ الأَدَبَ الرَّقْمِيَّ لَا يَعِيشُ فِي قَاعَاتِ الجَامِعَاتِ فَقَطْ، فَقَدْ ظَهَرَ فِي المُغْرِبِ خِلالَ الأُسْبُوعِ نَفْسِهِ نَقَاشٌ عَامٌّ حَوْلَ “التَّحَدِّيَاتِ الرَّقْمِيَّةِ لِلأَدَبِ”، وَهُوَ نَقَاشٌ يَجْمَعُ بَيْنَ سُؤَالَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ: هَلْ تُسَاعِدُ الشَّبَكَاتُ عَلَى دِيمُقْرَاطِيَّةِ النَّشْرِ وَتَوْسِيعِ الجُمْهُورِ، أَمْ تُرَبِّي سُرْعَةً تُفْقِدُ النَّصَّ عُمْقَهُ؟ وَهَلْ يَبْقَى “الأَدَبُ” هُوَ نَفْسُهُ حِينَ يَصِيرُ مَحْكُومًا بِمِعْيَارِ التَّفَاعُلِ وَخَوَارِزْمِيَّاتِ الاِنْتِشَارِ؟ فِي هَذَا السِّجَالِ تَظْهَرُ مَعَادِلَةٌ مَغْرِبِيَّةٌ مُهِمَّةٌ: تَشْجِيعُ المَوْهُوبِينَ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى العَالَمِ الرَّقْمِيِّ، مَعَ مُحَاوَلَةِ حِفْظِ مَعَايِيرِ الجَوْدَةِ وَالأَمَانَةِ وَحُقُوقِ المُؤَلِّفِ.
أَمَّا فِي العالَمِ العَرَبِيِّ، فَقَدْ بَرَزَ خَبَرٌ يَلْمَسُ جَوْهَرَ الأَدَبِ الرَّقْمِيِّ مِنْ زَاوِيَةٍ مُغَايِرَةٍ: الأَدَبُ لَيْسَ نَصًّا فَقَطْ، بَلْ صَوْتٌ أَيْضًا. فَقَدْ أُعْلِنَ عَنْ إِطْلَاقِ مَوْسِمٍ ثَانٍ لِمُبَادَرَةٍ تُعْنَى بِالبُودْكَاسْتِ الأَدَبِيِّ العَرَبِيِّ، بِشَرَاكَةٍ بَيْنَ جِهَاتٍ ثَقَافِيَّةٍ وَمِنَصَّةٍ سَمَاعِيَّةٍ. هُنَا نُرَاقِبُ تَحَوُّلًا دَقِيقًا: القِصَّةُ تَخْرُجُ مِنْ صَمْتِ الوَرَقِ إِلَى “أَدَاءِ الصَّوْتِ”، وَيَصِيرُ الإِلْقَاءُ وَالإِخْرَاجُ وَالتَّحْرِيرُ السَّمْعِيُّ جُزْءًا مِنَ المَعْنَى، وَتُصْبِحُ المِنَصَّاتُ الرَّقْمِيَّةُ سُوقًا جَدِيدَةً لِلتَّجْرِبَةِ الأَدَبِيَّةِ، لَا لِلدِّعَايَةِ فَقَطْ. وَفِي وَقْتٍ تُنَافِسُ فِيهِ الفِيدْيُوهَاتُ القَصِيرَةُ عَلَى اِنْتِبَاهِ المُتَلَقِّي، يَبْدُو البُودْكَاسْتُ كَحَلٍّ وَسَطٍ: سُرْعَةٌ مُحْتَمَلَةٌ دُونَ تَسْطِيحٍ، وَوُصُولٌ وَاسِعٌ دُونَ التَّنَازُلِ عَنْ حِرَفَةِ السَّرْدِ.
وَفِي الخَلْفِيَّةِ، تَتَشَكَّلُ خُطُوطٌ أَكْبَرُ تَرْسُمُهَا المُؤْتَمَرَاتُ وَمَجَالِسُ البَحْثِ: “العُلُومُ الإِنْسَانِيَّةُ الرَّقْمِيَّةُ”، وَ“السَّرْدُ التَّفَاعُلِيُّ”، وَ“الأَدَبُ فِي زَمَنِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ” لَمْ تَعُدْ شِعَارَاتٍ، بَلْ صَارَتْ مَحَاوِرَ لِتَخْصُّصَاتٍ تَجْمَعُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالتَّقْنِيَةِ، وَبَيْنَ الجَمَالِيَّاتِ وَالأَرْشَفَةِ الرَّقْمِيَّةِ. فَالْمُبْدِعُ اليَوْمَ يَكْتُبُ وَهُوَ يَعِي أَنَّ نَصَّهُ سَيَعِيشُ فِي بِيئَةٍ تُصَنِّفُ وَتُقْتَرَحُ وَتُعِيدُ النَّشْرَ، وَأَنَّ القَارِئَ قَدْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ رَابِطٍ لَا مِنْ غِلَافٍ، وَمِنْ مَقْطَعٍ لَا مِنْ مُقَدِّمَةٍ.
خُلَاصَةُ الأُسْبُوعِ المَاضِي تَقُولُ إِنَّ الأَدَبَ الرَّقْمِيَّ فِي المُغْرِبِ وَالعالَمِ العَرَبِيِّ لَا يَتَقَدَّمُ بِقَفْزَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ بِتَرَاكُمِ خُطُوَاتٍ: خُطْوَةٌ تُنَظِّمُ وتَحْمِي الأَصَالَةَ، وَخُطْوَةٌ تُجَرِّبُ فِي الجَامِعَةِ وَالمَخْتَبَرِ، وَخُطْوَةٌ تُصْغِي إِلَى الصَّوْتِ وَتُحَوِّلُ القِصَّةَ إِلَى تَجْرِبَةٍ سَمْعِيَّةٍ، وَخُطْوَةٌ تُحَاوِلُ أَنْ تُوَفِّقَ بَيْنَ حُرِّيَّةِ النَّشْرِ وَمَسْؤُولِيَّةِ المَعْنَى. وَفِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، يَبْقَى السُّؤَالُ الأَجْمَلُ: أَيُّ نَصٍّ سَيَكْسِبُ العَصْرَ الرَّقْمِيَّ، وَأَيُّ عَصْرٍ سَيَكْسِبُ النَّصَّ؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق