في مطار ريو دي جانيرو الدولي، المعروف باسم “غالياو”، لا تشعر أنك في مجرد محطة عبور عابرة بين سماء وأخرى، بل كأنك تدخل إلى ردهةٍ أولى من رواية لاتينية مفتوحة على البحر والجبال والموسيقى. هنا، في هذا الفضاء الزجاجي الذي يطل على زرقة الأطلسي وتلال ريو المتمايلة، يبدأ السائح حكايته قبل أن تطأ قدماه شواطئ كوباكابانا أو تصعد عيناه إلى تمثال المسيح الفادي.
مطار Aeroporto Internacional do Rio de Janeiro–Galeão ليس مجرد بنية تحتية للنقل الجوي، بل هو بوابة رمزية لمدينة تُعد من أكثر مدن العالم شاعريةً وتناقضًا. منذ اللحظة الأولى، يلفتك اتساع المدارج الممتدة كأذرعٍ تستقبل الطائرات القادمة من أوروبا وأمريكا وإفريقيا، وكأن ريو تقول للعالم: “تعالوا إليّ، ففي صدري متسعٌ للجميع”.
يقع المطار في جزيرة “إيلها دو غوفيرنادور”، محاطًا بالمياه من جهات عدة، وهو ما يمنحه طابعًا فريدًا. الطائرة، وهي تهبط، تمنحك مشهدًا بانوراميًا لا يُنسى: البحر من جهة، والجبال من جهة أخرى، وأحياء ريو المتناثرة كفسيفساء ملونة بينهما. هذا المشهد وحده كافٍ ليجعل الوصول إلى المدينة تجربة بصرية خالصة، حتى قبل أن تلمس أرض المطار.
الهندسة المعمارية للمطار حديثة وعملية في آنٍ واحد. الواجهات الزجاجية الواسعة تسمح للضوء الاستوائي بالدخول بسخاء، فيمتزج ضوء الشمس مع حركة المسافرين في لوحة يومية نابضة. القاعات فسيحة، والإشارات واضحة، واللغات متعددة، بما يعكس الطابع الدولي للمكان.
ريو ليست مدينة عادية؛ إنها إيقاع. والمطار يعكس هذا الإيقاع بطريقته الخاصة. في مواسم الذروة، خصوصًا خلال الكرنفال الشهير، يتحول المطار إلى خلية نحل حقيقية. وفود سياحية من مختلف القارات، حقائب ملونة، كاميرات متأهبة، وابتسامات متحمسة لاكتشاف مدينة السامبا.
المسافر هنا لا يشعر بالغربة. البرازيليون، بطبعهم المرح والمنفتح، يضفون على المكان طاقة إيجابية. حتى الإجراءات الروتينية، من الجوازات إلى استلام الأمتعة، تتم في أجواء أقل توترًا مما اعتدناه في مطارات أخرى. هناك نوع من الاسترخاء اللاتيني الذي يتسلل إليك، فيخفف عنك عناء السفر الطويل.
يضم المطار محلات تجارية عالمية ومحلية، مطاعم تقدم أطباقًا برازيلية تقليدية مثل “فيجوادا” وأصنافًا عالمية تناسب مختلف الأذواق. كما تتوفر صالات انتظار حديثة، وخدمات إنترنت، ومكاتب لتأجير السيارات، وفنادق قريبة تسهّل على المسافر التوقف المؤقت أو الانتقال السلس إلى قلب المدينة.
من الناحية التقنية، شهد المطار عمليات تطوير وتحديث خلال السنوات الماضية، خاصة استعدادًا للأحداث الرياضية الكبرى التي احتضنتها البرازيل، مثل كأس العالم والألعاب الأولمبية. هذه التحديثات عززت قدرته الاستيعابية ورفعت مستوى الخدمات، ليبقى في مصاف أهم مطارات أمريكا اللاتينية.
لكن، في أسلوب عبده حقي الذي يمزج بين التأمل والسفر، لا يمكن النظر إلى المطار كمنشأة إسمنتية فقط. إنه عتبة رمزية. لحظة الخروج من بوابة الوصول، وأنت تدفع عربة حقائبك، تشعر بأنك تعبر من عالمٍ إلى آخر. رائحة الرطوبة الاستوائية، نسمات البحر القريبة، واللغة البرتغالية التي تنساب كأنها أغنية، كلها عناصر تشكّل المشهد الأول من مغامرتك.
المطار هنا يشبه الصفحة الأولى في كتابٍ استوائي. قد لا يكون هو البطل، لكنه يحدد النبرة. إن كانت الصفحة الأولى مشوقة، ومرتبة، ومضاءة جيدًا، فإن القارئ – أو السائح – يمضي بثقة في بقية الحكاية.
ما يميز مطار ريو أيضًا هو توازنه بين الهوية المحلية والانفتاح العالمي. ستجد في متاجره تذكارات تحمل ألوان العلم البرازيلي، وصور شواطئ ريو، وتماثيل صغيرة للمسيح الفادي، إلى جانب علامات تجارية دولية معروفة. إنه تزاوج بين الخصوصية والانفتاح، بين روح المدينة وسوق العولمة.
وهذا التوازن يعكس روح ريو نفسها: مدينة تجمع بين الأحياء الشعبية النابضة بالحياة، والأحياء الراقية المطلة على البحر، بين الفرح والجد، بين الرقص والعمل، بين الفوضى المنظمة والنظام المتحرر.
حتى لحظة المغادرة، يحتفظ المطار بسحره الخاص. وأنت تنتظر موعد إقلاعك، قد تلتفت من النافذة لترى آخر مشهد للجبال التي تحرس المدينة. تشعر بشيء من الحنين، حتى قبل أن تقلع الطائرة. كأن ريو تزرع في قلبك وعدًا صامتًا بالعودة.
مطار ريو دي جانيرو ليس مجرد نقطة على خريطة السفر، بل هو تجربة حسية وثقافية. هو معبر بين القارات، لكنه أيضًا معبر بين حالتين: حالة الترقب قبل الوصول، وحالة الذكرى بعد المغادرة. وفي هذا المعبر، تتشكل أولى الصور وأعمقها عن المدينة.
إنه بوابة إلى مدينة لا تنام على إيقاع واحد، بل على سيمفونية من الألوان والأصوات والبحر. ومن يمر عبره مرة، يدرك أن السفر إلى ريو يبدأ من هنا… من عتبةٍ زجاجية تطل على حلمٍ استوائي مفتوح.







0 التعليقات:
إرسال تعليق