الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 23، 2026

ممرّاتُ تأكلُ وجهي في غفلةِ الضوء: عبده حقي

 


أُطْفِئُ وَجْهِي وَأُعَلِّقُهُ عَلَى مِشْجَبِ الصَّمْتِ، ثُمَّ أَبْدَأُ فِي التَّلَاشِي كَمَا لَوْ أَنَّنِي فِكْرَةٌ لَمْ تَكْتَمِلْ فِي رَأْسِ غَيْمَةٍ. لَا أَذْكُرُ مَتَى بَدَأْتُ فِي التَّخَلِّي عَنْ نَفْسِي، رُبَّمَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي اكْتَشَفْتُ فِيهَا أَنَّ اسْمِي لَا يُشْبِهُنِي، وَأَنَّ ظِلِّي يَسِيرُ خَلْفِي لَا لِيَحْمِينِي بَلْ لِيُرَاقِبَ انْكِسَارَاتِي الصَّغِيرَةَ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ التَّنَازُلَ عَنِ الذَّاتِ نَوْعٌ مِنَ النُّبْلِ، لَكِنَّنِي الآنَ أَرَاهُ شَقًّا فِي الْمِرْآةِ، يَتَسَرَّبُ مِنْهُ ضَوْءٌ بَارِدٌ يُشْبِهُ إِهَانَةً مُؤَجَّلَةً.

أَمْشِي دَاخِلَ رَأْسِي كَمَا لَوْ أَنَّهُ مَدِينَةٌ مَهْجُورَةٌ، أَبْوَابُهَا مَفْتُوحَةٌ عَلَى الرِّيحِ، وَنَوَافِذُهَا تُطِلُّ عَلَى فَرَاغٍ يَتَكَاثَرُ مِثْلَ طَحَالِبَ سَوْدَاءَ. كُلُّ فِكْرَةٍ أَلْمِسُهَا تَتَحَوَّلُ إِلَى حَجَرٍ، وَكُلُّ ذِكْرَى أَقْتَرِبُ مِنْهَا تَذُوبُ كَقِطْعَةِ سُكَّرٍ فِي قَهْوَةٍ مَنْسِيَّةٍ عَلَى طَاوِلَةٍ كَوْنِيَّةٍ. أَقُولُ لِنَفْسِي: اُنْظُرْ إِلَى الدَّاخِلِ، لَكِنَّ الدَّاخِلَ لَيْسَ غُرْفَةً، بَلْ مُتَاهَةٌ مِنَ الْمَرَايَا، كُلُّ مِرْآةٍ تَعْكِسُ وَجْهًا آخَرَ لِي، وَكُلُّ وَجْهٍ يُنْكِرُنِي بِبُرُودٍ نَبِيلٍ.

أَجْلِسُ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ ذَاتِي، أُرَاقِبُ نَفْسِي كَمَا يُرَاقِبُ صَيَّادٌ طَائِرًا جَرِيحًا. أَكْتَشِفُ أَنَّنِي كُنْتُ أَتَنَازَلُ عَنْ نَفْسِي فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَبْتَسِمُ فِيهَا دُونَ رَغْبَةٍ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَقُولُ «نَعَمْ» بَيْنَمَا قَلْبِي يَصْرُخُ «لَا» بِلُغَةٍ لَا يَسْمَعُهَا أَحَدٌ. التَّنَازُلُ لَمْ يَكُنْ تَضْحِيَةً، بَلْ كَانَ حَفْرًا بَطِيئًا لِقَبْرٍ دَاخِلِيٍّ، أُرَتِّبُ فِيهِ عِظَامِي بِعِنَايَةٍ مُفْرِطَةٍ.

أُفَكِّكُ نَفْسِي كَمَا يُفَكِّكُ طِفْلٌ لُعْبَةً قَدِيمَةً: هَذَا هُوَ الْخَوْفُ، هَذَا هُوَ الْحَنِينُ، وَهَذِهِ قِطْعَةٌ صَغِيرَةٌ لَا أَعْرِفُ اسْمَهَا، رُبَّمَا هِيَ الْكَرَامَةُ الَّتِي فَقَدْتُهَا فِي طَرِيقٍ جَانِبِيٍّ مِنْ طُفُولَتِي. أَضْحَكُ، لَكِنَّ ضَحِكَتِي تَتَدَحْرَجُ عَلَى الْأَرْضِ وَتَتَحَوَّلُ إِلَى كُرَةٍ مِنْ غُبَارٍ. أَقُولُ: هَلْ أَنَا أَنَا؟ أَمْ أَنَّنِي مُجَرَّدُ صَدًى لِفِكْرَةٍ نَسِيَتْهَا الْحَيَاةُ فِي دُرْجِهَا السُّفْلِيِّ؟

أَسْتَمِرُّ فِي النَّظَرِ إِلَى الدَّاخِلِ حَتَّى يَتْعَبَ الدَّاخِلُ مِنِّي. يَطْرُدُنِي كَمَا تَطْرُدُ الْمُدُنُ غُرَبَاءَهَا عِنْدَ الْفَجْرِ. يَقُولُ لِي: كَفَى. أَنْتَ لَسْتَ سِوَى نِصْفِ دَوَرَانٍ، نِصْفِ صَحْوَةٍ، نِصْفِ اعْتِرَافٍ. وَأَنَا، كَعَادَتِي، أُصَدِّقُ النِّصْفَ وَأَخَافُ مِنَ الْكُلِّ.

ثُمَّ يَحْدُثُ شَيْءٌ غَرِيبٌ، كَأَنَّ نَافِذَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ تُفْتَحُ دَاخِلَ جُمْجُمَتِي، وَيَبْدَأُ الْعَالَمُ الْخَارِجِيُّ فِي التَّسَرُّبِ. لَا أَدْخُلُ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَدْخُلُ إِلَيَّ: الشَّوَارِعُ، الْأَشْجَارُ، وُجُوهُ الْعَابِرِينَ، أَصْوَاتُ الْقِطَارَاتِ، حَتَّى صَمْتُ الْبَحْرِ، كُلُّهُ يَتَدَفَّقُ نَحْوِي كَفَيْضَانٍ بِلَا ذَاكِرَةٍ.

أَخْرُجُ مِنْ نَفْسِي دُونَ أَنْ أَتَحَرَّكَ. أُرَاقِبُ الْعَالَمَ بِعَيْنٍ لَيْسَتْ لِي، عَيْنٍ تَتَعَلَّمُ الرُّؤْيَةَ مِنْ جَدِيدٍ، بِلَا أَحْكَامٍ، بِلَا تَارِيخٍ، بِلَا رَغْبَةٍ فِي التَّفْسِيرِ. الْأَشْيَاءُ لَمْ تَعُدْ أَشْيَاءً، بَلْ إِشَارَاتٌ، رُمُوزٌ، إِشْرَاقَاتٌ صَغِيرَةٌ تَنْفَجِرُ فِي الْعَتَمَةِ. كُرْسِيٌّ فِي مَقْهًى يُصْبِحُ كَائِنًا يَنْتَظِرُ صَاحِبَهُ مُنْذُ قَرْنٍ، وَرَصِيفٌ مُبَلَّلٌ يَتَحَوَّلُ إِلَى صَفْحَةٍ تَكْتُبُ عَلَيْهَا السَّمَاءُ رَسَائِلَهَا الْمُؤَجَّلَةَ.

أَفْهَمُ فَجْأَةً أَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْخَارِجِ لَيْسَ هُرُوبًا، بَلِ امْتِدَادٌ. أَنَّنِي لَا أَكْتَمِلُ إِلَّا حِينَ أَتَوَزَّعُ فِي الْعَالَمِ، حِينَ أَذُوبُ فِي تَفَاصِيلِهِ الدَّقِيقَةِ: فِي ارْتِعَاشَةِ وَرَقَةٍ، فِي ارْتِبَاكِ عُصْفُورٍ، فِي ضَحِكَةِ طِفْلٍ لَا يَعْرِفُ اسْمِي. أُرَاقِبُ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا لَوْ أَنَّهُ يَحْدُثُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، وَكَأَنَّنِي خُلِقْتُ الآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ أَيَّ لَحْظَةٍ.

لَكِنَّ الْمُرَاقَبَةَ لَيْسَتْ بَرِيئَةً. إِنَّهَا تِلْقَائِيَّةٌ، تَنْفَلِتُ مِنِّي كَمَا تَنْفَلِتُ الْأَحْلَامُ مِنْ قَبْضَةِ الْوَعْيِ. أَرَى الْأَشْيَاءَ دُونَ أَنْ أَخْتَارَهَا، أَفْهَمُهَا دُونَ أَنْ أَبْحَثَ عَنْ مَعْنَاهَا. الْعَالَمُ يَكْتُبُ نَفْسَهُ فِي دَاخِلِي، وَأَنَا مُجَرَّدُ وَرَقَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلَى مَصِيرٍ غَامِضٍ.

أَتَذَكَّرُ فَجْأَةً أَنَّ التَّنَازُلَ عَنِ الذَّاتِ كَانَ بَدَايَةَ السُّقُوطِ، لَكِنَّنِي الآنَ أَكْتَشِفُ أَنَّ اسْتِعَادَتَهَا لَا تَعْنِي الْعَوْدَةَ إِلَيْهَا كَمَا كَانَتْ، بَلْ إِعَادَةَ خَلْقِهَا مِنْ جَدِيدٍ، مِنْ خِلَالِ هَذَا التَّوَتُّرِ بَيْنَ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، بَيْنَ الِانْغِلَاقِ وَالِانْفِتَاحِ، بَيْنَ الصَّمْتِ وَالضَّجِيجِ.

أَمْشِي فِي الشَّارِعِ، لَكِنَّ الشَّارِعَ يَمْشِي فِي دَاخِلِي أَيْضًا. كُلُّ وَجْهٍ أَرَاهُ يَتْرُكُ أَثَرًا، كُلُّ صَوْتٍ يَمُرُّ يُوقِظُ شَيْئًا نَائِمًا فِي أَعْمَاقِي. لَمْ أَعُدْ ذَلِكَ الشَّخْصَ الَّذِي كَانَ يَحْفِرُ قَبْرَهُ بِصَمْتٍ، بَلْ أَصْبَحْتُ فَضَاءً يَتَّسِعُ لِكُلِّ هَذِهِ الْفَوْضَى الْجَمِيلَةِ.

أَضْحَكُ مَرَّةً أُخْرَى، وَهَذِهِ الْمَرَّةُ لَا تَسْقُطُ ضَحِكَتِي عَلَى الْأَرْضِ، بَلْ تَرْتَفِعُ كَطَائِرٍ يَتَعَلَّمُ الطَّيَرَانَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى. أَقُولُ لِنَفْسِي: رُبَّمَا لَمْ أَكُنْ مُهَانًا، بَلْ كُنْتُ فَقَطْ غَائِبًا عَنْ نَفْسِي. وَرُبَّمَا الْعُلُوُّ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ فِي الْهُرُوبِ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ فِي الِانْغِمَاسِ فِيهِ حَتَّى الذَّوَبَانِ.

أُغْمِضُ عَيْنَيَّ، فَأَرَى الْعَالَمَ. أَفْتَحُهُمَا، فَأَرَى نَفْسِي. بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَرَكَتَيْنِ الْبَسِيطَتَيْنِ، يَحْدُثُ كُلُّ شَيْءٍ: السُّقُوطُ، النُّهُوضُ، الْفَهْمُ، وَالضَّيَاعُ. وَأَنَا، كَعَادَتِي، أَكْتُبُ هَذَا كُلَّهُ دُونَ أَنْ أَعْرِفَ لِمَاذَا، كَأَنَّ الْكِتَابَةَ نَفْسَهَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الْوَحِيدَةُ لِأَتَذَكَّرَ أَنَّنِي مَا زِلْتُ هُنَا، بَيْنَ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، بَيْنَ مَا كُنْتُهُ وَمَا يُمْكِنُ أَنْ أَكُونَهُ.

ثُمَّ فَجْأَةً، يَتَوَقَّفُ كُلُّ شَيْءٍ، كَأَنَّ الزَّمَنَ تَعَثَّرَ فِي فِكْرَةٍ. أَسْمَعُ صَوْتًا يُشْبِهُنِي يَقُولُ: لَا تَتَنَازَلْ مَرَّةً أُخْرَى. لَكِنَّنِي لَا أُجِيبُهُ. أَتْرُكُهُ يَتَرَدَّدُ فِي دَاخِلِي، كَصَدًى لَا يُرِيدُ أَنْ يَنْتَهِي، وَأُوَاصِلُ السَّيْرَ، لَيْسَ نَحْوَ مَكَانٍ مُحَدَّدٍ، بَلْ نَحْوَ تِلْكَ النُّقْطَةِ الْغَامِضَةِ حَيْثُ يَلْتَقِي الدَّاخِلُ بِالْخَارِجِ، حَيْثُ تَبْدَأُ الْحِكَايَةُ مِنْ جَدِيدٍ.



0 التعليقات: