في لحظة سياسية دقيقة، تتجه الجزائر نحو مراجعة دستورية جديدة تمنح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع، خاصة في مجالي التعيينات القضائية والإشراف على الانتخابات. وهي خطوة تبدو في ظاهرها امتدادًا لمسار إصلاحي، لكنها في العمق تثير تساؤلات عميقة حول طبيعة التوازن بين السلطات وحدود الفصل بينها.
إن توسيع صلاحيات مؤسسة الرئاسة ليس مجرد إجراء تقني في هندسة الدولة، بل هو تعبير عن رؤية سياسية كاملة تعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع. فحين يُمنح الرئيس نفوذًا أكبر في تعيين القضاة، فإن ذلك يفتح الباب أمام نقاش حاد حول استقلال القضاء، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لأي نظام ديمقراطي. فالقضاء الذي يُفترض أن يكون سلطة قائمة بذاتها، يتحول تدريجيًا إلى مجال متداخل مع القرار التنفيذي، مما يضعف من قدرته على أداء دوره الرقابي والتحكيمي.
أما في ما يتعلق بالإشراف على الانتخابات، فإن المسألة تتجاوز الجانب الإداري لتلامس جوهر العملية الديمقراطية. إذ لا يمكن الحديث عن تنافس سياسي حقيقي في ظل إشراف مركزي مفرط من السلطة التنفيذية على قواعد اللعبة الانتخابية. وهنا تتشكل مفارقة واضحة: تعزيز السلطة التنفيذية باسم الاستقرار، في مقابل تقليص هوامش الثقة السياسية لدى الفاعلين والمواطنين على حد سواء.
لقد كشفت تجربة الحراك الشعبي في الجزائر سنة 2019 عن رغبة عميقة لدى المجتمع في إعادة صياغة العلاقة مع السلطة، على أساس المشاركة والشفافية والمحاسبة. غير أن المسار الذي تلا تلك اللحظة المفصلية يوحي بأن النظام اختار طريقًا مختلفًا، يقوم على إعادة إحكام السيطرة على مفاصل الدولة بدل توزيعها. وهو خيار قد يوفر نوعًا من الاستقرار الظرفي، لكنه يظل محفوفًا بمخاطر إعادة إنتاج نفس أسباب الاحتقان التي فجّرت الأزمة سابقًا.
إن الرهان على "الاستقرار المؤسسي" عبر تركيز الصلاحيات في يد واحدة قد يبدو مغريًا في سياق إقليمي مضطرب، لكنه يطرح إشكالية جوهرية: هل يمكن تحقيق الاستقرار الحقيقي دون انفتاح سياسي فعلي؟ وهل يمكن بناء شرعية مستدامة دون إشراك فعلي للمجتمع في صناعة القرار؟
في التجارب السياسية المقارنة، غالبًا ما يؤدي تضييق المجال السياسي إلى نتائج عكسية، حيث يتحول الصمت الظاهري إلى توتر كامن، سرعان ما ينفجر في لحظات غير متوقعة. وفي حالة الجزائر، التي تحمل ذاكرة ثقيلة من الأزمات السياسية، فإن أي انزلاق نحو مزيد من تركيز السلطة قد يعيد فتح جروح لم تندمل بعد.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تعديل دستوري، بل هو إعادة تعريف لطبيعة النظام السياسي ذاته: هل هو نظام يتجه نحو توزيع السلطة وتعزيز التوازنات، أم نحو إعادة إنتاج نموذج مركزي يُمسك بكل الخيوط من أعلى؟ بين هذين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة القادمة، ويتقرر مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وفي قلب هذا التحول، يظل السؤال معلقًا: هل تستطيع السلطة أن تعزز شرعيتها عبر تقوية قبضتها، أم أن الشرعية الحقيقية لا تُبنى إلا في فضاء مفتوح، يتنفس فيه المواطن حرية الاختيار والمساءلة؟








0 التعليقات:
إرسال تعليق