الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 23، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي (ثلاث روايات فائزة بجائزة البوكر ) إعداد عبده حقي

 


في المشهد الروائي العربي المعاصر، لا تبدو الجائزة العالمية للرواية العربية مجرد تتويج سنوي، بل أشبه ببوصلة ثقافية تعيد توجيه السرد العربي نحو أسئلة الوجود، والهوية، والتاريخ. ومن بين الأعمال التي استطاعت أن تحفر أسماءها في الذاكرة الأدبية العربية، تبرز ثلاث روايات كبرى: «عزازيل» ليوسف زيدان، و*«ساق البامبو»* لسعود السنعوسي، و*«موت صغير»* لمحمد حسن علوان. ثلاث روايات لا يجمعها الفوز فقط، بل يجمعها أيضا انشغالها العميق بالإنسان العربي في لحظاته الهشة، بين الإيمان والاغتراب، بين الجسد والروح، وبين التاريخ والأسئلة المفتوحة.

في رواية «عزازيل»، يفتح يوسف زيدان نافذة على زمن اللاهوت الملتهب، حيث تتقاطع العقيدة مع العنف، ويصبح الإنسان ساحة صراع بين السماء والأرض. تدور الرواية حول الراهب “هيبا”، الذي يدوّن اعترافاته في صحراء مصر، كأن الكتابة فعل خلاص، أو محاولة لترويض شيطان داخلي اسمه “عزازيل”. لا تقدم الرواية تاريخا فقط، بل تقدم تاريخ الألم البشري في مواجهة التعصب. يقول السارد في إحدى العبارات المكثفة:

“كلنا نحمل عزازيلنا في الداخل”
هذه الجملة، على قصرها، تختزل رؤية الرواية: الشر ليس خارجنا، بل يسكننا، ويكبر كلما تجاهلناه. لقد استطاع زيدان أن يجعل من التاريخ الديني مادة سردية نابضة، وأن يطرح سؤال التسامح في زمن ما يزال يرزح تحت ظلال الانقسام.

أما في «ساق البامبو»، فإن السرد ينتقل من صراع اللاهوت إلى صراع الهوية. هنا لا نجد راهبا يبحث عن الله، بل إنسانا يبحث عن نفسه. “عيسى/خوسيه”، ابن الخادمة الفلبينية والأب الكويتي، يعيش ممزقا بين ثقافتين، كأن جذوره ممتدة في أرضين لا تعترفان به. الرواية، التي فازت بالبوكر سنة 2013، تعكس مأساة الإنسان الهجين في المجتمعات المغلقة، حيث تتحول الهوية إلى عبء بدل أن تكون ثراءً.

في أحد المقاطع اللافتة، يقول البطل:

“لو أن للبامبو جذورا ثابتة لما نجا”
هذه الاستعارة البسيطة تحمل عمقًا فلسفيا: المرونة هي سر البقاء، لكن المجتمعات العربية غالبا ما ترفض هذه المرونة. فالرواية ليست فقط حكاية فرد، بل مرآة لواقع اجتماعي يرفض الآخر، حتى لو كان جزءا منه.

ثم نصل إلى «موت صغير» لمحمد حسن علوان، حيث يتخذ السرد بعدا صوفيا عميقا. الرواية تستعيد سيرة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، لكنها لا تكتفي بالتوثيق، بل تعيد تخييل الرحلة الروحية لإنسان يسافر في الجغرافيا كما يسافر في ذاته. إنها رواية عن السفر كقدر، وعن البحث كحياة.

ومن أجمل ما ورد فيها:

“الوجود كله سفر في سفر”
بهذه العبارة، يلخص علوان فلسفة الرواية: لا استقرار في هذا العالم، بل حركة دائمة نحو معنى لا يُدرك بالكامل. هنا يتحول ابن عربي إلى رمز للإنسان الباحث، الذي لا يكتفي بالإجابات الجاهزة، بل يغامر في متاهات الروح.

إذا تأملنا هذه الروايات الثلاث، نجد أنها تشكل ثلاث دوائر متداخلة:

  • عزازيل تمثل صراع العقيدة مع الإنسان
  • ساق البامبو تمثل صراع المجتمع مع الفرد
  • موت صغير تمثل صراع الإنسان مع ذاته

وهذه الدوائر الثلاث ترسم خريطة الهمّ العربي المعاصر. فالرواية العربية لم تعد مجرد حكاية، بل أصبحت مختبرا للأسئلة الكبرى. لم يعد الكاتب يروي فقط، بل يحفر، يشكك، ويعيد بناء المعنى.

أسلوب هذه الأعمال الثلاثة يلتقي أيضا في نقطة جوهرية: اللغة بوصفها كائنا حيا. يوسف زيدان يكتب بلغة تراثية مشبعة بروح المخطوطات القديمة، بينما يختار السنعوسي لغة بسيطة لكنها مشحونة بالدلالات الاجتماعية، في حين يذهب علوان إلى لغة صوفية شفافة، كأنها تنبع من داخل النص لا من خارجه. هذا التنوع يعكس ثراء الرواية العربية، ويؤكد أنها لم تعد أسيرة نموذج واحد.

ولعل أهم ما يجمع هذه الروايات هو جرأتها. عزازيل تجرأت على التاريخ الديني، ساق البامبو تجرأت على البنية الاجتماعية، وموت صغير تجرأت على إعادة كتابة التراث الصوفي. هذه الجرأة هي ما جعلها تستحق البوكر، لأنها لم تكتفِ بإرضاء القارئ، بل دفعته إلى التفكير، وربما إلى القلق.

إن القارئ، وهو ينتقل بين هذه الروايات، يشعر أنه ينتقل بين ثلاثة أزمنة: زمن الماضي في عزازيل، زمن الحاضر في ساق البامبو، وزمن المطلق في موت صغير. ومع ذلك، فإن السؤال واحد: من نحن؟
هل نحن كائنات تبحث عن الخلاص، أم عن الاعتراف، أم عن المعنى؟

بهذا المعنى، يمكن القول إن هذه الروايات ليست مجرد أعمال أدبية، بل هي وثائق روحية لزمن عربي مضطرب. زمن يبحث فيه الإنسان عن نفسه وسط ضجيج السياسة، وانقسام الهوية، وتيه القيم.

وفي النهاية، ربما لا تقدم هذه الروايات إجابات نهائية، لكنها تقدم شيئا أكثر أهمية: القدرة على طرح السؤال. وفي الأدب، كما في الحياة، السؤال الجيد هو بداية الطريق.

هكذا تكتب الرواية العربية نفسها اليوم: لا كمرآة صامتة، بل كجرح مفتوح، ينبض بالحكاية، ويبحث عن قارئ يشبهه.



0 التعليقات: